لماذا نخاف من العدم والموت؟

لِمَ نخاف من الموت؟ هل تساءلت من قبل، لِمَ كُلُّ هذا الرُعب مِن الموت، مِن العدم والمجهول والبعدُ الماورائيّ، ولِمَ تخافُ مِن الخطر؟ حتَّى لو كنت مدركًا لعبثيَّةِ هذه الحياة، وعدميتها، وكُنت تُهلِّلُ للموتِ والراحةِ الأبديَّة كُلَّ قليل.

الإنسان ليس ذا قيمة مستقلة كما يُخيَّل لنا، نستطع اعتباره أنّهُ محاكاة بين المنطق الفكريّ الخام والمستقل؛ وهو قدرته على تحليل كل ما من حوله، ووضع التقيميات، والفُرَص لإقرار شكل حياته، وصياغة قراراته، وبنفس الوقت يستطع أن يصنع عالمً خالي من الحدود، وهو ما نسميه الفنّ، لغةٌ للتعبير عن الوجود الإنسانيّ المُستقل. ولكن بالجهة المقابلة، يوجد كمّ كبير من القيود؛ السلوكيات التطوريَّة، الإرادة الكليَّة، وهم الإرادة الحُرّة.

السلوكيات التطوريَّة وعلم النفس التطوري

هو منهج من العلوم الإنسانية والطبيعية، يحاول تفسير السلوكيات البشرية، من خلال دراسة السمات النفسية للكائن، مثل اللغة والإدراك وقدرته على التأقلم، وتفسير قراراته ونهج حياته الاجتماعية، وهذا يعتمد على التاريخ التطوري للإنسان، والمراحل التي مرَّ بها، وشَكلت لديه ما يُسمى الإيثار التطوري، وهو الجزء الأكبر الذي يتحكم باختيارات الإنسان، والذي يحدد رغبته بالبقاء في الحياة رغمًا عنّه يُخيَّل لك أنَّ الأمر ليس قسريَّا عليك، وأنت تُحب الحياة، ولكن الأمر يعود لأكثر من عامل، هذه العوامل تبدو واضحة لمن يُقبل على التفكير بالانتحار، أو يواجه خطر ما، وهُنا سوف تتضح الصورة أكثر، وسوف تتفهم فخ الطبيعة.

يذكر لنا كتاب الجين الأناني لعالم الأحياء ريتشارد دوكنز، مثال جيّد عن عمل الجينات للحفاظ على الاستمرارية البشريَّة، وحتى لو كانت هذه الجينات تعمل بشكل لاأخلاقيّ حسب معايير هذا العصر، ولكن هي سبب في الوجود الإنساني. ويجب أن نعلم أنَّ الطبيعة، والعلم، والتطور، لا يمتلك أيّ مصفوفة أخلاقيَّة، بل هو مستقل بشكلٍ كامل، يحاول أن يحفظ استمرارية الجينات البشرية وغيرها من الكائنات.
يقول الكتاب1: إنَّ الجسد البشريّ، هو الوعاء الحافظ للجينات الناجية من الانقراض، وهذه الجينات هي المتحكم بسلوكياتك كإنسان.
هُنا يجدر الذكر بأنَّ طبيعتك الإنسانية المتخيَّلة، بأنّك تملك حرية القرار بكل أفعالك وانتقائك للقرارات والسلوكيات، ليست أكثر من محاولة عقلية لنوهم أنفسنا أنّنا مُستقلين فكريًا بشكل تام، لكن الأمر ببتعبير أصَّح، هو أنّنا مقيدين برغبة، أو إرادة جيناتنا على الاستمراريَّة، وهذه الإرادة إن صح التعبير هي إرادة الطبيعة وقوانين الانتقاء الطبيعي، وهي العامل الأول الذي يقف بوجهك عندما تفكّر بالموت، وهي أيضًا مسؤولة عن حمايتك من الخطر، بشكلٍ لاإراديّ، وهذا من خلال مجموعة استراتجيات مُعتمدة في سلوكياتنا. فجيناتك – البرمجة الجينيَّة – ليست مؤهلة لعمليَّة الانتحار أو التأقلم مع فكرة العدم، ولتفهم عمل الجينات أكثر، وما صحّة هذه النظريَّة (أنها المتحكمة بالسلوكيات البشرية) سوف نأخذ أحد الأمثلة من الكتاب، ولكن قبل ذلك لنتفهم معنى – الجين الأناني – وكيفيَّة عمله من خلال هذا الفيديو القصير:

مثال عن عمل الجينات

أغلب الجينات تعمل على قاعدة أساسيَّة وهيَ نشر أكبر عدّد منها، وبشكلٍ أفضل وأوسع، وهذا الإنتاج يقوم على عملية الجنس والتناسل والتأقلم مع البيئة، إذًا، رغبتنا الجنسية حُدِّدت قواعدها العامة من أجل انتقاء الطريقة الأفضل للاستمرار من خلال التناسل ونشر الجينات بأكبر شكل ممكن، ومن هذا المبدأ صاغ التطور أكثر من استراتجيَّة لتأمين ذلك، مثل تكوين المؤسسة الزوجية، وتكوين استراتجيَّة ذكورية تتمثّل بالحصول على امرأة تحفظ الجينات، وهذا أحد جذور الأفكار الدينية مثل؛ المرأة العذراء هي بمرتبة أفضل من المرأة متعددة العلاقات؛ وهذا بسبب رؤية المرأة أنها وعاء حفظ للجينات، ولا يجب أن يتشارك به أحد غير الذكر الذي قام بتلقيح، وبنفس الوقت هذا يفسر الغيرة الزوجية والعائلية على الأنثى من باب السلوكيات التطورية، وهذا بغية الحفاظ على جيناته، والاستمراريَّة، ويوجد الكثير من الكائنات التي تتبع نفس الاستراتجية بطرق مختلفة، مثل الفأر، والنحل، وغيرهم، ونفس الاستراتجية مسؤولة عن سلوكيات الأنثى بانتقاء الذكر الأكثر فحولة، والأكثر موارد، ونستطع أيضًا ربط ذلك بفكرة المهر والعادات الدينية لنعرف ما هي جذورها التطوريَّة، فنحن مُبرمجين جينيًا لنشر جيناتها، بأكثر من استراتجية، وكلها بهدف الاستمراريَّة.

فلو أخذنا أحد أمثلة كتاب الجين الأناني، وهو تعدد الزوجات، نعلم أنَّ بالرغم من أنانية هذه الفكرة، ولكن كانت منقذ للجنس البشري بالتاريخ التطوري؛ حسنًا، إن كان لدينا اثنان من الرجال وأربع نساء، أحد الرجال هو شخص مخلص وغير خائن، وتزوّج امرأة واحدة.
ولكن الرجل الآخر تزوّج ثلاث نساء، وبعد عملية التناسل وجد لدينا ثلاثة أطفال من الرجل الأول، وتسعة أطفال من الرجل الثاني، هُنا يجب أن نتخيَّل الخطر على الجينات (أسد جائع مثلًا) وفرصة نجاة جينات كل رجل منهم، ومن الطبيعيّ أن يكون والد التسعة أولاد الحاملين لجيناته ذات فرصة أكبر للاستمراريَّة.

المثال التوضيحي وملخص الكتاب

إذًا، هذا هو عمل الجين الأناني لحفظ الاستمرارية، واستراتجية تعدد الإناث للرجل الواحد كانت من أجل إنقاذ الجنس البشري من خطر الانقراض، المقصود من هذا المثال هو تفسير رغبة الذكر بالخيانة، وعدم اكتفائه بأنثى واحدة، وهذًا تبعًا لتاريخه الطويل مع هذه الاستراتجيَّة، تستطع القول هُنا أنَّ الجينات وإرادة الطبيعة تتحكم بجزء من رغبتك وهي نشر الجينات بكثّرة، ولكل كائن طريقته في نشر الجينات، ولكل جنس من الجنسين استراتجيَّة محدّدة لهذه العملية، مثلًا الذكر يحاول الحصول على أفضل جينات مقابلة للتناسل، وهي معيار الجمال للأنثى، وهذا لرغبته باستمراريَّة جيناته بشكلٍ أفضل، والأنثى تبحث عن الذكر كثير الموارد، الذي يؤمن الاستقلاليَّة وحماية الأطفال، والأمثلة هذه من التاريخ التطوري مخالفة تمامًا لمبدأ الموت والعدم؛ لأن البرمجة الجينية التي نشأ الجنس البشريّ عليها وتطوّر، تنافي فكرة التخلّص من الجينات الخاصة، أو الجينات القريبة مثل العائلة، وهذا أيضًا أحد أسباب الترابط العائلي، كل تلك البرمجة الجينية تنافي بشكل كامل فكرة الموت والعدم، وهنا يبدأ الإنسان بصياغة أفكاره لتفهم هذا التعلق بالحياة، منذ فجر الفلسفة حتَّى اليوم.

ولكن قبل الانتقال للنقطة التالية يجب توضيح أمر في غاية الأهميَّة، هذا التاريخ التطوري ليس أبدًا مرجعية أخلاقيَّة، وليس مبرّرًا للتعدد أو الخيانة الزوجية، بل ببساطة إنّه شرح لتاريخ تطوري مررنا به، ويفترض أنّنا ارتقينا عنه، وأصبح لدينا فكر مستقل بدوائر أخلاقيَّة أفضل. وما ذُكر ليس أمثلة عن عصرنا الحالي، بل أمثلة عن إنسان بدائي جدًا يفتقر لفكرة أحترام حريَّة الآخر وحقّه في الحياة.

وطالما رغب ريتشارد دوكنز أن لا يتم فهم الكتاب بشكل خاطئ، أو أن يتم تحليله على أنّه أخلاقيّ أو لا، بل الموضوع مختلف بشكل مطلق، ويقول في كتاب الجين الأناني:

لا أتحمس للأخلاق التي أنشأها التطور، فإذا كنا قد ولدنا أنانيين، فعلينا إذا أردنا أن نحيا في مجتمع يتعاون أفراده لتحقيق أهداف سامية ألا نتوقع مساعدة من طبيعتنا البيولوجية، ومن ثم علينا أن نُعلِّم أبناءنا الكرم والإيثار.

وذكر رأيه بالأخلاق الداروينية:

إن التطور الدارويني لا يُنتج إلا أمثال هتلر، والمجتمع الدارويني لا يكون إلا مجتمعًا فاشيستيا ينتشر فيه التعصب العنصري والتصفية العرقية.

وطالما الناقدين للتطور، والنظرية العلمية التطورية، يستخدم مغالطة رجل القش ليحاول إظهار التطور أنّه مرجعية أخلاقية، وهذا الكلام عار عن الصحة.

الإرادة الكليَّة كما قدمها شوبنهارو، الفيلسوف الألماني شوبنهارو، رمز التشاؤم والسوداويَّة، بالرغم من حياة الرفاهية التي كان يعيشها، فإنّه يرى أنَّ الحياة شَرُّ مُطلق، فقد بجَّل العدم في كتابه (العالم إرادة وفكرة). يتحدث عن فلسفة الإرادة الكليَّة الّتي تُجبرنا على البقاء على قيد الحياة، فنحن محكومين بها. وتتجلى هذه الإرادة لتحقيق التناسل والاستمراريَّة من خلال قوّة الطبيعية، ولهذا يفسّر لنا شوبنهاور الحب والعلاقات البشرية من هذا المنطلق، كما يرى شوبنهارو استنادًا لفلاسفة قبله مثل فرويد، أن الجنس هو الدافع الأول التي تقام عليه حياة الإنسان والحيوان، والركيزة التي تقوم عليها حياة الفرد والجماعة، ومفتاح فهم السلوك الإنساني.

الإرادة الكلية: هي المنطلق الذي تقوم الطبيعة عليه بالكامل، بهدف الحفاظ على استمراريَّة جميع الكائنات من نباتات وحشرات وإنسان، ولا يُمكن أن تُبالي مِمَن أحاطتهم الآلام والتشاؤم والخمول، والموت، العدم هو عدو الطبيعة والإرادة الكليَّة، ولكن طالما تقف الإرادة الكليَّة في وجهه، وترفض سيطرته على الكائنات مهما تضاخم وعيهم لهذه الحياة العبثيَّة والعدميَّة. ولهذا يرى شوبنهارو أنَّ الموت فضيلةٌ غيرُ مُدركة، بالإنسانُ يخاف من الموت أكثر من الموتِ بذاته، وهكذا ينتصر الألم والشقاءُ والعبثيةُ والإرادة الكليَّة على الموتِ والعدم.

صياغة الإنسان للأديولوجية الدينيَّة، الماورائية، (الميتافيزيقية) للتخلص من رهبة العدم.

طالما حاولت البشريَّة صياغة مفاهيم ما بعد الموت، وهذا يعود للميثولوجية التاريخية وتتاريخ ما قبل الأديان، وأكمل مسيرته بوضع شكل من أشكال الماورائية بعد الموت، مثل الجنَّة والجحيم، تناسبق الأرواح أو التقمص، انتقال الوعي إلى كون موازي. وهذا في غاية الخلود دائمًا. وهذا لا يتوقف هُنا بل طالما كان للموت وما بعده بصمةً أساسية للأدب والشعراء والمفكرين، فالجميع يحاول الهروب من فكرة العدم. وهذا يعود لرغبة الإنسان بالاستمراريَّة أولًا، ورغبتهُ بالعدلِ ثانيًا، غالبًا ما نسمع السؤال الشهير (وبعد الموت إلى أين تذهب؟ أو (والمجرم كيف يُحاسب على خطاياه بعد الموت؟) وهذا بسبب الجذور الفلسفية الّتي شكلها البشر بمحاولتهم إعطاء الحياة معنى وجوديّ عام، وميزان عدل ماورائيّ (بعد الموت) لأنهم يفتقدونه بحياتهم، وفي زاوية ما من باطن كل شخص مظلوم، هُناك فكرة تنوحُ بالانتقام، وليُصبِّر نفسه يستعين بفكرة الحساب بما بعد الموت. وبنفس الوقت كانت فكرة ما بعد الموت والرهبة من العدم، حجر أساس قويّ جدًا في النشوء الديني، الذي طالما أحتاج التهريب ليكتسب الولاء، وهُنا أقصد الفرضيات الماورائية، مثل عذاب القبر في الدين الأسلاميّ، والجحيم في الديانات الإبراهميَّة، وانتقال الروح لجسد مُتعب وحياة سيئة في الديانات الباطنيَّة، فالبشرية طالما كانت تمتلك موهبة في التأويل لربح الولاء من الضعفاء، أو الأقل منهم وعيًا بحقيقة الحياة.

يقول بليز باسكال:

ليس هناك خير في الحياة إلا الأمل في حياة أخرى، ولا يكون المرء سعيدًا، إلا بقدر اقترابه من هذا الأمل، وكما أنَّه لن تقع ضروب من سوء الحظ لأولئك الذي يمتلكون ناصية اليقين القوي في الأبدية، فكذلك ليس هناك سعادة لأولئك الذين لا يميلون لذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!