091516_1518_1.jpg

وتمامًا كما في القصة، حين أضاءت «لي لي» النور فشاهد ذلك الزاهد مرتعبًا عري روحه وضعفه أمام الشيطان تامًا بلا مواربة، أضاء جورج أورويل النور فشاهدت مرتعبة خوفي مجسدًا في تلك الرواية، خوف فرد حين يواجه سلطة غاشمة أيًا كان نوع تلك السلطة، وينهزم بالنهاية!

إن كان عليك أن تنسى كلمة «مشاعر إنسانية»، إن كنتَ مراقبًا داخل بيتك، داخل عقلك، إن كان حُكم عليك أبدًا بأن تؤمن مرغمًا «ببياض السواد»، إن كان لا مخرج لأن الأقلية دائمًا ما تتكون من فرد واحد ودائمًا ما تُسحق وتختفي من التاريخ ومن السجلات كأن لم تولد أصلًا، وإن كان كل حلمك أن تشعر مجرد شعور بوجود تآمر على الحزب؛ فأنت في زمن الأخ الأكبر.

«إن السلطة ليست وسيلة بل غاية، فالمرء لا يقيم حكمًا استبداديًا لحماية الثورة، وإنما يشعل الثورة لإقامة حكم استبدادي. كلما ازداد الحزب قوة قلت درجة تسامحه، وكلما ضعف معارضو السلطة اشتدت قبضة الاستبداد والطغيان».

بنظرة سوداوية للمستقبل كتب جورج أورويل مستقبل الثورات، حين يغتصب الثورة نظامٌ غاشم تكون السلطة هدفه المطلق وفي سبيل ذلك لا محظورات. يصنع مجتمعًا شموليًا يتحول فيه الشعب لمجرد أرقام، أو لنقل آلات تنسى مشاعرها وقيمها البشرية بل وتنسى حريتها حين تتحول علاقاتها الشخصية إلى مجرد تجسس ومراقبة، يزور فيه الماضي أولًا بأول، يلقى بوثائقه إلى «ثقب الذاكرة» كأن لم يكن، بناءً على هذه القواعد والشعارات التي يتبناها النظام ويزرعها في عقول مواطنيه:

– الأخ الكبير يراقبك.

– الحرب هي السلام.. الحريّة هي العبودية.. الجهل هو القوة.

– من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي.

في عام «1984» – وطبقًا لما كتبه أورويل ينقسم العالم إلى ثلاث دول كبرى فقط هي «أوراسيا» و«إيستاسيا»، و«أوشينيا» التي تدور فيها أحداث الرواية، تتحارب الدول الثلاث باستمرار دون أي انتصار حقيقي لأي منهما، حتى تتحول الحرب لمجرد لعبة إلهائية تؤكد سيطرة الحزب الحاكم.

يحكم «أوشينيا» نظام الأخ الأكبر مثال الحاكم المستبد الذي لا يخطئ أبدًا لا من رجاحة عقل أو معجزة ما، ولكن لأن الماضي حين يزيف باستمرار يوميًا في كل ساعة تصير جميع الأحداث التي يعايشها المجتمع هي من تنبؤ الأخ الأكبر فتتأكد سلطته أكثر وأكثر وتتحقق «عبودية» شعبه له.

«لم يعد هناك مكان آمن سوى بضعة سنتيمترات مكعبة داخل الجمجمة».

من تلك الجمجمة صدرت الصرخة المكتومة التي أصدرها «ونستون» ذو الـ39 عامًا، الذي يعمل موظفًا بإدراة الحقيقة، ويتلخص دوره في المشاركة في عملية تزوير الماضي المستمرة، ومن هنا ينشأ الصراع بين ذاكرته التي تُلح عليه بزمن قديم أكثر حرية من زمن الأخ الأكبر وبين السجلات التي تقدس الأخ الأكبر وتمدح جميع تنبؤاته وقراراته.

يحاول «ونستون» أن يكتب شهادته للمستقبل – وإن كان يجهل ملامحه – مجرد شهادة قد تزرع الشك هنا أو هناك لعل بؤرًا صغيرة من المقاومة تنبثق نتيجة ذلك، يمسك مفكرته ويكتب «لمن أكتب هذه المذكرات؟ أأكتبها للمستقبل؟ أم للأجيال القادمة؟ إلى المستقبل، أو الماضي، إلى الزمن الذي يكون فيه الفكر حرًّا طليقًا، إلى زمن يختلف فيه الأشخاص عن بعضهم البعض ولا يعيش كل منهم في عزلة عن الآخر، إلى زمن تظل الحقيقة فيه قائمة ولا يمكن فيه لأحدٍ أن يمحُوَ ما ينتجه الآخرون. وإليكم من هذا العصر الذي يعيش فيه الناس متناسخين لا يختلف الواحد منهم عن الآخر. من عصر العزلة، عصر الأخ الكبير، من عصر التفكير المزدوج.. تحياتي».

يدرك «ونستون» تمامًا أن ما يكتبه يوقعه في «جريمة الفكر» التي لا تضاهيها في بشاعتها أي جريمة، ولا حتى تلك التجاوزات التي صمم أن يفعلها فقط ليهزم الحزب بداخله، ولكن ما لم يكن يدركه أن قبضة النظام أقوى من ذاكرته التي تواجه بمفردها معركة محسومة النهاية.

ماذا فعلت بي 1984؟

استغرقت مني قراءة تلك الرواية وقتًا أكثر مما يجب – رغم أني كنت أسابق الزمن لأنهيها -؛ لأني كنت «مرتعبة».

إن سُئلت عن أسوأ ما في العالم فسأجيب بلا تردد أنني يؤذيني تحكُّم شخص بآخر وفرض سلطته عليه، تلك السيطرة على البشر التي تُمكن صاحبها من سلبهم إرادتهم، أن يتمكن أحدهم من الدخول لصميم قلبك فيغير مكنونه، ويقتل شيئًا في صدرك فلا يمكنك أبدًا الشفاء من هذا الأثر، ليس هذا وحسب لكن الأقسى من ذلك حين ينسى الشخص الأضعف مصدر الألم ويتعلق بالشخص الأقوى كطفل صغير ينشد الحماية.

«كيف يفرض إنسان سلطته على إنسان آخر يا ونستون؟ فكر وينستون، ثم قال: بأن يجعله يقاسي الألم» رد أوبراين «أصبت فيما تقول، بتعريضه للألم؛ فالطاعة وحدها ليست كافية، وما لم يعانِ الإنسان الألم كيف يمكنك أن تتحقق من أنه ينصاع لإرادتك، لا لإرادته هو؟! إن السلطة هي إذلاله وإنزال الألم به، وهي أيضًا تمزيق العقول البشرية إلى أشلاء، ثم جمعها ثانية وصياغتها في قوالب جديدة من اختيارنا».

في اللحظة التي اكتشفَ فيها أن شرطة الفكر تراقب «ونستون» منذ سبع سنين صُدمتُ جدًا فكأن صرخةً على وشك الإفلات مني، وشعرت بمدى غبائي إذ كيف فكرت في أن فردًا سيتمكن من هزيمة منظومة قوية السيطرة مثل تلك، فما فعله جورج أورويل هنا لا يحتمل، بنى نظامًا استبداديًا بلا ثغرة أي «لا يُهزم».

ثم يُعتقل ونستون داخل وزارة الحب، يدهشني ما يفعله أوبراين ليحتل مخ «ونستون» ويحوله إلى مواطن مثالي محب للأخ الأكبر فقط، ويدهشني أكثر ذلك الضعف الإنساني الذي قد يجعلنا تحت قبضة سلطة تحتل صميم قلبنا، فتصبح حتى المشاعر غير نابعة من الداخل ولكنها موجهة كآلة معدنية باردة.

كان «ونستون» يرى أن حريته تتلخص في الحفاظ على مشاعره، أن يموت وهو يكره الحزب، يخضع له خضوعًا سلبيًا فيخفي تحت مظهر القبول «مهرطقًا»، «إذا استطاع المرء أن يشعر بأن بقاءه إنسانًا هو أمر يستحق التضحية من أجله حتى لو لم يؤد ذلك إلى نتيجة فإنه يكون قد ألحق بهم الهزيمة».

ولكن هذا ما لم يحدث، فحين أُخضع ونستون لألم نفسي أشد من احتماله قرر أن يبيع حبيبته لينجو بنفسه حين هددوه بشيء لا يستطيع مواجهته حينها صرخ «لا تفعلوا ذلك بي، افعلوه بجوليا»، حينها فقط أعطى روحه بكليتها للحزب فقط.

«إن الألم وحده لا يكون علاجًا كافيًا، فهنالك حالات يمكن للإنسان أن يحتمل الألم فيها ولو أدى ذلك إلى الموت. بيد أن هنالك شيئًا لا يمكن لأحدٍ كائنًا من كان أن يتحمله بل لا يمكنه حتى التفكير فيه. إنّه شيء تستوي فيه الشجاعة والجبن إنها نوعٌ من الضغط الذي لا يمكنك احتماله حتّى إذا أردت ذلك وحينئذٍ تجد نفسك تفعل ما يُطلب منك».

إن الفكرة المخيفة التي تؤرقني هي كيف تحافظ على إنسانيتك في عالم ضاغط بكل ما هو لا إنساني، وأن يظل همك النجاة بروحك من تلك القبضة المحكمة، والأكثر إخافة حين يهزم بعضنا البعض وننحط الأضعف فينا ويسيطر عليه ضعفه، فيُمسخ وتتلاشى إنسانيته! «إن كل شيء سيموت داخلك ولن تعود ‏قادرًا على الحب أو ‏الصداقة أو الاستمتاع بالحياة أو الضحك أو ‏حب الاستطلاع أو ‏الشجاعة أو الاستقامة، ستكون أجوف لأننا ‏سنعصرك حتى تصبح ‏خواء من كل شيء ثم نملؤك بذواتنا».

لم أستوعب حقًا أن ونستون وجوليا باعا بعضهما البعض كما قالت الأغنية «تحت شجرة الكستناء ذات الأغصان الوارفة.. بعتك وبعتني». لم أر إلا تلك العملية الحقيرة التي قام بها أوبراين، حين احتل عقل ونستون بمنتهى الخِسة، محطمًا ذلك الإنسان الأخير الذي قال «لا»، الذي آمن بأن الأمل في الكادحين.

حين أنهيت هذه الرواية وبعد أن ذبحتني نهايتها التي كنت أهرب منها بانتظار المعجزة التي لم تتحقق، كان جل ما أردته أن ينعشني هواء قوي يجعلني قادرة على التنفس بعد كل ذلك الإنهاك النفسي، ولكن حتى بعد أن هربتُ إلى حديقة مفتوحة لم أشفَ من الرواية، وحتى هذه اللحظة ما زلت منهكة.

ولهذا أقول لجورج أورويل: «أكان لابد أن تضيء النور، وتواجهني بمخاوفي في ضوءٍ باهر قاسٍ؟!».

أن تدمع عيناك حال قراءة رواية، وأن تجبرك تلك الرواية على معايشة أحداثها حد الخوف، وتنير بداخلك ضوءًا قاهرًا يجعلك مكتئبًا مهمومًا بالبحث عن إجابات لأسئلة طالما أرقتك؛ فإن ذلك منتهى الإبداع!

في النهاية لكل من يهمه أمر حريته  أقول ما قاله «ونستون» لكل نظام وزمان: «الحرية هي قدرتك على أن تقول اثنان واثنان تساوي أربعة».

————————–

  • العنوان مقتبس من عنوان قصة يوسف إدريس: أكان لابد يا لي لي أن تضيئي النور؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

جورج أورويل
عرض التعليقات
تحميل المزيد