جنيف، جنة الديكتاتوريين (Genève, Paradis des dictateurs)، هو عنوان لتحقيق صحفي لإحدى القنوات السويسرية (RTS) التي تطرق فيها معدو برنامج (Temps Présent) إلى لجوء بعض الديكتاتوريين لإيداع أموالهم في المصارف السويسرية، وكان كل من الرئيس الكاميروني بول بيا، وابن رئيس غينيا الاستوائية تيودور نكيما، والذي يشغل في الوقت نفسه منصب نائب الرئيس بطلي هذا العمل الاستقصائي، فكمية الثروة التي يتم نهبها وتحويلها إلى بنوك سويسرا بمليارات الدولارات، بالإضافة للبذخ والترف اللذان يعيشان فيه، وكثرت الرحلات إلى جنيف، والكلفة التي تترتب عليها، على حساب ثروات وجيوب مواطني بلديهما الذين يعانون من ويلات الفساد والفقر وهشاشة وضعف البِنى التحتية.

كلما جرى التطرق لفضيحة مالية أو تهريب للأموال كما جاء في التحقيق الصحفي للقناة السويسرية، غالبًا ما يكون هناك بنك سويسري متورط بالقضية، فالعديد من رجال السياسة والأثرياء عبر العالم المثيرين للجدل يقومون بفتح حسابات بنكية في المصارف السويسرية، مما يؤدي لطرح سؤال جوهري: لماذا يلجأ رجال المال والسياسة للبنوك السويسرية؟

لجوء الشخصيات البارزة في ميدان المال والأعمال والقادة السياسيين، ومؤخرًا بعض الرياضيين، وكذلك مشاهير من الإعلاميين والفنانين، راجع بالأساس لسياسة الخصوصية التي تعتمدها هذه البنوك فيما يتعلق بالهوية السرية، وهناك أسباب أخرى ترجح كفة المصارف السويسرية، فمن الأسباب التي تشجع على فتح حسابات مصرفية في البنوك السويسرية:

  • التحفظ التي تمتاز به هذه المؤسسات البنكية في الكشف عن هوية أصحاب الحسابات المصرفية؛ إذ يعتبر غير قانوني تحديد البنوك هوية عملائها، إلا في بعض الحالات الاستثنائية، إن كان الأمر يتعلق بقضية مرفوعة ضد من له علاقة بالتجارة في المخدرات أو الجريمة المنظمة.
  • بالإضافة لذلك فالبنوك السويسرية مدعومة بأكثر العملات أمانًا في العالم، فالفرنك السويسري عملة قوية للغاية، ذلك لأنها مدعومة بنسبة 40% على الأقل من احتياطي الذهب في جميع الأوقات، مما يجعل نسبة التضخم مع هذه العملة تقريبًا (صفر).
  • اقتصاد سويسرا القوي والذي يدعم استقرار البلاد يجعلها نادرًا ما تتأثر بالنزاعات الاقتصادية الدولية.
  • من الأسباب الأخرى التي تحفز على فتح حسابات مصرفية في البنوك السويسرية والمراهنة على سلامة الأموال، هو طبيعة النظام المصرفي الذي يتيح للمودعين إيداع أموالهم بأسماء مستعارة، أو بأرقام لا يعلمها إلا أصحاب الحساب.

حجم الأموال التي تستحوذ عليها البنوك السويسرية من الإيداعات العالمية حوالي 30% من إيداعات البنوك، لكن رغم كل ذلك عقب ثورات الربيع العربي، نالت مجموعة من الفضائح النظام المصرفي السويسري، بعدما اتضح أن جل الطغاة والمستبدين العرب وبطانتهم الذين ثارت عليهم شعوبهم بفعل ما ذاقوه من فساد، واستبداد ونهب للثروات، كانوا يتخذون من هذه البنوك السويسرية خزائن للأموال التي سرقوها من شعوبهم، لذلك يتم تصنيف سويسرا أهم ملاذ للأموال التي يتم نهبها وسرقتها من الشعوب، إذ إن مصارفها تستخدم سرية المعطيات مند سنوات، مما جعلها تصنف من أهم الملاذات لإخفاء الأموال.

فحسب الغرفة العربية السويسرية للتجارة والصناعة في جنيف، فإن حجم الأموال العربية التي تم نهبها وسرقتها، والمخفية في البنوك السويسرية تقدر بنحو 200 مليار دولار، أما إجمالي المبالغ العربية المودعة في الخارج قد تصل إلى عدة تريليونات من الدولارات، وترى منظمة الشفافية الدولية، والتي تشتهر بتقريرها السنوي مؤشر الفساد، أن قسمًا كبيرًا من هذه الأموال يعود إلى حكام هذه البلدان، بالإضافة إلى حاشيتهم ورجال المال والأعمال الفاسدين الذين حصلوا على ثرواتهم بوسائل غير مشروعة.

هناك مراكز وجهات مصرفية أخرى أو مراكز للأفشور، التي تحتضن الأموال العربية غير سويسرا، والتي يتم فيها تهريب ثروات الشعوب المنهوبة وغسيل الأموال، كجزر بحر الكاريبي البريطانية، وليشتنشتاين، وبنما وبعض الولايات الأمريكية التي تتمتع بإعفاءات ضريبية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد