يختلف جنيف3 في طبيعته التي فرضها الواقع السياسي والعسكري  الحالي على الأرض السورية عن سابقيه جنيف 1 وجنيف 2 من حيث تطور شكل الصراع وتعقد الخريطة العسكرية وتشابك المصالح الدولية وصعوبة التشخيص الحقيقي للمعضلة السورية بعد أن دوّل الصراع وازداد الشرخ الطائفي وتحوّل النظام من نظامٍ قامعٍ للثورة إلى ميلشيا تتعامل مع الدولة ومؤسساتها تعامل العصابات التي تسطو على مدينة معينة، وهذا هو ما يجعل مهمة الوفد المعارض أكثر صعوبة في تحقيق نجاحٍ ملموس.

ربما يجب على الوفد المعارض قبل أن يذهب إلى المفاوضات أن يدرس جيدًا أحوال المفاوضات الدولية في كافة أشكالها، فعليه أن يستحضر سايكس بيكو والمفاوضات المتعلقة بالقضية الفلسطينية ومفاوضات الحرب الأهلية اللبنانية وربما المفاوضات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، كل تلك الأحداث يجسدها جنيف3، فمن جهة ما تزال في سورية ثورة شعبية ضد نظام مجرم وبالوقت نفسه حربٌ أهليّة بسبب التطييف المتعمد من قبل النظام  في حربه على السنة وذلك ما يؤكّده اصطفاف الميليشيات الشيعية خلفه بهدف تغيير الديمغرافيا كما هو حاصل في دمشق وحمص، ومن جهةٍ أخرى تشهد سورية حاليًا احتلالاً عسكريًا مباشرًا من قبل الروس والإيرانيين، وفوق هذا كله تعجُّ سماءُ سوريا بالطائرات من شتى دول العالم مما يوحي بصراعٍ عالميٍّ على الأرض السورية.

إضافةً إلى تقسّم سوريا إلى مناطق نفوذ للدول العظمى بوساطة وكلاء لها على الأرض في صورة تمهد لمشروع تقسيم المنطقة من جديد.

هذا الواقع المعقد يجعل من المعارضة السورية التي تمثل الثورة في ثوابتها، طرفـًا مفاوضًا عليه أن يجابه كل هذه التحديات للوصول إلى سوريا موحدة مستقلة بدون بشار الأسد، وبطبيعة الحال لا يتماشى هذا الهدف مع الرغبة الأمريكية في تحويل سوريا إلى دولة أقليات يتساوى بها السنة الذين تصل نسبتهم قبل الثورة إلى 80 بالمئة، مع باقي الأقليات الأخرى، كما أنه لا يتماشى مع الرغبة الروسية في جعل سوريا شبه جزيرة قرمٍ أخرى ولا حتى إيران التي تريدها ولاية تتبعُ الوليّ الفقيه، فعلى من ستعتمد المعارضة في الوصول إلى هدفها الذي ما يزال وسيبقى هو هدف الثورة منذ انطلاقها؟

حاولت أمريكا وروسيا  دسّ معارضين محسوبين أساسًا على النظام أكثر من المعارضة كما يراهم السوريون، وذلك لتمرير مشاريعهم المناقضة لثوابت الثورة، إلا أنّ إصرار الهيئة العليا للمفاوضات على رفضهم حالت دون ذلك وجعلت الوفد المعارض بأسوأ التقديرات منسجمًا مع النفس الثوريّ العام وخصوصًا عندما قام بمقاطعة المفاوضات حتى تتحقق الشروط الإنسانية، وبكلّ الأحوال لا يمكن أن ينفّذ أي بند إلا بوجود طرفٍ مفاوض، وعندما تصرّ المعارضة على مطالبها فإن المفاوضات إما أن تذهب أدراج الرياح أو ترضخ الأطراف الدولية لشروط المعارضة.

هذه المواقف التي أبدتها المعارضة أثبتت للسوريين وجود رجال دولة أخذوا مكانهم الصحيح الذي لو وجد منذ جنيف2 لاختصر فاتورة الدم وأنهى المسألة في أقل الخسائر، وفي حقيقة الأمر مازالت المعارضة تملك أوراق اللعبة لو استثمرت بشكل صحيح، فما تزال القوى الثورية على الأرض تسيطر على مساحات استراتيجية مهمة على الأرض رغم القصف الروسي الذي وصل إلى حد اليأس.

إلى الآن جوبر وداريا والغوطة بشكل عام تخضع لسيطرة المعارضة وجبال اللاذقية على الرغم من سقوط سلمى ما يزال الثوار يدوّخون قوات النظام بها، بالإضافة إلى شمال حمص وأدلب وشمال حلب الذي لا يتعدى منطقة إعزاز يقف عائقـًا أمام التمدد الكردي والداعشي في الوقت نفسه، وما يعزز موقف المعارضة أكثر أن روح الثورة لم تمت بعد، تتجلى في لجان الثورة ومنظمات المجتمع المدني.

يبقى لدى المعارضة أهم دافع وداعم، ألا وهو ارتباط مصالحها بالمصلحة الحتمية مع السعودية وتركيا وقطر من حيث وحدة المصير والأمن القومي والمدّ الاقتصادي والثابت الديني لهذه الدول مع نجاح الثورة السورية، فإما أن يطوي جنيف ملفه على ما يرضي الشعب السوري أو أنه سيفتح بفشله سيناريوهات متعددة قد يندم عليها أعداء الشعب السوري بنهاية المطاف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد