جوابًا عن سؤال كيف يختلف الفكر السياسي باختلاف الجغرافيا؟

تعد الديمقراطية اليوم النظام السياسي الأكثر شيوعًا وشرعية، والأقوى حجة بين النظم السياسية، لكونه استطاع أن يتشكل عبر مراحل تاريخية طويلة، جعلته يتجاوز مثالبه، ويضع نفسه نظامًا سياسيًّا تقرر فيه الأغلبية بشكل يحفظ حقوق الأقلية، وعل هذا المعطى هو ما جعله يستمر إلى أن أضحى الغرب يصدره إلى بقاع جغرافية بعيدة؛ ليجعلها مجتمعات مهيئة سياسيًّا لينفذ إليها بعد ذلك اقتصاديًّا وفكريًّا.

الديمقراطية بوصفها نظامًا سياسيًّا ظهرت وتشكلت في أوروبا، وتحديدًا عند اليونان – ديمقراطية أثينا الشهيرة– وكانت جوابًا عن إشكالات سياقية فرضت ظهور الديمقراطية حلًّا لها. لكن كيف يمكن أن نجزم أن نجاح الديمقراطية في السياق الأوروبي يؤهلها لتكون نظامًا يحكم مجتمعات أخرى لم تعرف التراكم نفسه، ولم تعش الإكراهات نفسها «المجتمعات الآسيوية مثلًا»؟ والأدهى من هذا أنها تتبنى نمط تفكير مختلفًا تمامًا عن ذلك المتبنى عند الغرب، الشيء الذي ينسحب على كل مظاهر الحياة العامة، انطلاقًا من التفاعلات الميكرواجتماعية، مرورًا بالتعاملات الاقتصادية، وانتهاءً بسياسة شؤونهم.

يقول الدكتور جون دوي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كامبردج، في كتابه تاريخ الديمقراطية: «كل نظام سياسي يشتغل من أجل المصلحة العامة للشعب، وليس من أجل مصلحة فئة معينة هو ديمقراطي»، وهنا تقع تسمية ديمقراطي ليست بالمعنى الغربي للكلمة، بل تسمية معيارية تحيل إلى مجتمع تتحقق فيه ظروف العيش الكريم للأفراد المشكلين للمجتمع، ويتبنى القيم الحضارية التي تضمن الوحدة والاستمرار، وهذا الطرح يدفعنا الى القول بأن نموذج النظام السياسي ليس بالضرورة واحدًا، بل يمكن أن تتعدد أوجهه، وأن يحقق بالمقابل النتائج نفسها، بل قد يحقق نتائج أفضل، كما هو الأمر مع أنظمة التسلط الأبوي الأسيوية، أو ما يصطلح عليه السلطوية الناعمة الآسيوية.

إذ يتمظهر الوعي الجمعي في اليابان في التخفيف من كل ما يمكن أن يشبه السياسة الديمقراطية بالمعنى الغربي للكلمة. إن الديمقراطية الغربية ترتكز إلى الصراع، ويعد هذا الصراع أمرًا عاديًّا، بل ضروريًّا من أجل الأداء الطبيعي لكل ديمقراطية. ولكن لا شيء من هذا ينطبق على اليابان: فالمجتمع الياباني في مجمله يميل إلى اعتبار نفسه مجموعة كبرى لها مصدر سلطة واحد ومستقر. ثم أن التأكيد على تناسق هذه المجموعة يرمي إلى دفع الصراعات المفتوحة إلى هوامش السياسة، ولا نلمس أي تناوب للأحزاب السياسية على السلطة انطلاقًا من الصراعات حول بعض المشاكل، ولكن نلمس بالأحرى هيمنة الحزب الليبرالي الديمقراطي منذ زمن بعيد[1].

مبرر ذلك أن البنية المجتمعية اليابانية هي بنية تؤمن بالجماعة أكثر من الفردية الغربية، ولما كان لزامًا عليها تنبي نظام ديمقراطي بعد مجموعة أحداث تاريخية دفعتها لذلك، حاولت أن تجعل لنفسها ديمقراطية شكلية عبر تأسيس أحزاب لم تستطع القطع مع الفكر الإمبراطوري، بل جعلت للأحزاب صلاحيات أوسع، بحيث ضمنت حياة الفكر الإمبراطوري بصيغة جديدة، إذ لم تستطع التخلص من رواسب البنية الفكرية الآسيوية الأصيلة، والتي تقوم على الجماعة، وترفض الصراع، وتحض على الوحدة والقائد الواحد الحكيم، فظل بذلك الحزب الليبرالي الديمقراطي هو مُتَسَيِّد المشهد السياسي دونما صراع.

يقول رئيس وزراء سنغافورة السابق لي كوان يو: «إن الديمقراطية هي عائق أمام النمو لأنها تتداخل مع التخطيط الاقتصادي العقلي، وتشجع نوعًا من الإعجاب الذاتي المتوازي بين الأفراد، ينجم عنه بروز مصالح شخصية مختلفة على حساب الإعجاب الذاتي للجماعة في كليتها»، وعَلَ نسب النمو الاقتصادي المهمة التي حققتها دول شرق آسيا؛ سنغافورة، وماليزيا، والصين، واليابان، يجعلنا نعيد مراجعة أفكارنا حول النماذج السياسية القادرة على حمل الشعوب والمجتمعات من مستنقعات المديونية، والفقر، والتفاوتات الطبقية، إلى ضفاف القيم الإنسانية المنتجة، والقادرة على توفير بيئة اجتماعية تقدس روح الجماعة، وتجعل منها دعامة قوة المجتمع، وتعمل على تغييب النزعة الفردية، التي تذكي الصراع الذي تضيع معه التنمية.

حتى مجتمعاتنا العربية، والتي ظلت طبيعة السلطة السياسية فيها عاجزة عن تبني النموذج الديمقراطي الغربي، وحتى في البلدان التي فتحت أوراشًا جادة لتكريس الخيار الديمقراطي، ظلت تراوح مكانها واعتقدت أنه بتدوين عبارة «دولة ديموقراطية» في دساتيرها ستكون بذلك قد حققت الانتقال إلى هذا النموذج الغربي المثالي، دون أن تدري أن الأمر ليس يتم بهكذا طريقة، وإنما هو فشل – إن جاز أن نسميه فشلًا- مرده عدم مواءمة هذا النموذج للبيئة التي تراكمت على مدى قرون، والتي ظلت مخلصة للأنظمة الأميرية السلطانية المبنية على الحكمة والشورى، الشيء الذي ستجد معه هذه الدول نفسها أمام أمرين: إما الانتصار لرواسب ثقافتها التي ما زالت حاضرة عبر ذهنية «الرجل المشرقي» و«المرأة المشرقية»، والعمل على تطوير نظام ينطلق من خصوصياتها، وإما أن تستمر في محاولات ارتداء جلباب الديمقراطية الضيق، ويستمر معها تسجيل قدر كبير من التناقضات الهيكلية بين الخطاب والممارسة.

بقراءة تنصرف إلى ما وراء الظاهر نسترشد فيها بما قال به ميشيل فوكو عن علاقة السلطة بالمعرفة؛ وكون أن المعرفة هي دائمًا مسنودة بسلطة تحاول فرضها وتكريس هيمنتها عبر توظيف مختلف مؤسساتها. يمكن أن نقف على أجوبة لماذا أوروبا وأمريكا «الغرب» يحاولون جاهدين عبر كل الوسائل المتاحة تغييب النماذج السياسية المنافسة، وبالمقابل تصدير النموذج الأوروأمريكي للعالم الذي يقول بوحدة أنماط التفكير البشري أينما كان البشر، في الغرب أم في الشرق، دونما اعتبار لا للخصوصية الثقافية، ولا لدرجة الفروقات الحضارية والفكرية بين الحضارات البشرية، محاولات الغرب هاته يمكن أن نلحقها بمسميات ظهرت مع مطلع القرن العشرين من قَبيل العولمة واقتصاد السوق، وغيرها من المحاولات التي تسعى إلى نشر الفكر الغربي والتأثير في المجتمعات؛ بحيث تصير بقعًا جغرافية تابعة فكريًّا، ومُنمطَة بنمط الحياة الغربي، وبالتالي القدرة على اختراقها اقتصاديًّا لتصير أسواقًا آمنة ومُستَهلِكَة.

خلاصة

إن أغلب النماذج الناجحة سياسيًّا، واقتصاديًّا واجتماعيًّا في العالم هي نماذج انتصرت لطبيعة نظام سياسي ينطلق من خصوصياتها، ويحترم التراكم التاريخي الذي عرفته، واحترمت النمط القيمي الذي اكتنف مراحل تشكله. والعكس يصدق هنا، إذ إن الدول التي ما تزال تبحث عن جواب لسؤال التنمية ظلت تحاول تبني نماذج سياسية مستوردة دخيلة، ولا تنضبط لحركية التاريخ السياسي الذي عرفته، كما أنه لا يوائم ذهنية الأفراد، الشيء الذي يرشح عنه تناقضات اجتماعية وسياسية تكرس الفشل والضعف الاقتصادي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1] . فوكوياما، فرانسيس، نهاية التاريخ و الإنسان الأخير، ت. ف. شاهين، ج. قاسم، ر. الشايبي، مركز الإنماء القومي، ص.228-229.
عرض التعليقات
تحميل المزيد