إيران دولة أنشئت على أرضها العديد من الحضارات الإنسانية القديمة، وهذه الحضارات بدورها هيئة الأرضية المناسبة لبروز عدة إمبراطوريات على أرض إيران الحالية، إذ لعبت هذه الإمبراطوريات دورًا كبيرًا، ومن خلال عملية التوسع والسيطرة، على ترسيخ القيم والمبادئ الخاصة بالحضارات الفارسية القديمة، في مناطق واسعة من آسيا الوسطى والقوقاز وغيرها، بل يمكن القول أن مفردات الحضارة الفارسية القديمة لازالت راسخة حتى الآن في ثقافات وقيم هذه الدول.

ومن أجل خلق مروحة واسعة من التأثير والإستيعاب الثقافي، عملت إيران على المزاوجة بين مفردات الحضارة الفارسية وهويتها الإسلامية، ومن هذا التأثير الذي لعبته الثقافة الفارسية خلال العصر العباسي الأول في بغداد، إذ أصبحت مؤسسة الوزارة، خاضة للتأثير الإيراني بكل جوانبها السياسية والإدارية والعسكرية والاقتصادية والثقافية، والتي انتهت بعد مقتل أبي مسلم الخراساني ونكبة البرامكة، إذ شكلت الإسهامات الحضارية للفرس تأثيرًا كبيرًا في الدولة العباسية في ذلك الوقت.

ومن أهم الأسباب الرئيسة التي منعت العرب من التأسيس لإمبراطوريات قوية قبل الإسلام، هو افتقادهم للمنظور الثقافي الواضح، وهو ما عملت الحضارة الفارسية على تعميقه وتغذيته، إلا أنه خلال 500 سنة الأخيرة أخذت الجغرافية الثقافية الإيرانية تواجه ضغوطًا كبرى من نموذج ثقافي آخر، وهي الدولة العثمانية، وبالتالي أصبحنا أمام صراع ثقافي آخر مغلف بغلاف مذهبي، وأصبحت دول المنطقة العربية وعلى رأسها العراق الميدان الرئيس لهذه الصراعات.

إن الهوية والثقافة الإيرانية، أصبحتا اليوم الموجهين الرئيسيين للكثير من التحركات الإيرانية الحالية، وتحديدًا خلال 100 سنة الأخيرة، بحيث أن الخطاب الاستعلائي الذي تتحدث به وزارة الخارجية الإيرانية حيال دول جوارها الإقليمي، يكشف المدى الكبير الذي أصبحت تحتله الثقافة الفارسية – الإسلامية في الخطاب السياسي الإيراني، بل يمكن القول أن الهوية الثقافية الإيرانية أصبحت هي المؤشر الرئيس في الإستراتيجية الإيرانية، فعند النظر إلى التحركات الإيرانية حيال الصراعات الإقليمية الدائرة في محيطها الجيوبوليتيكي، نكتشف مدى تأثير ذلك، فالدور الإيراني في الصراع الدائر بين أذربيجان وأرمينيا يوضح لنا الكثير، حيث نجد أن إيران فظلت تقاربها الثقافي مع أرمينيا، على ارتباطها الديني مع أذربيجان، مع الأخذ بنظر الاعتبار أنه على الرغم من أن إيران وأذربيجان يعتنقان المذهب الشيعي الاثني عشري، إلا أن أذربيجان تنكر السلطة الدينية في إيران، بل إن مقوم الدين والمذهب في أذربيجان هو أضعف بكثير منه في إيران، هذا فضلًا عن أن أذربيجان تفضل روابطها القومية – العلمانية على روابطها الدينية، وهو ما دفع إيران للتحرك بعيدًا عنها، وإيجاد مبررات سياسية لموقفها المؤيد لأرمينيا بالضد منها.

مع التأكيد على أن هذا ليس قاعدة ثابتة في السياسات الإيرانية، إذ إنه بالرغم من اتباع إيران لسياسات دينية ومذهبية حيال المنطقة العربية، إلا أنه تنبغي الملاحظة بأن إيران تميز بين مفهومين وهما: الإسلام الفارسي والإسلام العربي، فهي ترى بأنها أعطت للإسلام بعدًا حضاريًا وثقافيًا أكثر مما أخذت منه، في حين أخذ العرب من الإسلام أكثر مما أعطوه، فمجرد النظرة المتمعنة بالثقافة الإيرانية وقيمها، تمكننا من فهم الخطوط العريضة العريضة للعقلية التي تفكر بها إيران.

إن التركيز على العامل الثقافي في السياسة والاستراتيجية الإيرانية، أخذ يثير اهتمام العديد من الباحثين والمفكرين ومراكز صنع القرار، والأكثر من ذلك أن امتلاك الدولة للهوية الثقافية القوية، يعطيها دورًا وتأثيرًا كبيرًا في المجتمع الدولي، بل أنها بالوقت نفسه تمنحها بعدًا أخرًا، والمتمثل بتقوية الجبهة الداخلية، ولهذا السبب فعند تحليل السياسة الخارجية لأية دولة، لابد من التركيز على العامل الثقافي، وإعطائه مساحة واسعة من التحليل والتفكير، كونه مرتبطًا بالهوية والنظام السياسي والبنيان الدولي، ولهذا نجد بأن إيران أعطت لهذا المتغير أهمية كبرى؛ كونه يتدخل في تشكيل النظام السياسي، الهوية الوطنية، القيم السياسية، الموروثات الشعبية وغيرها.

وعلاوة على ذلك فإنه يفرض نفسه بقوة في عملية صنع القرار في إيران، حيث تلعب قيم الحضارة والثقافة الفارسية الممزوجة بالثورية الإستيعابية الإيرانية دورًا كبيرًا في صياغة الخطوط العامة لصانعي القرار في إيران، وتكفي الإشارة هنا إلى الحديث الذي أدلى به مستشار الرئيس الإيراني الحالي علي يونسي في منتدى الهوية الإيرانية الذي عقد في مارس 2015 في طهران، إذ قال: إن إيران أصبحت إمبراطورية اليوم كما كانت عبر التاريخ، وعاصمتها بغداد حاليًا، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا، كما في الماضي، وأضاف إن الجغرافية الإيرانية والعراقية هي واحدة غير قابلة للتجزئة أو التفكك، وبالتالي علينا إما القتال معًا، أو أن نتحد، هذا إلى جانب العديد من التصريحات والأحاديث الجانبية المستمرة والتي تصدر عن المرشد الإيراني أو رئيس الجمهورية أو قيادات في الحرس الثوري الإيراني، والتي تعطي بمجملها البعد الجيو ثقافي والهوياتي الإيراني، مساحة واسعة من التأثير والأهمية، وذلك في إشارة واضحة لمدى الاحتواء الجيو-ثقافي الذي تمارسه إيران في محيطها الجيو-بولتيكي.

وعند الحديث عن الهوية الثقافية في إيران نجد أن هناك ثلاثة خطوط عامة في إيران، بل يمكن القول إن هناك صراع هويات داخل إيران، بحيث عمل النظام السياسي على توظيف كل هوية على حدى، بمعنى آخر، من أجل عدم تفجر الواقع الداخلي في إيران، أعطى النظام السياسي في إيران، مساحة أو هامش حركة لكل هوية على حدى، وحسب أهميتها أو الضرورة المقصودة منها، وهذه الهويات هي:

1. الهوية الوطنية أو القومية.

2. الهوية الدينية أو المذهبية.

3. الهوية الغربية أو الليبرالية.

لعبت هذه الهويات الثلاثة دورًا كبيرًا في صياغة رؤية إيران للعالم الخارجي، فهي تستخدم الهوية الوطنية أو القومية في بيئتها الداخلية، لتحقيق حالة من الإندماج الوطني والإجماع الشعبي، منعًا لمحاولات إثارة الفتن والتفرقة والانفصال، أم الهوية الدينية أو المذهبية فهي النموذج الأكثر وضوحًا في محيطها الإقليمي والإسلامي، لتميز نفسها بأنها دولة ذات نموذج ديني ومذهبي مختلف عن الآخرين، في حين تبرز الهوية الغربية أو الليبرالية في تحركات إيران الدولية، سواءً على صعيد المنظمات الدولية، أو على صعيد العلاقات الدولية في آسيا وأفريقا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.

إن الفهم الجيد للثقافة الإيرانية يقتضي بالضرورة الإحاطة بالمفردات الرئيسة التي تشكل القوة الناعمة الإيرانية، أو الهوية الوطنية الإيرانية، والعادات والتقاليد الشعبية، هذا إلى جانب الإسلام الشيعي أو الهوية الإسلامية الشيعية، والتي أصبحت اليوم المحرك الرئيس للكثير من الأحزاب والحركات السياسية والعسكرية الشيعية في العالم العربي والإسلامي، بل الأكثر أن أخذت كل هذه الحركات تستنسخ النموذج الإيراني بأكثر مفرداته السياسية والأيديولوجية ومن أبرزها:

1. التبعية للولي الفقيه الإيراني، والالتزام بفتاواه وإرشاداته.

2. استعارة الكثير من مفردات الخطاب الإيراني، ومن أبرزها الإسلام المحمدي! الشيطان الأكبر، الاستكبار العالمي وغيرها.

3. تشكيل تنظيمات عسكرية مشابهة للحرس الثوري الإيراني من حيث الهيكلية والاعتقاد والأدوار.

إن إيران وعلى الرغم من غلبة الطابع الإسلامي عليها بعد الثورة، إلا أنها رفضت حصر نفسها في هذا الإطار الأيديولوجي الضيق، بمعنى أنه بالوقت الذي تؤكد فيه النصوص الدستورية الإيرانية على إسلامية الدولة ومبادئها، إلا أن الممارسات الإيرانية ذهبت عكس هذا التيار، فهي تستخدم الورقة الإسلامية حينما تقتضي الضرورة، والورقة القومية والبراغماتية في ضرورات أخرى، ففي حين يشير الخميني في كتابه الحكومة الإسلامية إلى روسيا والصين بدول الإلحاد والكفر، تذهب إيران اليوم بإتجاه نسج علاقات تحالف وتبعية معها، كما أن هناك اختبارات أخرى أظهرت فيها إيران عدم التزام واضح بالمبادئ التي قامت عليها، كما أنها عملت على نسج خيوط بسيطة بين مفاهيمها الإسلامية وتقاربها مع الغرب، ويضطلع التيار الإصلاحي في إيران بهذه المهمة في كثير من الأحيان، فعلى الرغم من إهمال الثورة الإسلامية الإيرانية لكل مفاهيم وقيم حقوق الإنسان وحرياتها الأساسية، من خلال التركيز على المبادئ الثورية الخمينية، والتي تحرم الكثير من الممارسات والتصرفات الإنسانية، يسعى التيار الإصلاحي إلى التخفيف منها، إذ شهد شهر أغسطس 2017، صراعًا بين حسن روحاني ومجلس صيانة الدستور، حول سعي الحكومة الإيرانية إلى تحديث المناهج التعليمية في إيران، لتتواءم مع شروط وضوابط منظمة اليونسكو، رفض التيار المحافظ ذلك بحجة أنها قد تقوض المبادئ الثورية التي تقوم عليها الدولة الإيرانية، وهذا ما قصدنا به صراع الهويات في إيران، وبالمجمل فإنه في الوقت الذي تؤكد فيه مواد الدستور الإيراني على حداثة الدولة الإيرانية وعصريتها، فإن الممارسات الإيرانية تذهب باتجاه آخر مختلف تمامًا.

ففي الوقت الذي تسعى فيه إيران إلى إبراز مدى تماسك المجتمع الإيراني (سنة وشيعة وبلوش وترك وغيرهم) في إطار قوتها الناعمة، فإنها تمارس سياسة شوفينية حيال نفس هذه المكونات المجتمعية، سواءً داخلها أو في محيطها الإقليمي، وتحديدًا في العراق وسوريا، بل إنها تجد نفسها في مستوى هوياتي أعلى من العرب والترك، وهذه الشوفينية انعكست بصورة واضحة على التصريحات والممارسات الخارجية الإيرانية.

إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، سعت وبصورة كبيرة إلى إبراز الهوية الشيعية لإيران حيال دول العالم السني، فهي عملت على الوقوف ضد مركز الخلافة السنية في العالم الإسلامي وهي المملكة العربية السعودية، أو مصر في عهد الدولة المملوكية، أو الدولة الأموية والعباسية ومن ثم العثمانية، فهي تعتبر نفسها امتدادًا للدولة التي أرسى أسسها الإمام علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، وبالتالي هي الدولة الأكثر شرعية في العالم الإسلامي، فهي تسعى دائمًا إلى إبراز الوجه الشيعي المرتبط بخلافة الإمام علي رضي الله عنه عن طريق الأئمة الاثني عشر، بل التأكيد على ذلك في مواد الدستور الإيراني، أو في الشروط الخاصة بالولي الفقيه، أو حتى في العقائد والنظريات الدينية المتمثلة بـ(عقيدة الانتظار أو عقيدة التمهيد) وغيرها، وتوظيفها كمقتربات حاكمة في السياسة والاستراتيجية الإيرانية.

حيث تؤكد الثقافة الإيرانية دائمًا على أنها دولة العدل الإلهي، وأنها تسعى إلى تصحيح الظلم التاريخي الذي وقع على أبناء الإمام علي، من خلال مسألة أو موضع الخلافة وغيرها من المسائل الفقهية، فهي تجد في نفسها قائدًا لعالم الخير بوجه علم الشر وقواه، كما أنها مركز للعالم الإسلامي، باعتبارها نموذجًا فريدًا وقادرًا على الاندماج، وأنها المركز الرئيس لدول العالم الثالث، من خلال مقارعتها للقوى الإمبريالية والاستعمارية، فهي كلها شعارات تسوقها إيران من أجل تسويق نموذجها الثقافي، وإضفاء المزيد من الشرعية الدينية والتاريخية لثورتها الإسلامية ونظامها السياسي.

فالعالم من وجهة نظرها يولد مشاعر انعدام الأمن في جميع السياقات، ويتوافق مع شرعية التقية السياسية، وإخفاء الحقيقي من النوايا والأفكار، ويعزو علماء النفس الاجتماعي هذه السمة (الاعتقاد بالمؤامرة) للمجتمع الإيراني إلى مزيج من العناصر السياسية والاجتماعية والنفسية: تاريخ التدخل الإستعماري في إيران الحديثة؛ اعتقاد الزرادشتية قبل الإسلام في فعالية القوى الشيطانية في العالم؛ إسقاط العقيدة الإسلامية (بما في ذلك الشيعة) في الحتمية الإلهية في الشؤون الإنسانية، وتلد اعتقاد مبالغ فيه فيما قبل التأمل في شؤون الإنسان، والحاجة إلى آلية دفاع جماعي في أوقات الضعف والإذلال الوطني، وعلى المستوى الثقافي، يسهم التاريخ الفارسي في الوصفات الأسطورية، وقبول الرخصة الشعرية في الخطاب العادي في قبول نظريات المؤامرة، وكثيرًا ما يشجع النظام على الميل الثقافي لقبول نظريات المؤامرة والتلاعب بها.

إن الميل الإيراني نحو قبول نظريات المؤامرة له شقين، التأثير من جهة يولد شعورًا بالعجز والحتمية، ومن جهة أخرى هو مصدر الشكوك العميقة تجاه أي حركة، وعدم الرغبة في الثقة في دوافع ونيات الآخر، وهو ما انعكس على العقيدة العسكرية التي تحاول دائمًا تفسير التحركات أو التطورات الإقليمية والدولية، على أنها جزء من مؤامرة تهدف إلى النيل من إيران دولة وشعب، بل أن التطورات الداخلية هي الأخرى بدورها لم تسلم من طروحات وفرضيات هذه النظرية، فقد تم تفسير المظاهرات التي قام بها مناصرو المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي ومهدي كروبي، والتي عرفت بالحركة الخضراء، على أثر فوز نجاد بولاية ثانية، على أنها جزء من مؤامرة دولية، تستهدف الدولة الإيرانية وشرعية نظامها السياسي، وهو ما حدث أيضًا في الإحتجاجات الشعبية الأخيرة التي شهدتها إيران في 28 ديسمبر 2017.

في ختام ما تقدم يمكن القول بأن إيران الحالية تعاني من ارتباك الهويات الثقافية، بحيث لم يستقر التعامل السياسي الإيراني على هوية أو ثقافة واضحة، ولعل من أهم الأسباب الرئيسة في ذلك هي الثورة الإسلامية الإيرانية في العام 1979، إذ كانت إيران قبل الثورة قومية – غربية واضحة المعالم، إلا أنه بعد الثورة، دخل المتغير الديني على خط المواجهة، وهو ما أثر على سياسة إيران الحالية، فهي نفسها لا تعرف فيما إذا كانت قومية أو إسلامية أو حتى حداثية، فهذه الإشكالات الثقافية أوقعتها في مطبات كبرى مع القوى العالمية، وأدخلها في صدامات وصراعات كثيرة مع القوى الإقليمية، أما الواقع الداخلي الإيراني فهو الآخر لم يسلم من تحديات الانفصال أو عدم الاستقرار السياسي والمجتمعي، وهو ما جعل إيران تعيش حالة من السلوكيات المتضاربة، ففي وجه شعار حوار الحضارات الذي يرفعه الإصلاحيين، يسعى التيار المحافظ إلى استيعاب دول وحضارات وثقافات دول المنطقة ضمن بوتقة الولي الفقيه أو تصدير الثورة الإسلامية، فيما يذهب التيار القومي الإيراني إلى التذكير بالاستحقاقات التاريخية للإمبراطوريات الفارسية القديمة، والتي تسير جميعها باتجاه دالة واحدة وهي إيران أولًا، فما بدأه الملك الإخميني دارا الأول أو داريوس الكبير فيما مضى، يسعى إلى إكماله المرشد الإيراني الآن، وهو إعلاء شأن الذات الإيرانية تحت أي مسمى أو سلوك أو ممارسة، فالغاية الإيرانية تبرر الوسيلة المتبعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد