ستنطلق المقالة من مقولتين رئيسيتين الأولى لتصريح رئيس البرازيل لولا دا سيلفا مباشرة عقب فوز البرازيل في التصويت لصالح كونها الدولة المستقبلة لأولمبياد 2016 جاء فيه: «البرازيل لم تعد دولة من الدرجة الثانية، بل أصبحت دولة درجة أولى، واليوم بدأنا بتلقي الاحترام الذي نستحقه». والثانية لمؤسس الألعاب الأولمبية الحديثة بارون دي كوبرتان Baron de Coubertin، والمروّج له بأنه صاحب فكرة الدور الكبير للرياضة في نشر الحب والسلام بين شعوب العالم. لكن ما تم إغفاله هو أن هذا المعلّم والمؤرّخ الفرنسي قال في إحدى لقاءاته بأنه «تأمّل جيدًا الصدمة الوطنية التي عاشها الفرنسيون الذين عانوا نتيجة هزيمتهم من قبل الألمان عام 1871، والهزيمة حسبه كانت نتيجة عدم تركيز التعليم الفرنسي على أهمية المهارات الرياضية، خلافًا لما كان في بريطانيا العظمى وألمانيا، فقرر تصحيح ذلك».

هذه البداية كانت ضرورية لتأكيد مقولة باسكال بونيفاس Pascal Boniface رائد الجيوبوليتيك الفرنسي بأن الرياضة هي ساحة المعركة الجديدة السلمية، والمنظّمة للدولة. فعلى خلاف تأكيد معظم المحللين على أن العولمة محت الهويات الوطنية، جادل الباحث بأن الرياضة استطاعت أن توظفّها لإيجاد طريقة فعّالة لتوحيد الأمّة حول مشروع موحّد ومشترك. ففي هذه القرية العالمية أبطال العالم هم الأشخاص الأكثر شعبية وشهرة، فالجميع يعرف كريستيانو رونالدو ويوسين بولت، لكن من يعرف اسم رئيس الوزراء البرتغالي أو الجامايكي؟ من يتذكر اسم رئيس البرازيل في عام 1970؟ ولكن اسم بيليه محفور في الذاكرة إلى الأبد. الرياضة اليوم هي أكثر من رياضة؛ بل هي بالإضافة إلى كونها عاطفة، مشاعر ولحظات من اليأس والفرح والأخوة هي جيوبوليتيك وقوة في نسختها الناعمة. باختصار: «هي عنصر أساسي لتألق وسطوع الدولة».

لماذا البرازيل بالذات هذه الدولة التي شهدت في السنوات الأخيرة معدلات مرتفعة من الجريمة والعنف؟ يمكن الإجابة عن هذه الإشكالية بتتبع الإرهاصات الأولى لعملية التصويت لصالح الدولة، والتي شهدت تجاذبًا مثيرًا للاهتمام، كون رؤساء الحكومات أصبحوا جماعات ضغط يضغطون مباشرة لصالح فوزهم بموقع الأولمبياد، وهو ما يمكن الاستدلال عليه كالتالي: أولًا، الحضور الشخصي لكل من الرئيس الأمريكي باراك أوباما لدعم ملف ترشيح مدينة شيكاغو، حضور الرئيس البرازيلي لويز إناسيو لولا دا سيلفا الذي غادر قمة أمريكا الجنوبية- أفريقيا قبل اختتامها في جزيرة مارجريتا الفنزويلية لمساندة ترشيح مدينة ريو دي جانيرو، وحضور رئيس الوزراء الياباني الجديد يوكيو هاتوياما لمساندة ترشيح العاصمة طوكيو، و في إسبانيا وقع الاختيار على وفد يترأسه عمدة مدريد ألبرتو رويز جاياردون، بعد دعم شعبي كبير تمثّل في خروج مئات الآلاف من الأشخاص إلى شوارع العاصمة الإسبانية لمساندة ملف مدريد لتنظيم دورة الألعاب الأوليمبية.

ثانيًا، فوز ريو دي جانيرو الحاسم في الجولة الثالثة على حساب مدريد بعد استبعاد شيكاغو في الجولة الأولى، واليابان في الجولة الثانية، كان نتيجة الذكاء الإستراتيجي للرئيس لولا، والذي أقنع اللجنة من خلال عرضه بجدارة ريو دي جانيرو بتبديده لكل المخاوف الدولية حول العنف والجريمة المنظمة، نتيجة التحسينات الأمنية الأخيرة في المجالين، كما ادعى لولا بأن دورة الألعاب الأولمبية ستساعد في بناء البرازيل، وبخاصة مدينة ريو دي جانيرو بتوفير فرص عمل للفقراء، ودمج المجتمع المدني، وبناء روح السلام والتعاون من خلال الرياضة، وهو نفس الشعار الذي دافع عنه المؤسسون الأوائل للألعاب الاولمبية نهاية القرن التاسع عشر. الأهم من ذلك تصريح لولا بأن الدور كان على الدول الغنية، والآن الفرصة للبرازيل. أي اللعب على وتر القوة التعبيرية والدلالة الرمزية «لانتصار العالم الثالث»، هذا الشعار على غرار حصوله على تأييد معظم الدول المصوّتة، إلا أنه يعكس بصورة عملية سعي البرازيل لتقوية العلاقات بين ما أصبح يعرف بالقوى الصاعدة في العلاقات الدولية؛ فزيارة الرئيس لولا لبكين عام 2008، وتأييده العلني لجهود الحكومة كان نتيجته تصويت الصين لصالح البرازيل في 2016.

فالافتراض بأن الألعاب الأولمبية الحديثة تعزز السلم حول العالم من خلال المنافسة غير العنيفة، التي تعلي من شان الإنجاز الرياضي هو صالح لتفكير الرياضيين المشاركين. لكنه هدف بعيد كل البعد عن أذهان الحكومات التي كان دعمها للهياكل الوطنية الرياضية أمرًا حاسمًا لنجاح مشاركيها الوطنيين، وهو ما يفسر الارتفاع المطرد في النفقات الوطنية على مجالها الرياضي، والقتال الرسمي وبشراسة للفوز باحتضان دورة الألعاب الأولمبية. لذلك الفوز في الأولمبياد هو فوز سياسي أكثر منه رياضي. ولعل الملاحظة الجيوبوليتيكية الأخيرة المسجّلة على روسيا تؤكد ذلك، روسيا التي سجّلت لنفسها حضورًا قويًّا في عدد من الأزمات ذات الطبيعة الدولية (جورجيا، أوكرانيا، سوريا…) شهدت حربًا شرسة عليها، بدءًا باتهامها مباشرة من طرف تقرير مستقل للوكالة الدولية لمكافحة المنشطات، بإشرافها على برنامج ممنهج لتعاطي المنشطات في أولمبياد سوتشي الشتوي 2014، وبطولة العالم لألعاب القوى في موسكو 2013، ومنع وزير الرياضة الروسي فيتالي موتكو مع مسؤولي وزارته من حضور الألعاب الأولمبية. فكان قرار اللجنة بأنها ستدرس جميع الخيارات القانونية بين الإقصاء الجماعي لروسيا من الألعاب أو الحق بالعدالة الفردية للرياضيين الروس. مثل هذا الإعلان جاء قبيل انتخابات مجلس الدوما الروسي في 18 سبتمبر 2016، وقبل موعد الانتخابات الرئاسية الروسية عام 2018، وهو ما أثبت إمكانية استخدام أداة رياضية لإضعاف الفرص السياسية لبوتين لعهدة أخرى.

أخيرًا، فعلًا الشعار الذي تتبناه الأولمبياد «عالم جديد» «A New World» «Um Mundo Novo» يمثل القيم والمُثل التي تريد البرازيل إيصالها للعالم، والمتمثلة في الوحدة، واحترام التنوع، وإرادة التغيير. لكنه يمثل وبصورة أقوى المنافسة الشرسة ذات الطبيعة السياسية على هرم القوة العالمي على أرضية رياضية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أولمبياد
عرض التعليقات
تحميل المزيد