عندما أعدمت «داعش» الطيار الأردني حرقًا، نشبت حركة كبيرة تهاجم، ليس داعش، أو الإرهاب، بل تهاجم «ابن تيمية»، شخصًا مات منذ مئات السنين، ولكنه مازال حيًا، نشبت مظاهرات وحملات لحرق كتبه، بدأت الاقباسات من فتاواه، ولعنت أمه وأبوه، يرى العلمانيون أن ابن تيمية هو الأب الشرعي لكل هذه الجماعات الإرهابية، وهو المرجع الرئيس للدولة الوهابية السعودية، يجب قتله، بحرق كتبه، ونسف ذكره، كما حرقت داعش الطيار استنادًا عليها!

كأن مشكلة داعش أن تحرقوا كتب ابن تيمية، أم «لا»، وكأن الحرق نسف الفكرة أو هدم الشخص، لم يفعلها في العصور الوسطى، فما بالك بعصر الإنترنت، ففي هذه المقالة سنتعرف على الشخص، وفي مقالة أخرى ـ بمشيئة الله ـ سنتعرف على الفكر.

هو «أحمد بن عبد الحليم الحراني»، ولد بعد سقوط بغداد بخمس سنوات، انتقلت عائلته للشام خوفًا من «المغول»، تعلم العلم والفقه، ونبغ فيه، يذكر أن يهوديًا أسلم على يديه وهو صغير، وكذلك أتقن اللغة العربية، ومعها لغات أخرى، كاللاتينية والقرآن وعلومه والفقه وعلومه، حتى إنه تصدى للإفتاء، وهو ابن سبع عشرة، واشتهر اسمه بالفتوى، ثم بدأ في التدريس بالمدرسة «السكرية»، وعين شيخها في سن الحادية والعشرين، ودرس التفسير في الجامع الأموي.

وكان من تلاميذه «ابن القيم وابن كثير والذهبي»، وقد قال فيه الذهبي «هوشيخنا، وشيخ الإسلام، وفريد العصر، علمًا، ومعرفة، وشجاعة، وذكاء، وتنويرًا إلهيًّا، وكرمًا، ونصحًا للأمَّة، وأمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر، سمع الحديث، وأكثر بنفسه من طلبه وكتابته، وخرج، ونظر في الرجال، والطبقات، وحصَّل مالم يحصله غيره».

وقال الحافظ «الواسطي» «والله لم يُرَ تحت أديم السماء مثل شيخكم ابن تيمية».

قال عنه «جمال الدين السرمري» «ومن عجائب ما وقع في الحفظ من أهل زماننا أن ابن تيمية كان يمر بالكتاب مطالعة مرة واحدة؛ فينتقش في ذهنه وينقله في مصنفاته بلفظه ومعناه».

وأخبر عنه «نجم الدين الطوفي» وهو من المعارضين للشيخ «كان ابن تيمية يتكلم على المنبر على طريقة المفسرين مع الفقه والحديث، فيورد في ساعة من الكتاب والسنة واللغة والنظر ما لا يقدر أحد على أن يورده في عدة مجالس، كأن هذه العلوم بين عينيه».

أما الغرب والمستشرقون فيعكفون على كتب ابن تيمية، ولا سيما الفترة الأخيرة؛ ليشرعوا في الانبهار بهذا الرجل، ويديرون المحاضرات التي تشرح للناس عن رجل عبقري تغفل، أمته عنه، لقد كتب المستشرق «هنري لاووست» كتاب «نظريات ابن تيمية في الاجتماع والسياسة».

يعتبر بعض المستشرقين أن ابن تيمية رجل فذ حقًا، لم يتكرر في تاريخ أمة المسلمين، بل لم يكن له شبيه في أية أمة أخرى، يعتبر هنري لاوست أن كتاب «السياسة الشرعية» لابن تيمية كان دستور «دولة المماليك» في عهد «قلاوون»، وكان ينفذ ما فيه حرفيًا، في عهد النهضة الكبيرة لدولة المماليك في هذا الوقت.

تدرس المستشرقة الألمانية «كوج جلن» نقد ابن تيمية السابق لعصره للمنطق الأرسطي، وتدرس هل ـ فعلًا ـ الحضارة الغربية تأثرت بهذا النقد الذي أنتج المنهج التجريبي الذي قامت عليه الحضارة الغربية؟

يقول المستشرق «جوهن هوفر» بأن ابن تيمية شخصية عصرية، يقف في منطقة وسط بين بداية الإسلام، وحاضره، وأنه صاحب أضخم رد على الأديان في الإسلام، وكذلك على الشيعة، وله موقف من الأضرحة، والدعاء عندها، سبب له المشكلات وقتها.

 

ولد ابن تيمية في زمن تكثر فيه الفتن، سقطت دار الخلافة، وتوحش المغول، واتسعت دائرتهم لتشمل الشام، في هذه الأثناء هناك رجل واحد، لم يكتف بالمشاهدة، عملاق من عمالقة التاريخ والفكر الإسلامي، بدأ ابن تيمية يختار معركته الخاصة، كان كتيبة تجمعت في رجل واحد.

بلغ عدد مؤلفات ابن تيمية 591 مؤلفًا، منها 112 في التفسير وعلومه، وبيان توافق الوحي الإلهي مع العقل البشري، في مشروع هو الأول من نوعه في الفكر الإسلامي، و138 كتابًا في الفقه والفتاوى.

وتجد أن ابن تيمية صاحب مذهب، كـ«ابن حنبل والشافعي»، إلا أنه لم يعتن به الاعتناء الكامل الشامل، ولم يدرسه الدراسة المذهبية، ولم يقم به أحد، بل كان ابن تيمية معروف بحنبليته، و78 كتابًا في التصوف والأخلاق، و17 كتاب للرد على المناطقة والفلسفة، والبقية في فنون وعلوم مختلفة، إضافة لمخطوطات كثيرة، تعاد كتابتها والبحث والتقصي عنها.

يقال إنه يكتب في يوم واحد ما يكتبه الناسخ في أسبوع، وكل ذلك، وهو في معركته الخاصة بالتصدي للبدع، والتصدي للتتار، وإرسال الرسائل للملوك والأمراء؛ فلم يكن بالمتفرغ، كان عالمًا موسوعيًا، ما إن يطلب علم، تجده حاضرًا فيه، حتى «الكيماء، وعلم الحيل»!

من أشهر مواقفه التي جعلته بمثابة عالم الشام، وإمامه، موقفه مع «قازان» ملك المغول، ووقوفه ضده؛ عندما كان يعظه، ويطلب منه رد الأسرى المسلمين، حتى ظن المشايخ الذين برفقته أنه مقتول لا محالة، ولكن من العجيب أن يكرمه قازان، ويطلب منه الدعاء، ويفرج عن الأسرى المسلمين، دون النصارى، فيقول له ابن تيمية آمرًا «أهل ذمتنا، قبل أهل ملتنا»!

فيخشى المشايخ أن يقتلوا مع ابن تيمية، فيجتنبوه، بينما يخرج ابن تيمية من قازان مكرمًا مع الأسرى، ويطلب منه قادة «التتار» الدعاء، وقد كان التتار يدعون دخولهم الإسلام، ظهر ابن تيمية بهذا الموقف، وتحاكت عنه الشام، فبينما الجميع في فزع وخوف اختار هو المواجهة!

أعطى قازان ملك المغول عهد الأمان لأهل الشام، وبعدما دخل دمشق، أخلفه؛ فقتل قرابة 100 ألف شخص، وخرب ونهب، وانتشرت الحانات وشرب الخمر. أرسل أهل دمشق ابن تيمية له؛ فذكره بعهود الأمان، وشكا له الخراب والقتل، فلم يجبه الملك، وقال له الوزراء «إن الحل في دفع المال»، لم يكن هناك بد من المواجهة عند ابن تيمية؛ فأفتى بقتال المغول، وعدم الاغترار بأنهم مسلمون، وقال «لو كان المصحف في يدي، ورأيتموني أقاتل إلى جانب المغول فاقتلوني».

فلم يكن ابن تيمية بذلك الرجل الذي يقول وينتظر من غيره الفعل، وذلك الذي يتكلم من برج عاجي، جمع ابن تيمية جماعة من تلاميذه، ومن أهل دمشق؛ فداروا على الحانات؛ فأغلقوها، وأراقوا الخمور، في شوارع الشام.

ثم جمع ابن تيمية من متطوعة الشام، بين كل هذا الخوف والفزع، وكان هو القائد لهم، والمحفز الروحاني الإسلامي، فأغار ابن تيمية علي سكان «جبل كسروان» من «النصيرية»؛ بسبب تعاونهم مع «التتار والصليبين»، ثارت عليه جماعة من الصوفية عام 701هـ؛ لأنه يطبق الحدود بيديه، فلم يأبه لهم، وقد عمد رجلان من المتصوفة على اتهامه بالتجسس؛ لصالح المغول، ولكن لم يصدقهما أحد، بل تم إعدامهما من قبل الوالي، عندما عرف بمجيء جيش المماليك، وانضمام المئات من المتطوعين، عمل الشيخ ابن تيمية على دعم الجيش بخطبه الرنانة، ورد الشبهات، وتزويدهم لميدان القتال، ونشأت صداقة بينه وبين السلطان المملوكي قلاوون. وقد انبهر به السلطان، وأحبه، وكتب له النصر على المغول في هذه المعركة.

وكأن ابن تيمية بعد هذه المعركة تفرغ للمتصوفة؛ فطاف بالمساجد؛ يمنع المشايخ من فعل المحرمات، وحطم صخرة بمسجد التاريخ بدمشق؛ ينذر لها النذور. وعندما ذهب إلى مصر عام 706 هـ تحدث بموقفه هذا من الأضرحة والتوسل، وكذلك التوسل بالرسول، وغيره، فأثار عليه صوفية مصر، وكانت مصر كلها صوفية، والقاهرة جُلها «تكايا»، فآذوه وحرضوا عليه؛ حتى سجن في القلعة، ثم كاد له المماليك وقتها، و«بيبرس الجاشنكير» فسجنوه بالإسكندرية معقل التصوف، وسجنوه ببرج بالبحر، لا حراسة عليه؛ حتى يقتله أحدهم، ولكن لم ينل منه أحد.

مرت الأيام فعاد الملك الناصر لملكه، فأوقف الذين آذوا ابن تيمية، وطلب منه أن يقتلهم ويعدمهم، فلم يرض ابن تيمية بذلك، ومن مقولات ابن تيمية المأثورة «من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي».

كان ابن تيمية لديه موقف مع النصيرية «طائفة بشار الأسد»، قال: إن السواحل الشامية، إنما استولى عليها النصارى من جهاتهم، وهم دائمًا مع كل عدو للمسلمين، فهم مع النصارى على المسلمين، ومن أعظم المصائب عندهم – أي عند النصيرية – فتح المسلمين للسواحل وقهر النصارى، بل من أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار، ومن أعظم أعيادهم، إذا تولوا، والعياذ بالله تعالى، النصارى على ثغور المسلمين.

ولم يكن موقف ابن تيمية بموقف جديد، فمثلًا في عهد «هارون الرشيد» كان يصطاد النصيرية اصطيادًا، ومن يشتبه به أنه منهك، كالشافعي، اتهم بهذا مرة، وتعرض للإعدام، لولا لطف الله؛ فالعداء لفكر وملة النصيرية متأصل بينهم وبين جماعة المسلمين.

فانتدب ابن تيمية المماليك لقتالهم؛ لمنع شرورهم، وللحفاظ على السواحل الشامية من هجوم الصليبيين، وسيطرة المغول مرة أخرى.

وكذلك كان يراسل ملك «قبرص»؛ ليرد أسرى المسلمين في رسالته القبرصية، التي فيها أجمل ما يكون من الحنكة والحكمة، إلى أن رد ملك قبرص بالفعل الأسرى، واستجاب للشيخ.

كان ابن تيمية يشعر بأزمة الأمة ويعيشها ويحاول حلها ، فكأنه كتيبة تجمعت في رجل واحد، رجل واحد يستطيع فعل الكثير، لم يرضخ، ولم يتعب، ولم يسكن، حتى مات في السجن؛ بسبب غضب مشايخ المتصوفة من فتاواه ضد التوسل للأضرحة، فمات في السجن.

من رسالته لأمه من مصر كان يقول لها إن مقامه في مصر ضروري لتعليم الناس والوقوف ضد البدع قال «وتعلمون أن مقامنا الساعة في هذه البلاد، إنما هو لأمور ضرورية، متى أهملناها فسد علينا أمر الدين والدنيا، ولسنا والله مختارين للبعد عنكم». ثم قال «إنها أمور لا توصف»، لو قرأت رسالته لأمه ستقول إنه جندي يقف على ثغر من الثغور، لا عالمًا وفقيهًا يسكن في القاهرة، كان ابن تيمية، بالرغم من ذلك يشبه عصره، يشبه الصراع والمعركة الدائرة، يشبه تحول الأمة لثكنات ومعارك، فبدأ ابن تيمية مواجهته، بلا خوف، وسبق في ذلك عصره ذاك، إلى عصرنا، بل إلى عصر ما بعد عصرنا، بلا مبالغة ، ألا تشعر ـ بينما نحن نرى مهاجمة العلمانيين له بحنق وتشنج ـ بأنه مازال حيًا!

رأيي

ابن تيمية مازال حيًا حاضرًا، بالرغم من الغياب، عندما قضى ابن تيمية في سجنه سبع عشرة سنة متفرقات كانت تأتيه الرقاع من كل مكان، إن حضوره في قلوب الناس والأمة كان طاغيًا، كانوا يسألونه في الفتيا، وهو في السجن، ويدعون العلماء الطلقاء.

جنازته من أعظم الجنازات في التاريخ الإسلامي، إنه حاضر، بالرغم من أنفك وأنفي؛ لأنه رجل ليس بالعادي، ولا المتكرر، إنه الموسوعة والقائد والمقاتل، رجل يشكل فترة تاريخية، مازلنا نحياها حتى الآن، ورجل خاض مخاضات، لم يخض فيها غيره.

لو تحدثت عن شخصية الرجل، فسنقول إنه رجل لا يتكرر، كان وصلة بين حاضرنا وماضينا، ولا يوجد عالم، لم يثن على شخصه واعتداده بعلمه وسعة أفقه.

كان الشيخ يتقن مع «العربية»، «العبرية والتركية واللاتينية»، وكان يكتب الكتاب في ليلة واحدة، كما أثر عنه، لهذا فسنجبر أن نتوقف أمامه بمهابة واحترام، وإن ما يلعنه اللاعنون، فهم يشبهون من يبصق على الشمس، فلا يطال الشمس بصاقه، ولعله يرجع على وجهه!

قال ابن تيمية «ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنَّتي وبستاني في صدري، أنى رحلتُ فهي معي لا تفارقني، إنَّ حبْسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة».

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

المرجع : شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة. لإبراهيم محمد العلي
عرض التعليقات
تحميل المزيد