كثير منا سمع عن هذه الكلمة التي أثارت حولها الجدل والجنون، الكلمة التي كانت سببًا في الصراع الفكري بين الأذهان، الكلمة التي كانت سببًا في تحرر كثير من العقول، هل كل ما نراه نراه بعين الحقيقة؟ أم أن حواسنا وضعتنا في سجن من صنع الخيال فخلقت بيننا وبين العالم الخارجي فجوات وفجوات؟ هل لنا أن نجزم على أن الضوء الأبيض لونه أبيض؟ فما بالك لو أننا مررناه خلال منشور، سوف يتحول لألوان الطيف السبعة.

هل الماء سائل، فما بالك لو وضعته علي النار فيتبخر أو وضعته في مبرد فيتحول إلى ثلج؟ هل لنا أن نحكم على الألوان التي نراها أن هذا أبيض وهذا أسود وهذا أزرق حكم مطلق؟ أم لو رجعت إلى الأصل الفيزيائي فكانت موجات واهتزازات ترجمت عقليًا؟ والعين لا تستطيع إبصارها؟

هل، وهل، وهل، وهل؟ لقد تعددت الأقاويل حول فلسفة الواقع واستشاطت العقول بعدما دعا أينشتين إلى قلب الموازين التي رسختها فيزياء نيوتن في أذهاننا، كيف يتثنى لنا أن نحكم حكمًا مطلقـًا على الأشياء؟ هل لك أن تطلق صفة مطلقة على الأشياء؟ أما أن كل شيء نسبي؟

هل فيزياء نيوتن أصبحت تتناسب أم تتعارض مع الكون الآن؟ عندما اعتقد الناس بفيزياء نيوتن كان يخيل لهم أن الكون ثابت لا يتحرك. “يبقى الجسم الساكن ساكنـًا ويبقى الجسم المتحرك متحركـًا ما لم تؤثر عليه قوى خارجية تغير من حالته”، فيزياء لم تعد صالحة لفهم الكون، من أين حكمت عليه أنه جسم ساكن؟ ومن أين حكمت عليه أنه متحرك؟ فما بالك إذا لم تؤثر عليه قوى خارجية، هل سيظل المتحرك متحركـًا والساكن ساكنًا ويعم الانتظام الكون ويؤول إلى ما لا نهاية؟ مع أن للكون نهاية لا يعلمها إلا الله! أما أينشتين فكان له وجهة نظر أخرى، فكل شيء نسبي وليس مطلقـًا.

لا يمكن أن تحكم على جسم أنه يتحرك إلا عندما تنسب حركته إلى جسم آخر ساكن، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه أين هو الجسم الساكن الذي سننسب الحركة إليه؟ فكل جسم على الأرض يكتسب سرعتها، إذن وأنت تذاكر فأنت تسير بسرعة الأرض 400 م/ث، والأرض تدور حول الشمس، ولما لا ننسب سرعة الأرض إلى سكون الشمس؟ خطأ؛ فالشمس تدور حول المدينة النجمية والتي تدور حول مجرة درب التبانة كما أن المجرة تسبح في الكون، والكون في حالة تجدد وتمدد مستمر، وانفجار دائم في كل ناحية.

إذن فحركة الكون مصطخبة، لا يمكن الحسم أن جسمًا ما يتحرك حركة مطلقة، ولكن كل ما يمكن قوله إنه يتحرك نسبة إلى جسم آخر، فلا يوجد وسط ثابت أو مجال ثابت للمقارنة، تخيل أن تركب سيارة تسير بسرعة 04 كيلو متر/ساعة وأنت تنظر من زجاج السيارة إلى شخص آخر ساكن، أنت تحكم بنظرتك على أنه يتحرك إنما شخص آخر يجلس بجانبه يراه ساكنـًا.

مثال آخر لو كنت تركب قطارًا ويسري بجانبه قطار آخر في الاتجاه نفسه وبالسرعة نفسها سيخيل لك أنه ساكن، أما إذا سار في اتجاه معاكس فستدرك أنه يتحرك، والحركة نسبية إذ لا يمكن تقدير المكان المطلق ولكن في أفضل الحالات يمكن تقدير وضعه نسبة إلى تغير محوره وقد افترض هنري بولانكريه فرضًا لتوضيح ذلك قائلاً: “لنتخيل ونحن مستغرقين تمامًا في النوم، منفصلين عن الواقع، وكل شيء في الكون قد زاد ضعفًا، السرير والوسادة والشباك والمسطرة زادت ألف ضعف بما فيهم العين والذرات والجزيئات؟

هل سندرك الفارق عندما نستيقظ؟ الإجابة لا؛ لأنه مثلما زاد الكون ألف ضعف زاد حجم العين ألف ضعف، وكذلك أداة القياس المسطرة، إذن فقد حفظت النسبة بالنسبة لجميع أجزاء الغرفة، فتري 10أمتارًا كما هي والمائة متر كما هي ولا ندرك الفارق، وقد علق أينشتين مستثنيًا أنه يمكن إدراك الفارق في حالة واحدة، وهي أن يقوم كائن فضائي برصد ما يحصل على وجه الأرض، سيدرك الفارق لأنه يسير بسرعته العادية.

وبما أن الكون في حالة حركة مستمرة ولا يوجد رصيف ثابت، فلا يمكن أن ندرك إلا فارقـًا نسبيًا فقط وليس مطلق الضوء: نعلم أن سرعة الضوء ثابتة مهما تغير الوسط وهي300000000 م/ث وهي أقصي ما يمكن تقديره من السرعة، يستغرق ضوء الشمس 8 دقائق و9 ثواني كي يصل إلى الأرض إنما كي يتجول الضوء في أطراف المجرة فسيكون وصوله في آلاف السنين، لأن الكون اتساعه فلكي خرافي.

مثال: افترض د. مصطفى محمود أنك إذا رفعت سماعة تليفونك وأخذت تحدث شخصًا يسكن في مجرة أخرى على سبيل المثال فتقول :” ألو” فستستغرق الموجات الكهرومغناطيسية آلاف السنين كي تصل إلى هذا الشخص لفرض الاتساع الهائل والخرافي للكون، ومن الممكن أن يرد عليك أحفاد أحفاد أحفاد أحفاد هذا الرجل؛ أي أنه يمكن التواقت بين أطراف نظام واحد فقط مثل نظام الكرة الأرضية.

إنما بينه وبين نظام آخر فهذه فرضية مستحيلة، وهذا ينطبق أيضًا على الضوء؛ فمن الممكن أن النجم الذي نراه يلمع بين أطرف الكون قد انفجر منذ آلاف السنين، ولكن كي يصل ضوء ما بعد الانفجار إلى الأرض قد يستغرق مئات السنين كي يصل إلي الأرض، إذن الكون عبارة عن جزر منفصلة من أزمنة مختلفة لا اتصال بينها.) د. مصطفى محمود (نظرية الزمكان: لم يعد من الممكن أن نفصل بين الزمان والمكان؛ فإذا كان المكان ثلاث أبعاد (طول وعرض وارتفاع) فيجب إضافة له بعد رابع وهو الزمان، فإذا كان الإنسان يتكون من طول وعرض وارتفاع فالثلاث عوامل تتغير مع الزمن أي أن إنسانًا يملك من العمر 10سنوات يختلف أبعاده عن شخص يملك من العمر 30 سنة طبعًا للزمن.

إذن فالعلاقة بين الزمان والمكان علاقة متصلة لا انفصام لها الكتلة: خدتنا الفيزياء الكلاسيكية بأن الكتلة ثابتة ولا تتأثر بحركة الجسم أو سكونه ولكن أينشتين قد قلب الموازين بأن الكتلة نسبية ومتغيرة، كما أنها تتأثر بسرعة الجسم وحركته أي كلما زادت سرعة الجسم زادت كتلته حتى نقترب من سرعة هائلة مثل سرعة الضوء؛ فتصبح سرعته هائلة وكتلته لا نهائية، وبالتالي مقاومته للحركة لا نهائية فيتوقف، وهذا يستحيل عمليًا.

تناسب النظرية النسبية مع الدين: إن الله من علينا بنعمة العقل كي نفكر ونسخر الطبيعة لأجل خدمة البشرية، لقد حث الإنسان على البحث والتنقيب عن ماهية الأشياء كي يختلق القوانين التي يملك بها زمام هذه الطبيعة وينفض عن كاهله عجزه عن القدرة الجبارة التي منحها الله إياه، يدعو أينشتين في هذه النظرية ألا ننخدع بوهم الواقع ونتقصى أفكارنا ونجعلها تتغلغل في فهم.

خلاصة تجربة النسبية أن كل شيء نسبي وليس مطلقـًا فالشيء المطلق لا يعلمه إلا الله فلو ظل الاتساق بين عوامل الطبيعة منتظمًا فيظل المتحرك متحركًا والساكن ساكنًا بصفة مطلقة لن يطرأ أي تغيير على الكون، ولن يبدو عليه الفناء، ولكن ليست هذه هي الدنيا؛ فالحياة الآخرة خير وأبقى.

أقرت النسبية أن الكون في حالة تمدد مستمر في جميع أقطاره وانفجار دائم، وهذا ينطبق مع قوله تعالى: “والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون”، فباستخدام تلسكوب هابل اتضح أن النجوم تبتعد عن الأرض كما تبتعد عن بعضها بعضًا، كلمة موسعون أي جسم يقطع مسافة معينة في إطار زمني له سرعة، يحكم هذه العوامل علاقة: السرعة =المسافة /الزمن، يتضح أنه يوجد علاقة عكسية بين السرعة والزمن أي أنه كلما زادت السرعة ينكمش الزمن حتى نصل لسرعة الضوء وهي أقصى ما يمكن من السرعة، فيقابلها أدنى زمن، أي أن الزمن سيتوقف وهذا يفسر وجودنا الأبدي في الجنة سيكون تكويننا نورانيًا ونكتسب إحدى خصائص الضوء، وهي السرعة الخارقة ) 300000000م/ث)، فلا نموت ونبقى أبديين.

د. مصطفى محمود وفي رحلة الإسراء والمعراج أيضًا عندما سافر الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة للقدس للسموات العلى كان يركب دابة اسمها البراق، من البرق، ضوء كانت تسير بسرعة خرافية فقد كانت قدمها عند مد بصره، وعندما آل إلى فراشة قال: “رجعت إلى فراشي فوجدته دافئًا كأني لم أبرحه”، لك أن تتخيل كم الأحداث العظيمة التي حدثت في رحلة المعراج، ألا تستغرق مئات الساعات والأيام، فيتثنى لنا أنها لم تستغرق من الوقت ما يمكن إدراكه بالمرة ! ( E=MC^2 (.يتضح من القانون أنه يوجد علاقة طردية بين الطاقة والكتلة.

لك أن تتخيل أنه لو انشطرت كتلة صغيرة جدًا من جسم فإنها سوف تتحول لكم هائل من الطاقة لأنها تضرب في مربع سرعة الضوء وهذا يفسر أزلية الكون وبقاء النجوم منذ ملايين السنين؛ فذرات النجوم تتحطم بمقدار ضئيل جدًا لتنتج كمًا هائلاً من الطاقة الإشعاعية يملأ أرجاء الكون، وهذا سر العمر الطويل لهذه النجوم.

خلاصة القول لو فتشنا عن تناسب النسبية مع الدين فنكتب لها كتبًا ومراجع ولكن ما يمكن قوله إنه على الإنسان أن يعمل فكره ويستخدم عقله ولا يأخذ الأشياء على ماهيتها، بل يسعى لوضع قوانين تفسر وجودها وتحكمها، فرق ما بين الواقع والحقيقة، فرق بين ما يمكن وما يجب فعله، ولكن لا تجعل العقل يقبع على المنطق ولا المنطق يجور على العقل، بل اجعل بينهما توازنًا وتناغمًا حتى لا يؤول بك الأمر إلى طريق مسدود بل إن عقلك كالمنطاد لا يعمل إلا عندما يفتح.

استخدم عقلك لجلب الخير ولا تعتقد بمطلق شيء بل اعتقد بنسبيته فقط وأنه قابل للفناء، أو أن يضيع منك في أي وقت، تحرر من القيود التي تجبرك علي أن تخمد النيران المستعرة في عقلك، ليست هذه النسبية بعينها بل هي فلسفة النسبية التي تعيننا على كشف القناع الذي تستر به الواقع منذ قديم الأزل، حان الوقت أن تغير نظرتك التقليدية لفهم الأشياء، شكك في أي ثابت، وطن عقلك الباطن على أن كل شيء نسبي، غير إدراكك، يتغير واقعك.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الكون, علوم

المصادر

كتاب أينشتين والنسبية لدكتور مصطفى محمود
عرض التعليقات
تحميل المزيد