2.2 تحديات احتواء فيروس كورونا

يواجه احتواء الفيروس تحديات كبيرة، يمكن إجمالها على النحو التالي: (المستقبل، التهديدات غير تقليدية كيف تؤثر الأوبئة على الأمن الدولي، 2020)

1- قصور نظم الصحة الحالية في بعض الأقاليم: يمثل أحد التحديات التي يفرضها الفيروس، هو أن بعض الإصابات الخفيفة بفيروس كورونا تشبه حالات البرد العادية، ويلاحظ أن النظم الصحية العامة غير مجهزة لاختبار كل شخص يعاني أعراض الإنفلونزا، ومن ثم فرض الحجر الصحي على جميع المصابين بالمرض، وكل من تعاملوا معه، لمنع انتشاره. وعلى الرغم من هذه الصعوبة، فإن هذا ما يجب فعله لمنع انتشاره.

2- طول فترة تطوير لقاح مضاد للفيروس: يلاحظ أن تطوير لقاح مضاد لأي فيروس يقدر بحوالي 9 – 12 شهرًا، وهي فترة طويلة نسبيًّا، ويتوقع البعض أن يتمكن العلماء من التوصل إلى لقاح للفيروس بعد ثلاثة شهور، خاصة بعدما تبادل العلماء الصينيون التسلسل الجيني للفيروس في قاعدة بيانات عامة في 10 يناير (كانون الثاني) 2020.

3- دور الصين المتأخر في احتواء المرض: أشار تورونتو إلى الدور الصيني السلبي في بداية الأمر، حيث تأخرت في الإبلاغ عن الفيروس فور ظهوره، وهي الفترة المهمة لاحتواء انتشار الفيروس. وفي المقابل، تمكنت بكين من اتخاذ تدابير استثنائية، خاصة القدرة على فرض الحجر الصحي على إقليم هوباي الذي يتضمن في وسطه مدينة ووهان مصدر الفيروس، وهي خطوة ضخمة حيث يضم الإقليم ما يزيد على 50 مليون فرد، فضلًا عن إنشاء مستشفيات متخصصة في ووهان خلال أيام محدودة.

3. التداعيات الدولية لفيروس كورونا

تعدى انتشار المرض الحُدود الجُغرافية للصين ليَشمل جميع أنحاء العالم وليَفرِض على الدول مجموعة من التراتيب الصَّارمة لوقف تفشيه القاتل بين البشر، إلا أن تداعِياته كان لها الأثر العميق في اقتصاديات البلدان وسِياساتها من الداخل والخارج، ومن أبرز هذه التداعيات نجد:

1.3 التداعيات السياسية لفيروس كورونا (أزمات دبلوماسية، نظام عالمي منقسم، عزلة دولية وتصاعد فوبيا الصين)

أزمات دبلوماسية

تسبب فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، في أزمة دبلوماسية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، في أعقاب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحظر دخول غير الأمريكيين القادمين من أوروبا لمدة شهر، وعبَّر قادة الاتحاد الأوروبي، عن استيائهم من قرار الولايات المتحدة فرض حظر من جانب واحد من وإلى دول الاتحاد، دون أن تتشاور واشنطن مع بروكسل. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال: إن «فيروس كورونا يمثل أزمة عالمية، لا تقتصر على قارة بعينها، وتتطلب التعاون بدلًا من التصرف من جانب واحد».

 كما كشف الفيروس عن أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه «الدبلوماسية الصحية» أمام التحول في طبيعة العلاقة بين المانحين والمتلقين، وبروز أنواع جديدة من التحالفات الصحية، بفعل الوباء وسرعة انتشاره، حيث يمتد هذا النوع من الدبلوماسية إلى فضاءات جديدة، ويضم فاعلين ومستويات مختلفة، ويجمع بين مزايا الدبلوماسية الثنائية والدبلوماسية متعددة الأطراف، في إطار المنظمات الإقليمية والدولية. (Louise Anderson, 2018, p. 200)

نظام عالمي منقسم

بينما يرتبط تأثير أزمة فيروس كورونا في النظام الدولي وتفاعلاته بمداها الزمني واتساع مدى انتشارها، فإن التوترات التي اندلعت في الشهور القليلة الماضية عمقت بالفعل من انقسامات وتوترات كانت موجودة أصلًا. من جانب آخر، فقد أوضحت الأزمة أن التراجع عن الاعتماد الاقتصادي المتبادل لن يكون سهلًا ولا بدون تكلفة، على كل الدول المنخرطة في هذه المنظومة العالمية.

 ورغم أنه من المستبعد أن تكون الأزمة سببًا في تغييرات جذرية بالنظام الدولي؛ فإن سيناريو «فك الارتباط» بين الاقتصادين الأكبر في العالم (الولايات المتحدة، والصين) يلوح في الأفق. وفي هذه الحالة، يتحدث الخبراء عن انقسام النظام العالمي إلى «مجالات نفوذ اقتصادي»، يهيمن على كل منها إحدى القوى الكبرى، وتتميز بكثافة العلاقات الاقتصادية والتجارية بداخلها، بينما تقل أو تنقطع الأواصر بين هذه «المجالات الحيوية» وبعضها، حيث تسود بينها علاقات قائمة على عدم الثقة والتنافس، وهو ما يشكل نهاية المرحلة الحالية من العولمة. (أبو الخير، 2020)

عزلة دولية وتصاعد فوبيا الصين:

حفَّزت أزمة فيروس كورونا حالة من التربص والعداء للصين كقوة صاعدة، حيث دللت تداعيات الأزمة على موقعها المحوري في قلب منظومة الاقتصاد العالمي، ما أثار المخاوف من تداعيات «الاعتماد المفرط» عليها كمحرك للاقتصاد العالمي.

تزايدت حالات الخوف غير المبرر من الصينيين (China-Phobia) في العديد من الدول، لا سيما الغربية منها، ورصدت حالات اعتداء على الصينيين في بعض الشوارع. في المقابل، تضامنت كثير من الدول مع الصين، وأرسلت التبرعات والإمدادات الطبية إليها، منها على سبيل المثال: الإمارات، والجزائر، ومصر، وأستراليا، ونيوزيلندا، واليابان، وكوريا الجنوبية، وتايلاند، وماليزيا، وإندونيسيا، وكازاخستان، وباكستان، وألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا، وبيلاروسيا، وغيرها الكثير، كما زار رئيس الوزراء الكمبودي «هون سين» الصين في فبراير (شباط) 2020؛ ليعبر عن تضامنه مع الشعب الصيني. وفي هذا الإطار، صرّح الرئيس الصيني «شي جين بينج» بأن «رئيس الوزراء الكمبودي أعرب عن دعمه القوي للصين في العديد من المناسبات، بل وقام بنفسه بزيارة خاصة إلى الصين اليوم مما يظهر علاقة صداقة لا تقبل الكسر، وثقة متبادلة بين الجانبين».

وفي هذا الإطار، أعلن العديد من المواطنين الصينيين عزمهم تنظيم مبادرات لزيارة الدول التي دعمتهم خلال انتشار الفيروس كنوع من تقديم الشكر لهم. (المستقبل، 2020)

وقد تصاعدت أصوات التيار المناهض للعولمة، بوصفها أتاحت الفرصة للصعود الصيني، لإثارة المخاوف من هذه الاعتمادية المفرطة على بكين، مؤكدة ضرورة عودة الشركات الكبرى للتصنيع على أرض الدولة الأم، إما بإقامة مصانع، وإما باستغلال التكنولوجيا في إنتاج هذه المكوِّنات، من خلال الطابعات ثلاثية الأبعاد مثلًا. وقد دفع هذا التيار بأن ذلك سيجعل الشركات أقل عرضة للتأثر بمتغيرات خارج حدودها، وللضغوط الصينية لإجبار هذه الشركات على نقل خبراتها التكنولوجية إليها. بل إن مسئولين أمريكيين تجاهلوا كل أبعاد الأزمة الإنسانية التي تتعرض لها الصين، ورحبوا علنًا بفرصة إعادة الشركات الأمريكية إلى أراضي الولايات المتحدة.

الاستقرار السياسي: تتحدى الأوبئة قدرة الأنظمة السياسية على التصدي لمخاطرها، خاصة في الدول النامية التي لا تمتلك بنية تحتية صحية جيدة، مما يثير قلق المجتمع، وقد يدفعه إلى السخط على النظام السياسي القائم.

2.3 التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا:

ومن أبرز تداعيات تفشي فيروس كورونا الفتاك الصيني على الاقتصاد العالمي: (عبد الزهرة شبيب، 2020)

هبوط أسعار النفط: فبسبب الفيروس الصيني الفتاك وتزايد الهلع من انتشاره في أرجاء العالم عقب إعلان منظمة الصحة العالمية حالة الطوارئ الصحية العالمية، تكبدت أسعار النفط خسائر حيث هبطت أسعار النفط إلى دون الـ60 دولارًا للمرة الأولى منذ ثلاثة أشهر. وهبط مزيج برنت أكثر من 3% إلى 58.75 دولارًا للبرميل، وهبط النفط الأمريكي بالنسبة نفسها إلى 52.42 دولارًا.

تباطؤ النمو: فقد أشارت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إلى أن تفشي المرض أدى إلى تباطؤ فرص النمو لثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأشارت إلى أن أول المؤشرات كان انخفاض الإيرادات المالية في آسيا، وأن الاقتصاد الصيني كان لسنوات واحدًا من أقوى محركات النمو في العالم، وأن التعثر في الصين يمكن أن يعطل الوظائف والنمو في اماكن أخرى. وقد تراجع النمو في الصين أكثر من 1% وهو مرشح للزيادة الكبيرة مما يعني أزمة خانقة لم يعرفها الاقتصاد الصيني. وجاءت أزمة كورونا في خضم الحرب التجارية الأمريكية– الصينية، فالصين تعد معمل العالم، وأن أزمتها لها هزات اقتصادية ارتدادية خطيرة على الاقتصاد العالمي، وأن تداعيات ما يحدث في الصين وضع دول العالم على اعتاب أزمة اقتصادية خطيرة.

خسارة الاقتصاد العالمي: أصبح فيروس كورونا يشكل حالة رعب للاقتصاد العالمي المرتبط بالصين. وتوقعت وكالة «بلومبيرغ» أن يتكبد الاقتصاد العالمي خسائر بنحو 160 مليار دولار بسبب تداعيات الفيروس، بينما تعرض سوق العمل في الصين والأسواق المجاورة لنكسة حادة قد تعمق الخسائر يومًا بعد يوم، وهذا ما اضطر البنك المركزي الصيني إلى ضخ 173 مليار دولار لمكافحة المرض، ومن المتوقع زيادة المبلغ لاحتواء أثر الفيروس في الصين.

زيادة أرباح بعض الشركات: وكما يقول المثل «مصائب قوم عند قوم فوائد»، فانتشار فيروس كورونا الصيني ساعد على ترويج بضاعة شركات الأدوية والمستلزمات الطبية، حيث كسبت شركات الأدوية من انتشار الوباء؛ إذ تنتج أدوية تعمل على تخفيف أعراض المرض إضافة إلى استهلاك وطلب اكبر للأقنعة والقفازات الصحية للحماية من الإصابة، فقد شهدت أسهم الشركات المصنعة لها انتعاشًا في الأسعار، آملين في إيجاد لقاح فعال يقضي نهائيًّا على المرض الفتاك.

فك الارتباط:  

فوفقًا لقواعد العولمة، فإن الصين أيضًا تعتمد على استيراد مكونات معينة من الولايات المتحدة، خاصة في مجال منتجاتها التكنولوجية. لكن واشنطن أصبحت تلوح بشكل متكرر بمنع تصدير هذه المكونات إلى بكين، وتسعى إلى تقليص حتى دراسة الطلبة الصينيين في جامعاتها، تحت زعم أنهم كلهم جواسيس للنظام هدفهم سرقة أسرار التكنولوجيا. (أبو الخير، 2020)

3.3 تأثير فيروس كورونا في الأمن الإنساني

الأمن الإنساني: تطرح الأوبئة مخاطر متصاعدة على الأمن الإنساني، خاصة في ظل السمات الحالية للعولمة، وسهولة التنقل من منطقة إلى أخرى، وهو ما يفسر انتقال الفيروس بسهولة نسبية، فعلى الرغم من نشأة الفيروس في الصين، فإنه انتقل إلى كل العالم.

فأبرز تطورات الفيروس على مستوى العالم خلال يوم 27 مارس (آذار) 2020، تؤكد الارتفاع الجنوني في أعداد الإصابات والوفيات فقد سجل يوم 27 مارس 2020 مجموع الحالات المؤكدة 980.531 حالة حول العالم، ومجموع الوفيات قدرت بـ24.070، فكل المؤشرات والوفيات تؤكد أن العالم أصبح أمام كارثة إنسانية حقيقية تفرض على المجتمع الدولي تحديات كبيرة في كيفية مواجهة التداعيات الخطيرة للفيروس، فهذا الارتفاع الجنوني في أعداد الإصابات والوفيات يفرض على العالم تحديات كبيرة، فسرعة انتشار المرض وحجم الخسائر البشرية، تشكل تحديًا وجوديًّا ليس للنظام الدولي فحسب بل للبشرية أجمع.

الخاتمة

كبد انتشار فيروس كورونا، والإجراءات المتعددة التي اتخذتها كثير من الدول، التي انتقل الفيروس إليها لمنع انتشاره بين سكانها على نطاق واسع، وسط تزايد حالة من القلق والخوف الوطني والعالمي، جملة من الخسائر الكبيرة، فتراجع أداء أسواق المال العالمية لتصل إلى مستويات دنيا، مع تكبدها خسائر كبيرة، كما انخفضت أسعار النفط بشكل ملحوظ بسبب القلق الذي سيطر على المتعاملين به.

وعليه خلصت الدراسة إلى مجموعة من الاستنتاجات والتي من بينها:

– فرض فيروس كورونا بعد أن تحول إلى وباء عالمي على البشرية والنظام الدولي تحديات وجودية، خاصة في ظل الزيادة المضطربة في أعداد الإصابات والوفيات.

– أصبح العالم اليوم أمام حرب عالمية جديدة تشنها الطبيعة على الإنسان، فالخسائر المادية والاقتصادية والبشرية لا أحد يستطيع حصرها، ما يجعل الوضع أشبه بحرب عالمية جديدة من حيث حجم هذه الخسائر.

– دخول الاقتصاد العالمي في أزمة حادة، فكل المؤشرات والدراسات تؤكد حدوث انكماش حاد في الاقتصاد العالمي خلال السنوات القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أزمة, كورونا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد