كان لابد لأحدهم أن يكتب “عبقرية العقاد” لأنك ببساطة وأنت تقرأ كتاب “عبقرية الصديق” تجد نفسك أمام مفكر، محلل نفسي، وكاتب جهبذ، فقد صور العقاد بكلماته صورًا متعددة من حياة أبي بكر الصديق، وفي كل مرة تجد نفسك أمام توصيف عميق للحدث ونقل صادق للمشاعر، فتستسلم تارة للضحك وأنت تقرأ حوار أبي بكر مع أبيه أبي قحافة، وتارة للقلق وقد اجتمع الأنصار والمهاجرون في سقيفة بني ساعدة، وفي الكثير من الأحيان يجبرك العقاد على إعمال العقل في تحليل الأحداث واستنباط الأسباب والخلفيات فيما كان وما حدث ولماذا حدث بالطريقة تلك دون غيرها، وكأن الكاتب لا يحتفي أبدا بالقارئ الخامل والساكن ولكن التفاعل والتوارد الفكري بين العقاد ومن يقرؤون كتبه وخاصة العبقريات حتمية لازمة، حتى تكتمل متعة المطالعة مع فهم النص.

ولهذا اكتسب العقاد هذا القبول والتجلة من الذين يقرؤون له وحفظوا له تكريمه لعقولهم، ولست من الذين يدعون سعة الاطلاع والنهم في القراءة ولكنني أجزم أنه ليس هناك الكثير من الكتاب الذين يستطيعون استحضار اللحظة ومحاكاتها واستنطاق مدلولاتها العميقة بالكلمات. العقاد لم يكن بالكاتب العادي الذي يعدو على شخصياته وأبطال روايته كما يعدو الفارس على عدوه، ولكنه يتفاعل مع من يكتب لهم ويعيش لحظاتهم كما قرأها ولامسها في الفرح والطرح، وفي الفخر والعثر، وإني على يقين أن العقاد لا يكتب إلا بدافع الحب وتعظيم الرجال وما حملوه من قيم وكمال، إنه ينقل الصورة التي عرفها عن الصديق بكل صدق وأمانة.

وإليك الصورة التالية في حياته:
دعا الخليفة بأبي سفيان لأمر أنكره فأخذته الحدة التي كانت تراجعه في بعض ثورات نفسه، وأقبل يصيح على أبي سفيان وهو يلين له ويسترضيه، فسأل أبو قحافة “أبو أبي بكر الصديق”: على من يصيح ابني، فقال: على أبي سفيان, فدنا منه يقول له وفي كلامه من الغبطة أكثر مما فيه من الإنكار، وفيه من دهاء الطيبة أكثر مما فيه من سهو الشيخوخة: أعلى أبي سفيان تصيح وترفع صوتك يا عتيق “وهو اسم لأبي بكر”، لقد عدوت طورك وجزت مقدارك.

فابتسم الصحابة وأبو بكر والصحابة وقال لأبيه المنكر في رضاه والراضي في إنكاره: يا أبت إن الله رفع بالإسلام قومًا وأذل به آخرين. فكانت الصورة ناطقة معبرة على الحميمية بين الأب وابنه والفخر بالمقام الذي آل إليه الحال، وإن افتتاح العقاد لأول محاور الكتاب كان ذكاءً صرفًا وحكمة بالغة، ففي الصفحات الأولى ظهر  مهتما بالدفاع عن الشرعية السياسية والإيمانية لأبي بكر وأحقية توليه الخلافة دون غيره، بل كان الأمر كما ذكر مهيئا لهذا المقام في كل شروطه؛ فهو ثاني اثنين وأسبق الناس إسلاما وأقربهم إلى الرسول وأنسبهم سنًّا وأرجحهم عقلا وعلمًا، ثم إنك لو استبصرت الشواهد والأحداث التي تفرد بها الصديق دون غيره لتيقنت أنه لا أحد أحق بالخلافة من أبي بكر الصديق، انفتاح العقاد وعدم انتسابه إلى أي تيار إسلامي ساعد بشكل مميز في الدفاع عن الإسلام ورجاله أكثر من دفاع الإسلاميين، فكان رحمه الله في طرحه علميًّا يواجه المنطق بالمنطق والفرية بالدليل والبرهان، وهو الأقدر على رفع التجني من حيث معرفته بالجاني، وهو مربط الفرس الذي نجح فيه العقاد دون غيره .

مثلت حادثة الإسراء والمعراج أمرًا مستحيل التصديق بالنسبة لقريش والعرب، كيف يسرى بالرسول من مكة إلى القدس في ليلة وهم الذين يقضون في سفرهم شهرًا غداة وشهرًا رواحًا، إنه أمر لا يصدقه عاقل وخرجوا وهم يتهكمون على ما رواه الرسول عليه السلام في رحلته، وظنوا أنهم وجدوا الدليل على زور ما يقول فأول ما قصدوا كان أبا بكر الصديق، فهو الصديق الحميم الذي يدافع وينافح عن الرسول صلى الله عليه وسلم في كل مكان ويصدقه في كل موقف، وهنا يجب أن نتوقف عند تدوين العقاد للحادثة وتحليله لموقف الصديق، وقد ركز العقاد على رد فعل أبي بكر وانسجام الصديق في موقفه هذا مع كل مواقفه التي عرفت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم من النصرة والدفاع الشرس عن العقيدة والإسلام، يجسد العقاد السجال الذي دار بين القرشيين الذين لم يصدقوا أن الله قد أسرى بعبده إلى المسجد الأقصى مستعملين عقولهم، في حين أن ذات العقول المتلبدة الضالة سولت لهم عبادة الأصنام وتوقير الأجلاف، فأحاطوا بأبي بكر وقالو في عبث وسخرية: هل لك إلى صاحبك إنه يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟

يقول العقاد في كتاب العبقرية أما أبو بكر فما زاد على أن قال: أوقال ذلك؟ لئن قال ذلك فقد صدق، وفي الصياغة إيحاء بتكذيب الناقل وتصديق المنقول عنه، وكأن بالعقاد يصور الحقيقة التي لم يدركها كفار قريش والتي مفادها أن الإيمان والطمأنينة قد استقرت في قلب الصديق وتنهنهت فإذا كان أبو بكر قد صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فمن البديهي أنه سيصدق ما يلي الأمر دون شك ولا ريب، وهو الاعتقاد الذي عبر عنه الصديق بقوله: إنني أصدقه لما هو أبعد من ذلك من خبر السماء في غدوة أو روحة”.

ولا شك أن الدافع الأساسي من وراء تدوين العبقريات هي الهجمات الفكرية وحملات التشويه المنظمة والمدروسة ومتعددة الجبهات من المستشرقين الغربيين تارة، ومن العرب التبشيريين تارة أخرى، ومن أتباع الفرق المذهبية على أهم الشخصيات المعبرة عن صورة الإسلام المشرق، وقد سبق أن كتب العقاد عن “عبقرية عمر بن الخطاب” قبل كتابة “عبقرية الصديق” رغم الأسبقية الزمنية لخلافة الصديق، ولكن حدة الهجمات وتعدد جبهاتها على سيرة الفاروق جعلت العقاد يفضل الكتابة في حياة عمر لما شهدته هذه السيرة الناصعة من تضليل ودعاية، ومحاولات متكررة لهدم الصرح الحضاري الذي أقامه المسلمون في هذه العهدة بالذات من عدالة اجتماعية وحكم راشد وفتوحات واسعة ومظاهر لتقديس معاني الإنسانية التي لا يمكن أن ترصدها في يومنا هذا.

وقد رأى العقاد مكامن العظمة في شخصيتي الفاروق والصديق والتناقض في المميزات والخصائص، وليس هو ذاك التناقض الباعث للتضاد والفرقة ولكنه التناقض الذي يصنع التكامل والتنوع، وإن العقاد يصور الرجلين بما اشتملا عليه من المميزات والشيم كنجمين يحومان في نطاق كوكب واحد أو كما تحوم السيارات والأقمار حول شمس واحدة، ويتعمق العقاد في توصيف النموذجين فيشبههما بالنجمين اللذين يحومان حول كوكب واحد وفي كل نموذج من مظاهر العظمة ما يختلف عن الآخر؛ فأبو بكر الصديق بارع في الاقتداء، والفاروق دائم على التفكر والاجتهاد، وكلتا القيمتين تمثلان حاجة ملحة للاقتداء بها، فالمسلم يحتاج تارة إلى الاقتداء التام فيما جاء فيه الإسلام والسنة النبوية حاسما وواضحا.

في حين تقتضي الضرورة في الكثير من حالاتها التفكير في الظروف والمآلات والاجتهاد الذي يسعى من خلاله المسلم للمقاربة بين دوافعه وغايات الدين والفهم الراجح للمسألة، وقد تكررت مسألة الاجتهاد في حياة الصحابة في الكثير من المواقف وأشهرها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة، فاجتهد الصحابة في فهم الحديث فمنهم من فهمه على عمومه وأن صلاة العصر لا تصح إلا في بني قريظة، ومنهم من فهم التخصيص في الحكم.

والحالتان كان الاجتهاد متاحًا، بل إن هناك مواقف جنح فيها الرسول عليه الصلاة والسلام إلى اجتهاد الصحابة وتدبيرهم، والمواقف مشهورة مثل مشورة الخباب بن المنذر في غزوة بدر، وكذا رأي سلمان الفارسي في حفر الخندق، ولعلنا نخصص هذا الحيز لإدراك أهمية الاجتهاد والتدبر في حياتنا كمسلمين والتراخيص المستمدة من القرءان الكريم وحياة النبي والصحابة كثيرة وتشجع على إعمال العقل والتفكر في خدمة الإسلام، والفاروق سيد المجتهدين بما يعتقده صلاحًا للأمة وانتصارًا لها وخدمة لمشروعها، ولم يفسد عليه حماسه الشديد ولا غضبه الصادق لما عرف عنه من نصوع في النية وصلاح في الرأي ورحمة على الأمة وبأس على العدو، في حين أن الصديق التزم بخط الاقتداء التام بفعل وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى. وهو الاقتداء الذي لا ينفي ضرورة الاجتهاد ولكنه فعل المحب لمن يحب ووفاء الصاحب لصاحبه.

وفي كلا الموقفين كان للإسلام فيهما عز وشموخ، وإنه لمن المهم أن نتساءل ماذا لو لم يكن في الإسلام من الرجال من هما في قامة الصديق والفاروق؟ أو ماذا سيكون عليه الحال لو افترضنا الأمر بوجود الصديق دون الفاروق أو بوجود الفاروق دون الصديق؟ لا شك أنهما العبقريتان اللتان تكملان بعضهما البعض؛ فعندما يغضب ويحتد عمر بن الخطاب تتجلى رحمة وحلم أبي بكر الصديق، وعندما يلين أبو بكر وتكون في نفسه سهولة ويسر من الأمر يشتد الفاروق ويشتد منتصرًا للحق، وكلاهما ينتصر للإسلام والمسلمين من منطلق السجية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عباس العقاد
عرض التعليقات
تحميل المزيد