ليس من الحكمة أن نظن أن تحركات أضخم قوة عسكرية واقتصادية في تاريخ العالم المعاصر هي وليدة ردود أفعال آنية على مجريات الظروف الحاصلة على أرض الواقع دون تخطيط مسبق، فالمنطق يقول لو أنها كانت كذلك لما وصلت دولة العم سام في أقل من قرن من الزمان إلى أن تكون أعظم قوة اقتصادية وعسكرية في العالم. لذا يجب أن يعمل التفكير المنطقي في تحليل تحركات دولة العم سام خارج حدودها الوطنية ودوافعها والنتائج التي ترتبت على تلك التحركات في ظل مصالحها القومية على المدى البعيد وفق منظور براغماتي بحت.

سوف لن يتعمق هذا المقال في تفاصيل مغامرات العم سام منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى يوم مغادرته كابول في مشهد يذكرنا بالمثل القائل: «وكأنك يا أبو زيد ما غزيت»، وإنما سيعمل على مناقشة ثلاث محطات تتشابه في بداياتها ونهاياتها على الرغم من الاختلافات العديدة التي تفصل بين تلك المحطات. فجميع تلك المحطات كانت تمثل هدفًا جيوسياسيًا قوميًا بعيد المدى لدولة العم سام، تمحور حوله الحافز لخوض المغامرة والسبب لإنهائها.

ولنبدأ بالمغامرة التي خاضتها دولة العم سام في فيتنام، ففي عام 1954 حصلت فيتنام على استقلالها من الإحتلال الفرنسي وتشكلت بداخلها جبهتين، تبنت الأولى منهما الفكر الشيوعي بقيادة هو تشي منه فيما تبنت الثانية الفكر الرأسمالي بقيادة نقو دنه ديم. وقد كان ذلك الانقسام الفكري في قيادة البلد هو السبب الجيوسياسي الذي دعا دولة العم سام للتدخل في فيتنام. فقد كان لتنامي الفكر الشيوعي في فيتنام قدم السبق في دق ناقوس الخطر في خضم الحرب الباردة بين الشيوعية والرأسمالية بما يفتح الباب على مصراعيه أمام الفكر الشيوعي للانتشار في معظم إقليم جنوب شرق آسيا، وبالتالي يزيد من نفوذ قطبي الشيوعية، الصين والاتحاد السوفيتي، على حساب نفوذ الرأسمالية، والفكر الليبرالي، والمتمثل في أوروبا، وأمريكا.

وعلاوة على ذلك، فقد كان للامتداد الواسع لشواطئ فيتنام على بحر الصين الجنوبي أهمية ذات طابع عسكري يتيح لمن يسيطر عليها موطئ قدم يمكنه من السيطرة على طرق التجارة البحرية بين شطري العالم الشرقي والغربي. لذلك مثلت الحرب الأهلية التي اندلعت في فيتنام عام 1958 كنتيجة للصراع بين الفكرين الشيوعي والرأسمالي من أجل الهيمنة على البلاد، مع حظوة كبيرة للمد الشيوعي في كسب النزاع، أحد أسباب التدخل الأمريكي في فيتنام أيضا. وفي عام 1965 قرر العم سام إرسال أول كتيبة قتالية إلى فيتنام لتغادر بعدها بثماني سنوات، عقب توقيع الولايات المتحدة معاهدة سلام مع دولة فيتنام الشمالية عام 1973، وبعدها بثلاثة أعوام توحد شطري فيتنام الشمالي والجنوبي ليؤسس بذلك جمهورية فيتنام الاشتراكية عام 1976.

وعلى الرغم من الخسائر الفادحة التي تكبدتها الولايات المتحدة الأمريكية عن مغامرتها في فيتنام، والتي كلفتها مايقارب الـ60 ألفًا من أرواح مقاتليها، إضافة إلى مئات المليارات من الدولارات، إلا أنها نجحت في إيقاف المد الشيوعي ليطال بقية دول إقليم جنوب شرق آسيا، وبالتالي حدَّت من النفوذ السياسي للصين في المنطقة وقوضت سيطرتها على طرق التجارة البحرية في بحر الصين الجنوبي.

ومع دخول الألفية الثالثة نرى العلاقات الصينية الفيتنامية تمر بمرحلة من الصراعات الدبلوماسية والتي من المحتمل أن تتطور إلى صراعات عسكرية وفق ما خلصت إليه بعض الدراسات المتخصصة من جامعة كارنيجي الأمريكية، حيث تتمحور عقدة الخلاف بين هتين الدولتين حول مواضيع تتعلق بالحدود البحرية بين البلدين وخارطة التحالفات الدولية لفيتنام، وما يترتب عليها من إزعاجات لمصالح الصين الشعبية.

وعلى النقيض من التوتر المتنامي بالعلاقات الفيتنامية الصينية، نرى التطور الملفت للعلاقات الأمريكية الفيتنامية منذ مطلع الالفية الثالثة. فقد دخل البلدان في مجموعة من الإتفاقيات الإستراتيجية التي شملت مجالات التجارة ومكافحة المخدرات والطيران المدني وصناعات الأنسجة، مما يشير إلى توجه السياسة الخارجية الأمريكية نحو تعزيز عمقها الجيوسياسي في المنطقة لاحتواء المد الصيني ومنعها من التوسع في إقليم جنوب شرق آسيا.

أما بالنسبة لمغامرة العم سام في أفغانستان فتعود جذورها للعقد الأخير من الحرب الباردة، حيث مثل هذا البلد المغلق بريا عمقا إستراتيجيا بين المصالح الجيوسياسية للمعسكر الشرقي بقيادة الإتحاد السوفيتي الشيوعي الاشتراكي والمصالح الجيوسياسية للمعسكر الغربي الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. لذا فقد عملت الأخيرة على دعم المجاهدين في أفغانستان في قتالهم ضد قوات الاتحاد السوفيتي منذ عام 1979 حتى انسحاب الاتحاد السوفيتي من أفغانستان عام 1989. ذاك الانسحاب الذي كان له دورًا مهمًا في انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1990.

وبالتالي فقد تحقق النصر الجيوسياسي لدولة العم سام في قدرتها على احتواء المد الشيوعي الاشتراكي، والذي كان هدفا إستراتيجيا في السياسة الخارجية الأمريكية، والتموضع في قلب إقليم آسيا الوسطى لأول مرة في تاريخها من خلال واحدة من أكبر قواعدها العسكرية، وبالتالي السيطرة على حركة الموارد الطبيعية بالمنطقة وتطويق موارد الطاقة فيها، خاصة احتياطي النفط في بحر قزوين والذي كشفت عنه في حينها دراسة أجرتها مؤسسة إينرون بما يقدر بنحو ملياري برميل يمكن ضخها إلى السوق العالمية عبر شبكة أنابيب تمر عبر الأراضي الأفغانية نحو الموانئ الباكستانية.

اليوم وبعد ما يربو على العقدين من العمليات العسكرية للقوات الأمريكية على أرض أفغانستان، نرى انسحابا أمريكيا يترك الأمة الأفغانية في خضم فوضى عارمة تقتل الآمال بقيام دولة أفغانية مستقرة في المستقبل المنظور. وهنا يتجلى السؤال الأهم حول البعد الجيوسياسي للمصالح الأمريكية وفيما إذا كان هذا الانسحاب يصب في صالح الأهداف الإستراتيجية طويلة الأمد لدولة العم سام؟

للإجابة عن هذا التساؤل، لابد من العودة إلى سياسة الاحتواء التي تمارسها أمريكا للحد من النفوذ الصيني والنفوذ الروسي، حيث إن سياسة الاحتواء بالنسبة لأمريكا من الناحية الإستراتيجية على المدى الطويل أكثر أهمية من مخزون الطاقة في بحر قزوين. لذا فإن انسحاب أمريكا من أفغانستان وتسليمها لحركة طالبان ستعمل على خلق خاصرة قلقة تشكل مصدرًا يعمل على إرباك المصالح التجارية للصين في أفغانستان، إضافة إلى أن هذه الخاصرة ستشكل حاضنة للتمرد الاسلامي في مقاطعة زنجيانغ الصينية وممرًا آمنًا لمقاتلي حركة استقلال تركستان الشرقية.

ومن جهة أخرى، فإن وجود طالبان في سدة الحكم في أفغانستان يُعد وأدًا لمشروع طريق الحرير الذي تسعى الصين جاهدة لإنجازه من أجل تقليل أثر الهيمنة الأمريكية على طرق التجاة البحرية العالمية. وعلاوة على ذلك فإن وجود طالبان في سدة الحكم في أفغانستان واختلافاتها العقائدية مع جارتها إيران سيعمل على إضعاف الخاصرة الشرقية لإيران؛ مما يبشر بسلسلة من الصراعات العسكرية التي تستنزف القدرات العسكرية للمليشيات الولائية التابعة للحرس الثوري الإيراني العاملة في العراق، وسوريا، ولبنان.

أما مغامرة العم سام في العراق فقد كانت من أبرز التحركات الجيوسياسية الخادمة لأهداف الولايات المتحدة الإستراتيجية. فبعد ما يربو على عقد من الزمان تربعت فيه أمريكا على عرش الهيمنة العالمية كقطب أوحد في السياسة العالمية المعاصرة، أتت اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 لتهز هذا العرش وتشوه تلك الصورة. لذا فقد احتاجت أمريكا إلى نصر مدوٍ وسريعٍ في منطقة ذات سمعةٍ اقتصادية وأهميةً جيوسياسية عالمية لجميع اللاعبين الكبار في الساحة الدولية.

كان العراق في عام 2003 أفضل المرشحين ليكون ساحةٌ سلسةٌ لمغامرة العم سام القادمة. فالعراق حينها كان قد أصبح قوة منهكة اقتصاديًا وعسكريًا نتيجةً لحصارٍ كان قد مر عليه 13 عامًا، وبالتالي فسوف لن يشكل العراق تهديدًا فعليًا للقوات الأمريكية المقاتلة.

لقد كان الدافع الأساسي الآخر للتدخل العسكري الأمريكي في العراق هو حماية مصالحها القومية الإستراتيجية من خلال سياستها الخارجية الرامية إلى حفظ أمنها القومي عبر احتواء وتحجيم حلفائها وأعدائها. وإدراكًا منها بالأطماع الإيرانية في المنطقة، فقد عمدت أمريكا من خلال غزوها للعراق واسقاط نظامه الحاكم والذي كان ماثلًا كجدار صد أمام الاطماع الإيرانية، إلى تحويله إلى ساحة صراع بالإنابة تستنزف من خلاله قدرات إيران الاقتصادية والعسكرية، وتبقي المنطقة في قعر مستنقع ساخن يحذر الجميع من التورط فيه.

ولقد مثل تخفيض عديد القوات الأمريكية المقاتلة في العراق منذ عام 2010 والإعلان الأخير للرئيس بايدن بابقاء عدد محدود من القوات غير القتالية في العراق خطوة نحو تعزيز إستراتيجيتها في استنزاف قدرات إيران واحتواء إمكاناتها الإستراتيجية ضمن محيطها الإقليمي، وبالتالي تقليل فرص التغول الروسي والصيني في المنطقة على حساب المصالح القومية الإستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية.

وبنظرة سريعة على المحطات الثلاثة آنفة الذكر، وإذا تساءلنا كيف سيكون شكل خارطة السياسة العالمية لو لم يقم العم سام بتلك المغامرات، فهل كانت الولايات المتحدة الأمريكية ستبقى متربعة على عرش الهيمنة العالمية؟ فلو لم تتدخل أمريكا عسكريًا في فيتنام لكان المد الشيوعي قد اجتاح جميع دول إقليم جنوب شرق آسيا ولكانت طرق التجارة البحرية بين شطري العالم الشرقي والغربي كلها تحت سيطرة الصين.

ولو لم تتدخل الولايات المتحدة في أفغانستان لتمكن أقطاب المعسكر الشرقي من إحاطة المصالح الغربية وتطويقها في منطقة أوراسيا ووسط آسيا وشبه الجزيرة الهندية والشرق الأوسط. لذا فإن المصالح الإستراتيجية بعيدة المدى للولايات المتحدة تتحقق من خلال العمل على خلق خواصر هشة وقلقة في نقاط ذات صفات جيوسياسية مهمة على الخارطة السياسية للعالم. حيث تعمل تلك الخواصر على استنزاف الأقطاب المنافسة للولايات المتحدة، وشغلها أطول فترة ممكنة لكي تبقى دولة العم سام متربعة على عرش الهيمنة العالمية.

فالولايات المتحدة لا يمكنها منع الصين أو روسيا، على سبيل المثال، من التطور الاقتصادي، ولكن يمكنها تقليل فرصهما في المنافسة، من خلال سياسة احتواء تعتمد على مبادئ المشاغلة والاستنزاف. والأهم من ذلك أن الولايات المتحدة تتجنب المواجهة المباشرة مع أي من الدول العظمى، سواءً على الساحة الاقتصادية أم على الساحة العسكرية؛ لأنها تدرك أن أي نوع من تلك المواجهات سيؤدي إلى كارثةٍ تطال العالم أجمع. وقد كانت أزمة الصواريخ الكوبية عام 1963 أفضل درس تعلمت منه دولة العم سام في هذا المجال.

ومما تقدم نستخلص أن التحركات العسكرية التي تقوم بها الولايات المتحدة الأمريكية، إنما هي خطوات محسوبة بدقة ترمي إلى تحقيق المصالح القومية لها على المدى البعيد، والمحافظة على مركزها كأكبر قوة اقتصادية وعسكرية في العالم. وعلى الرغم من أن ظاهر تلك التحركات تبدو معادلة خاسرة كنتيجة آنية مباشرة، إلا أنها فعليًا قد حققت لدولة العم سام مكاسب بعيدة المدى.

وبشكل عام لايجب أن ننسى أن القوى العسكرية الاقتصادية والبشرية لأية دولة في العالم ما هي إلا أدوات تُستخدم لتحقيق المصالح القومية العليا للدولة، وضمان بقائها على خارطة العالم السياسية كدولة ذات سيادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد