استغرق العالم المتحضر أحد عشر شهرًا منذ انطلاق أول هتاف للحرية ليعقد مؤتمر “أصدقاء سوريا الأول” بتاريخ 24 فبراير 2012 في تونس، في محاولة لإيجاد حل سياسي في سوريا  بعدها تكرر السيناريو نفسه في كل المؤتمرات اللاحقة دون تحقيق أي تقدم يذكر، بل على العكس؛ فبعد كل مؤتمر يلحظ زيادة في وحشية النظام وتدخلاَ جديدَا لأصدقاء الأسد في سوريا، وكأنه ضوء أخضر لمزيد من الوحشية خلَّف عند السوريين متلازمة مؤتمر- مصيبة.

من الواضح أن المؤتمرات أصبحت تقليدًا سنويًا لإخفاء إخفاق السياسة الدولية في حل المحنة السورية بشكل “متعمد” على غالب الظن وهنا “عدم الظن إثم”، ولهم فيه مآرب أخرى. فالمترقب للمشهد السياسي عن كثب يحس برغبة صانعي القرار في الإدارة الأمريكية التي وقفت موقف المتفرج على قتل الشعب السوري بالإضافة إلى الاكتفاء بالمراقبة عن بعد للتدخل الروسي في سوريا، وكأنها تريد أن تحقق ما تريد في سوريا من خلال اللاعب الروسي دون خسائر تذكر، وظهر ذلك في مؤتمر جينيف جليًا، فالجهود الأمريكية تصب في مصلحة الروس والنظام وإعطائهم الوقت الكافي للتمدد على التراب السوري وهو ما حصل حقيقة في حلب اليوم فقد شنّت الطائرات الروسية أعنفَ هجومٍ جوّي على حلب وريفها، مستهدفةً الريف الشمالي لوحدهِ بأكثر من 90 غارة، في ظل تقدّم الميليشيات الشيعية نحو نبل والزهراء.

 

بماذا يختلف جينيف3 ولماذا نتفاءل به؟

السواد الأعظم من الشارع السوري وخاصة في الداخل أيقن عين اليقين أن لا حل سياسي في سوريا على الأقل في الوقت الراهن، لإدراكه أن الإرادة الدولية وأولوياتها هي إبقاء الأسد ومحاربة الإرهاب، وما زاد الطين بلة بيع سوريا بالكامل لروسيا، بالإضافة إلى عدم توحد الفصائل المقاتلة على الأرض، فأصبح أي لقاء سياسي هو إما لإحراج المعارضة وجرها للقبول بحكومة مشتركة مع النظام مع بقاء الأسد في مكانه وإما بتخفيض سقف مطالبها ليتحول من انتقال سلمي للسلطة وتشكيل هيئة حكم انتقالي إلى القبول بإدخال المساعدات إلى المناطق المحاصرة، فما صرح به ديمستورا يعطي الجواب بشكل واضح ومباشر:

تطبيق القرار 2254 ليس من اختصاصه بل من اختصاص مجلس الأمن والدول الراعية للتفاوض.

المهزلة الأكبر أنه في كل مؤتمر تختلف الشخوص؛ فمرة الأخضر الإبراهيمي ومرة ديمستورا، وذلك ينطبق على وفد المعارضة ووفد النظام، الطريف أن كل وفد يغني على ليلاه، فمثلاً منذ عامين تمامًا عقد اجتماع جنيف2 بهدف الوصول إلى حل ينهي الصراع في سوريا وقد انتهى الاجتماع بالفشل؛ لأن أهداف الفريقين المتفاوضين كانا على طرفي نقيض، النظام يريد بحث ملف الإرهاب بدعم روسي إيراني وتواطئ أمريكي، والمعارضة تريد بحث عملية تشكيل هيئة حكم انتقالي.

والآن في جينيف3 يعقد من جديد استنادًا للقرار 2254 والمبني أصلاً على تفاهمات لقاءات فيينا ونيويورك والمعطوف في حيثياته على مبادئ جنيف2.

كثير ممن كانوا متفائلين بجينيف3 أخذتهم الدهشة من خروج وفد المعارضة لجينيف قبل تحقيق مطالبهم الإنسانية وأنهم أخذوا بوعود وطمأنة يعلم القاصي والداني أنها كاذبة، هذا يطرح سؤالاً هل المعارضة مستقلة فعلا أم أنها تتبع جهات الدعم خاصة، وهل لو كان الاجتماع الأولي في تركيا بدلاً من الرياض كانت ستختلف تشكيلة وفد الهيئة؟ والآن دخلوا في متاهة التصريحات والتجاذبات السياسية في حين أن وفد النظام يبدو عالمًا بالنتائج كما هي، فكما ورد على لسان بشار الجعفري رئيس وفد النظام: “لن يكون هناك تفاوض، نحن هنا لإجراء محادثات غير مباشرة على شكل حوار سوري- سوري دون شروط مسبقة، ودون تدخل خارجي..” “احفظوها هذه؛ لأنها فاتحة بالقرآن تبعنا”.

وبين كل ذلك الركام السياسي يغيب الحديث عن جرائم الأسد وزمرته وروسيا ومن لف لفهم من حزب الله وإيران في مفارقة عجيبة ضياع البوصلة لدى المعارضة هو خذلان لدماء الشهداء الذين قضوا من أجل الحرية، يبقى السؤال الأكبر هل سيكون هناك جينيف4 وربما جينيف5؟
 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد