تعتبر سنة 600هـ – 1203م هي سنة بدء دولة جنكيزخان، ولو أنه لم يحصل على لقب «خان» إلا في سنة 603هـ – 1206م حين أصدر دستوره الشهير المعروف بالياسا.

جنكيرخان إمبراطورًا

لم يكتمل فتح الشطر الغربي من منغوليا، إلا سنة 1206، بعد هزيمة قبيلة النايمان المسيحية القوية. وفي هذه السنة أضحى تموجين من القوة والمكانة؛ ما جعله يعقد قوريلتاي (مجلس النبلاء) عند منابع نهر أونن، فهتف به الحاضرون، جنكيزخان (أي إمبراطور العالم أول البشر)، على سائر الأقوام المغولية التركية.

واتفقت كل المصارد على أن جنكيزخان لم يعقد أول مجلس للنبلاء (قوريلتاي) إلا بعد سنة 1206، أي بعد توحيد منغوليا، وأنه في هذه المناسبة اتخذ رداء السلطنة ووضعت لأول مرة نظم الإمبراطورية. وللدلالة على قوة الخان، أقام في معسكره لواءً تتدلى منه أذيال تسع أفراس بيضاء. ويشير الكتاب الصينيون إلى أنه رسم على هذا اللواء القمر في المحاق.

والمأثور عن جنكيزخان أنه قال إن كل من يستطيع أن يحفظ الأمن والطمأنينة في داره، في وسعه أن يقر الأمن في الإمبراطورية. ومن يضبط 10 رجال، يستطيع أن يتولى قيادة ألف أو 10 آلاف رجل. وهذا القول حققه جنكيزخان في حياته كما لم يحققه أحد غيره. وأجرى جنكيزخان الإمبراطور ما أجراه، وهو زعيم عصابة من المغامرين، بأن أحاط نفسه بحلقة من صفوة الأتباع الذين جعل فيهم كل الثقة، وكان يركن إليهم في كل الأمور، وصادفوا بعد وفاته من النجاح ما صادفوه أثناء حياته.

وما كان له من أهمية خاصة فيما أحرزه المغول من انتصارات حربية، ما جرى إنشاؤه من قوات عديدة للحرس اتخذت صورتها النهائية سنة 1206، وتحددت بالتفصيل الدقيق واجبات هؤلاء الحراس، الذين كانوا يبلغون 10 آلاف رجل، اشتهروا بالحذر واليقظة وشدة البأس. واختصوا بالنظر فيما يتعلق بالتزام النظام في معسكر الخان. وهؤلاء الحراس كانوا يؤلفون طبقة أرستقراطية ممتازة؛ لأن الجندي في هذا الحرس، يفوق في الرتبة قائد ألف رجل في الفرق الأخرى. وليس لقائد أن يحكم بالإعدام على أحد من الذين يخضعون لقيادته إلا بعد تصديق الخان على الحكم.

ومن هذا الحرس، تألفت كتبية من ألف رجل، يطلق على كل منهم اسم «بهادر» أى شجاع، وهؤلاء الرجال هم الذين يقومون فعلًا بخدمة الخان، ولا يخرجون للحرب إلا حينما يخرج الخان مع الجيش.

ويأتى في المقدمة، طبقة الأمراء من أسرة جنكيرخان، ويقال لهؤلاء «نوين» أو «نويان» بينما يطلق على أشراف الجند، لقب ترخان (طرخان)، وهؤلاء معفون من دفع الضرائب، ولهم ما يحصلون عليه من الغنائم في الحروب.

ولجيش المغول نظام بسيط، يقوم على وحدات مؤلفة من عشرات، ومئات، وألوف العساكر. وما اشتهر به هؤلاء القوم من سرعة التعبئة وشدتهم التي لا تقهر، ملأت قلوب ضحاياهم خوفًا ورعبًا، فكانوا يبادرون إلى الهجوم قبل أن يبلغ العدو التحذير والإنذار. يضاف إلى ذلك ما اشتهر به الزعيم المغولى من استخلاص الأخبار من التجار، ومن استخدام العملاء والجواسيس ومدبرى المؤامرات. وبفضل الرعايا الذين خضعوا له قهرًا، استطاع أن ينقل كميات ضخمة من أدوات الحصار التي لم يسمع عنها أحد، وترجع المبادرة إلى الإذعان والاستسلام، أنه لا سبيل لقوم من الأقوام إلا أن يختاروا بين الإذعان أو القتل والنهب المريع. وهذا يتوقف على ما إذا كان القوم رضوا بالإذعان أو أظهروا المقاومة.

على أن المغول التزموا الاتزان والتعقل في مغامراتهم، فلم يحاولوا إقامة سلطانهم في منقطة اتخذوها قاعدة للغارات، فإذا تراءى لهم أن الخطر يهددهم، توقفوا عن المضى في القتال. غير أنه لم يكن لشجاعتهم وإقدامهم حدود، فلم يقع أحد منهم في أسر، فإما أن ينتصر أو يلقى مصرعه.

ومن أحسن الوسائل اللازمة للمحافظة على النظام، وتدريب العساكر واختيارهم، ما جرى تنظيمه وإعداده على نطاق واسع من حملات الصيد. ففى هذه الحملات، اشتد الحرص على مراعاة كل ضوابط النظام العسكرى بكل دقة، على نحو ما يحدث فعلًا في الحملات الحربية.

جنكيزخان وإصدار قانون الياسا

وفى سنة 1206 أصدر جنكيزخان قانون الياسا عقب انتخابه والياسا لفظة مغولية معناها الحكم أو القاعدة أو القانون، ووردت في المصارد العربية والفارسية في صور مختلفة: ياسا، وياسه، ويساق، وياساق، ويسق، وتطلق على الحكم الذى يصدره الملك أو الأمير. ولما كان كتاب الياسا يشتمل على جانب كبير من الأحكام التي تتعلق بالجزاء والعقاب، وإذا شاع حكم الإعدام على المذنبين، صار من معانيها القتل والموت. وهذه الأحكام تدونت بالخط الأويغورى وأقرها جنكيزخان، وصار يطلق عليها كتاب الياسا الكبير. وكان المغول يرجعون إلى نصوص الياسا، عندما يجلس خان جديد على عرش المغول، وحينما ينعقد مجلس عام للتشاور في السياسة العامة للدولة، وفي حالة تعبئة الجيوش والاستعداد للقتال.

والمعروف أنه كان للمغول قبل جنكيزخان مجموعة من الآداب والتقاليد، تعارفوا عليها وجاء جنكيزخان أعاد النظر فيها، فعدلها بالحذف والإضافة، وجعل لها صفة رسمية، وأمر بتدوين تلك الأحكام والاحتفاظ بها في خزائن أمراء المغول.

ولا شك أن التجارب التي عاشها جنكيزخان، والشدائد التي عاناها، وما تعرض له من المؤامرات والخيانات، وما صادفه في حياته من متاعب، وما قام به من حروب، كل ذلك كان له أهمية في تقدير أحكام الياسة، إذ كان حريصًا على أن يجمع كلمة القبائل الخاضعة، ويكبح جماح أفرادها، ويلزمهم بالنزول على حكمه، فلا بد أن يشتمل هذا القانون على عقوبات بالغة الصرامة، حتى يقضى على أسباب الفوضى، ويعيد الأمن إلى نصابه. وتحقق لجنكيزخان هذا الغرض، واستطاع أن يحول جموع المغول إلى جيوش منظمة، تسير وفقًا لخطط حربية مرسومة.

وتحدد في هذا القانون علاقة الحاكم بالحكوم، وعلاقة المحكومين بعضهم ببعض، وعلاقة الفرد بالمجتمع.

ومن نصوص هذا القانون ما يأتي:

1) من وجد هاربًا أو أسيرًا قد هرب ولم يرده إلى صاحبه قتل.

2) من أطعم أسير قوم أو كساه بغير أذنهم قتل.

3) من وقع حمله أو قوسه أو شيء من متاعه، وهو يكر أو يفر في حالة القتال، وكان وراءه شخص، فإنه ينزل ويناول صاحبه ما سقط منه، فإن لم ينزل ولم يناوله قتل.

4) لا يأكل أحد من أحد، حتى يأكل منه المناول أولًا، ولو كان المناول أميرًا، ومن يناوله أسيرًا.

5) لا يختص أحد بأكل شيء وغيره يراه، بل يشركه معه في أكله.

6) لا يتميز أحد منهم بالشبع على أصحابه، وان مر أحدهم بقوم وهم يأكلون، فله أن ينزل ويأكل معهم، وليس لأحد أن يمنعه.

7) منعهم من غسل ثيابهم، بل يلبسونها حتى تبلى.

8) منع من أن يقال لشيء إنه نجس، فإن جميع الأشياء طاهرة.

9) ألزمهم ألا يتعصبوا لشيء من المذاهب.

10) منع من تفخيم الألفاظ وروائع الألقاب، فلا يخاطب الشخص مهما علت مكانته إلا باسمه فقط.

11) ألزم القائم بعده (النائب عنه) بعرض العساكر وأسلحتها إذا أراد الخروج إلى القتال. وينظر حتى الإبرة والخيط، فمن وجده قد قصر في شيء مما يحتاج إليه عند عرضه إياه، عاقبه.

12) ألزم نساء العساكر بالقيام بما على الرجال من السخر والكلف في مدة غيبتهم في القتال.

13) ورتب لعساكره أمراء ألوف، وأمراء مئين، وأمراء عشراوات.

14) ولا بد أن يخضع أكبر الأمراء لما يصدر عليه من حكم، ولو قام بتنفيذ هذا الحكم أخس من عنده.

15) وأمر بتنظيم حلقات الصيد، لما لها من أهمية في التدريب على أساليب الحرب.

16) أمر الخان بإقامة البريد حتى يعرف أخبار مملكته بسرعة.

وورد في الياسه أيضًا، ما يدل على كراهية جنكيزخان لمن يرتكب السرقة والفحش، وجعل العقوبة الإعدام، وأنكر أيضًا عصيان الولد لأوامر أبويه، ومخالفة الصغير للأخ الكبير، وامتناع الغنى عن إعانة الفقير، وعدم احترام المرءوسين للرؤساء. ونهى أتباعه عن الإسراف في شرب الخمر.

وظلت أحكام الياسا موضع اهتمام الأقوام التركية المغولية حتى بعد أن زالت دولة الإيلخانيين في إيران، وسار عليها التيموريون في أمور السياسة والحكم، وفي المواكب والحفلات. وقد تسربت بعض مبادئها وقواعدها إلى نظم سلاطين المماليك والعثمانيين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

قوانين

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد