كنت أتوجه نحو ماكينة دفع الحساب في إحدى المتاجر الشهيرة لبيع الكتب والإلكترونيات، عندما لفت انتباهي هذا الشاب الثلاثيني بنظارته الطبية سميكة العدسات، وحركة جذعه اللاإرادية بانتفاضة صغيرة تتكرر كل 10 ثوان، كان الشاب مهذبا جدا وودودا، وأصر على تعبئة مشترياتي بنفسه عندما عرضت أن أقوم أنا بالتعبئة؛ كي لا أتعبه، انتهيت من دفع الحساب وخرجت أفكر في قابلية الإنسان الكبيرة للإصابة بأي شيء يضعفه (vulnerability)، وكيف أنه حتى لو اتبع أفضل الأنظمة الصحية، ومارس الرياضة بانتظام، وانتهج أسلوب حياة صحي، فهذا لن يمنعه من أن يصاب في حادثة ما، أو حتى تظهر عليه أعراض مرض جيني ورثه منذ الولادة.

الطفرات الجينية في الإنسان مخيبة للآمال، حتى لو كان اسمها يوحي بأنها ثورة تنتج شيئًا عظيما، فهي في معظم الأحوال تنتج خللا هورمونيا أو كيميائيا معينا يصبح بعده حامل الطفرة شخصا ضعيفا أو مريضا أو ربما أيامه معدودة، حقيقة لا أدري ما سبب انتفاضات هذا الفتى الودود، إلا أنها في أغلب الظن مرض وراثي ما أصاب بشكل رئيس جهازه العصبي، وأثر أيضا على جسده بشكل عام، ومنها ضعف إبصاره.

قد يبدو الأمر غريبا، لكن خطأ بسيطا في تكوين نوع واحد من عنصر الكولاجين – مثلا – في جسم الإنسان قد ينتج عنه آثار جانبية توثر على مختلف أعضاء الجسد، فمريض متلازمة المارفان (Marfan syndrome) الذي يفتقد لجين يساعد في تكوين عنصر هام من عناصر (الكولاجين نوع 1) يعاني من أعراض عديدة، منها: الطول المبالغ فيه، وطول أطرافه، مع المرونة الزائدة عن الحد للمفاصل، وقابلية انفصال عدسة العين، وتمدد شريان الأورطي، وارتجاع في صمامات قلبه، وأشياء أخرى، كلها نتيجة فقد عنصر واحد من عناصر نوع معين من الكولاجين الذي يشترك في بناء كل هذه الأنسجة.

عندما صارحت أخي الذي كان يرافقني في المتجر بإشفاقي على الشاب عامل الحسابات وإعجابي بمثابرته في نفس الوقت، قال لي: إننا بدأنا نلاحظ أصحاب هذه الطفرات في حياتنا أكثر؛ لأن عدد سكان الكرة الأرضية أخذ يزداد بصورة مطردة في المائة عام الأخيرة بالذات، ومعها تتزايد فرصة الطفرات، ناهيك عن الحياة الصناعية والملوثات البيئية، بالإضافة إلى تطور الطب الذي ساهم في جعل هؤلاء المصابين بالطفرات قادرين على العيش لفترة أطول وبشكل يتم فيه احتواء أعراض المرض نوعا ما.

كم هو مذهل التحول الذي قد يطرأ على الإنسان في لحظات بسيطة! فمن الممكن أن تجد رجلا خمسينيا يجلس بين أفراد عائلته يتسامر ويتجاذب الحديث ولا يشعر بأية مشكلة غير بعض الصداع، ثم فجأة يفقد الرجل الوعي، وتتضح إصابته بجلطة دماغية، وقد تقضى على حياته، أو يتعافى منها ببطء؛ على حسب موقعها وحجمها، هذا الإنسان كان يعيش في الواقع، ثم في ثانية أصبح عقله يسبح في عالم بعيد عن عالمنا، أو ربما لا يسبح على الإطلاق، الكثير منا لا يدرك هذا، وحتى لو أدركه، فمعظمنا يحاول طرد الفكرة عن عقله ومتابعة الحياة كما هو معتاد.

ولكن هل معظم الطفرات الجينية في الإنسان ضارة وتنتج عنها أمراض عديدة، بدلا عن قدرات خارقة للطبيعة تجعلنا أكثر قوة كما يصوره لنا مؤلفو روايات الخيال العلمي، كالرجال (إكس) وغيرهم؟

الحقيقة أن الطفرات الجينية مفيدة في أوقات كثيرة، بل إنها عامل رئيس في استمرار النوع؛ بالمساهمة في التأقلم مع الظروف البيئية المختلفة عبر عملية التكيف adaptation التي تفسر التطورات الناشئة على نوع معين من الكائنات species، فجسد الإنسان البدائي، بضخامة بنيانه، وعضلاته، وحدة حواسه، مع شعره الغزير، استبدل به الإنسان المعاصر، بجسده الأقل حجما، والأكثر ذكاء، طبقا لتغير طبيعة البيئة وظروف المعيشة، لكن كل هذه التطورات هي طفرات صامتة تحدث ببطء خلال أوقات طويلة، بينما الطفرات السيئة هي التي نشعر بها أكثر على هيئة أمراض، وللأسف لا تنتج إنسانا يستطيع الطيران، أو يمتلك مخالب فولاذية بين أصابع يديه.

هل معنى الكلام السابق هو الاستسلام لفكرة ضعف الإنسان، وأنه لا حول له ولا قوة، ومصيره ليس بيده بشكل تام؟

بالطبع لا، إلا إذا كنت من أنصار فلسفة العدمية، فهنا كل شيء بلا معنى.. لكن من المفيد الشعور بالامتنان المستمر لامتلاك صحة جيدة والعطف المادي والمعنوي على كل من يعاني من مرض يعيق حياته الطبيعية، واستمرار دعم العلم في رحلته الخالدة؛ لاكتشاف أسرار البشرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك