المشهد الجيوسياسي الجديد للشرق الأوسط - حقيقة الانسحاب الأمريكي من المنطقة-

يعد موضوع المنافسات العالمية للحصول على مكانة القيادة العالمية من أبرز القضايا بالنسبة للقوى العظمى خاصة في الشرق الأوسط الذي تم تشكيل قدره السياسي بشكل كبير من خلال التنافس على القوة والنفوذ الإقليمي، إذ تحاول أكبر قوة عالمية المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية – رغم تواجدها في مرحلتها المتدهورة – الحفاظ على موقعها القيادي العالمي، وهو مايفسر تزايد التنافس بينها وبين القوى العظمى الأخرى وهي روسيا والصين والاتحاد الأوروبي واليابان والهند في ظل غياب قوى عربية، أو اسلامية قادرة على خوض هذه المنافسة كوحدة قيادة جماعية ترتبط مع قدراتها على مستوى التنافس السياسي والاقتصادي والأيديولوجي في المنطقة.

فالشرق الأوسط المعاصر هو نتاج لثلاث موجات جيوسياسية أولها انهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وثانيها بعد الحرب العالمية الثانية التي شهدت انهيار النظام الاستعماري الأوروبي، أما الموجة الثالثة كانت منذ نهاية الحرب الباردة إلى غاية إعلان الانسحاب الأمريكي من سوريا، وانتشار الفوضى السياسية.

وقد تجلت السمات الرئيسة من الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط في زيادة التنافس العالمي وبروز الدول الفاشلة التي عرفت اقتصاديات معطلة، وغياب العدالة الاجتماعية، والبيئات المدمرة، والموارد المنهوبة، والمناطق الجغرافية المتضاربة، والتدخلات الخارجية، والراديكالية العنيفة رغم غنى المنطقة بالموارد خاصة النفط، بالإضافة الى وجود أنظمة استبدادية، وهم في الغالب موالون للدول الأجنبية من أجل تنفيذ أجندات غربية مقابل الحفاظ على السلطة، لذلك فهم يتحملون مسؤولية كبيرة تجاه ما يجري في الشرق الأوسط.

إن استمرار الصراعات القديمة وتزايد الصراعات الجديدة، قد يثير أبعادا خطيرة تحمل حقبة جديدة من التدخل الأجنبي وزعزعة الاستقرار، وأبرز مثال الأزمة في سوريا، وهو ما سيفرز مستقبلًا جغرافيًا سياسية جديدة في الشرق الأوسط تتسم بالفوضى السياسية، وتزايد الانتفاضات الشعبية، والتطرف الديني، والصراع بين الدول والمنافسات الأجنبية والتدخلات العسكرية، وفي مثل هذا السيناريو القاتم، سوف تسود حالة من اليأس، وتقوض فكرة تجسيد تحول ديمقراطي في الشرق الأوسط.

فالمنافسة الجيوسياسية الجديدة في الشرق الأوسط ما هي إلا صراع حول دور الديمقراطية، وتأثيرها في النظام الدولي، ومن هنا على المجتمع الدولي الاستثمار في عملية إرساء الديمقراطية، والعمل أكثر لدفع الحكومات العربية إلى تحسين حوكمتها في المنطقة أمام محاولات روسيا الاستفادة من الخلل الوظيفي الغربي، وفرض الصين لثقلها الجديد من أجل إضعاف النموذج الديمقراطي للحكم والدور الذي لعبته الديمقراطيات الغربية في تشكيل النظام الدولي في هذه المرحلة الجيوسياسية الحاسمة، إذ تتعرض الدول الديمقراطية القوية لضغوط متزايدة من مجموعة مترابطة من التحديات الداخلية السياسية، والاقتصادية والثقافية، وعدم اليقين بشأن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في ظل ادارة ترامب، وهو ما قد يعقد الأمور أكثر، لذلك فإن الجغرافيا الجديدة في الشرق الأوسط لن تكون بمنأى عن التحالفات الجديدة.

المشهد الجيوسياسي الجديد للشرق الأوسط.. حقيقة الانسحاب الأمريكي من المنطقة

مثل قرار انسحاب الولايات المتحدة من سوريا لدى الكثيرين تراجعًا كبيرًا للدور الامريكي في الشرق الأوسط في حين اعتبره البعض أنه مجرد مناورة ناعمة لخلق الفوضى وإعادة توزيع القوى في المنطقة، خاصة بعد ما أفرزه ما يسمى بثورات الربيع العربي، وتزايد المنافسة بين القوى العظمى، وبروز التحالفات الجيوسياسية الجديدة، حيث لخصت المصالح والأهداف الاستراتيجية للجهات الفاعلة الإقليمية الرئيسة المشهد الجيوسياسي الجديد للشرق الأوسط.

ورغم تراجع الولايات المتحدة الأمريكية عن إدارة الصراع في المنطقة أمام دخول أطراف أخرى منافسة تسعى لإعادة صنع القرار الإقليمي على غرار المملكة العربية السعودية، وإيران وتركيا، وروسيا، ومع ذلك لا يمكن الحديث عن انسحاب جذري للولايات المتحدة الأمريكية من الشرق الأوسط، بل تسعى إلى بناء استراتيجية جديدة من خلال تشكيل تحالف أمن جديد في المنطقة.

علاوة على ذلك فإن لكل من هذه القوى المتنافسة أهدافًا استراتيجية تسعى لتحقيقها، فروسيا تعمل على اكتساب النفوذ على حساب الولايات المتحدة، بينما إيران تريد تحقيق طموحاتها النووية والإقليمية، في حين تسعى تركيا إلى تعزيز دورها ومكانتها في المنطقة من خلال استراتيجيتها القومية، وتعمل المملكة العربية السعودية على تشكيل تحالف عربي لاحتواء النفوذ الإيراني، كما تحاول الصين أن تكون طرفًا أكثر تأثيرًا في المنطقة من خلال العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية، وقد صوبت أمريكا اهتمامها أكثر نحو إيران، حيث تم تصويرها كأكبر مؤيد للإرهاب في المنطقة؛ مما قوض تنفيذ اتفاقية الاتفاق النووي، كما سعت إدارة ترامب الى دعم الحلفاء المناهضين لإيران في المنطقة مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر.

نافلة القول أمام عدم اعتماد الولايات المتحدة لإستراتيجية ثابتة في المنطقة، وتضارب المصالح للقوى المنافسة، وضبابية المشهد الجيوسياسي سيزيد من الفوضى في الشرق الوسط، وتستمر المنطقة في تحملها الكثير من التداعيات الخطيرة، قد تؤدي إلى اندلاع حرب عالمية أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد