بعد رحيل نظام سيئ آن الأوان لشعب الله المختار أن يبحث عن حكومة نزيهة تمثله، عن قائد وعن رجال شرفاء لقيادة دفة السفينة لنشر العدل والمساواة والاشتراكية، ومع نشوة الحرية تجري الشعوب إلى صناديق الاقتراع لانتخاب زعماء الثورة وقاداتها دون أن يعلم المساكين أنهم في طريقهم إلى انتخاب الطاغية والظالم الجديد، فثائر اليوم هو طاغية الغد كما يقول عراب الصحافة والرواية البريطاني جورج أورويل.

لقد تعلم شعب الله المختار الكراهية في مدرسة الأخ الأكبر، فتجاوز بذلك نصرة وطنه إلى مهاجمة الأوطان الأخرى، وتعدى بحب جماعته إلى كره الآخرين. وبما أنّ الديمقراطية تجبرك على الإستماع إلى رأي الحمقى كما يقول برنارد شو، بالإضافة إلى أنّ الغالبية غير مهيئة بعد لممارسة الديمقراطية بالشكل الصحيح، فسوف يشترك هذا الشعب للأسف بجريمة اختيار الشخص الخطأ وصناعة طاغية جديد.

يقول هنا جورج أورويل: إن الشعب الذي ينتخب الفاسدين والانتهازيين والمحتالين والناهبين والخونة، لا يعتبر ضحية، بل شريكًا في الجريمة.

ويحمل ذلك المواطن الأليف سلاحه مرةً أُخرى، إما في سبيل إسقاط نظام فاسد آخر، أو في سبيل محاربة عدو خارجي، مُجَندًا بذلك نفسه لخدمة مشاريع وأجندات كبرى، ليقاتل ويستبسل في سبيل مبادئ وأفكار وشعارات مُصطنعة تسللت إلى عقله بعد عملية غسيل دماغ، ليموت في سبيل أن يحيا بعض المستفيدين والانتهازيين وتجار الحروب واللصوص النتنة. ويضيف هنا جورج: كل الدعايات للحرب، كل ذاك الصراخ والكذب والكراهية، يأتي دائمًا من أناس لا يقاتلون.

قد يبدو هذا الوصف أو هذا السيناريو قاسيًا إلى حدٍ ما، ولكنه ليس أقسى من رواية (مزرعة الحيوان) التي قد قام أبطالها وهم مجموعة من الحيوانات بزعامة اثنين من الخنازير بثورة على صاحب المزرعة الذي كان يستولي على جميع ما تنتجه هذه الحيوانات من خيرات، وبعد نجاح هذه الثورة تستولي الخنازير على إدارة المزرعة بمساندة مجموعة من الكلاب للحراسة، ثم تتحول إلى استغلال باقي الحيوانات بشكل تدريجي حتى تختتم الرواية أحداثها بمشهد يصعب التمييز فيه بين الخنزير والإنسان التي كانت الثورة قد قامت ضده.
جلبت هذا الرواية لأورويل إشادة كبيرة ومكافآت مالية وشهرة واسعة وصُنفت من روائع الأدب السياسي، كما اختارتها مجلة تايم كواحدة من أفضل مئة رواية بالإنجليزية (منذ 1923 حتى تلك السنة، 2005). إضافة إلى حصولها على العديد من الجوائز الأخرى.

بعد ثلاث سنوات على (مزرعة الحيوان) قدم أورويل رائعته الأخرى (1984) أعطى فيها القراء لمحة عما يمكن أن يحدث إذا كانت الحكومة تسيطر على كل التفاصيل في حياة المواطن وصولًا إلى أفكاره الخاصة.

حيث تروي هذه الرواية بسطورها قصة إحباط وقهر الكائن البشري وتحويله إلى مجرد دمية أو جهاز حاسوب قابل للبرمجة حتى يؤمن ويصدق بأية أفكار تُوضع وتُجهز له حتى وإن خالفت المنطق والواقع.

كان تلاعبه بالألفاظ والتعابير والمسميات في هذه الرواية ضربة للإعلام المُضلل الذي يسمي الأسماء بغير مسمياتها، فهو إعلام تُسيره الحكومة بحسب مصلحتها وكيفما تشاء، ففي تلك الدولة التي تجري بها أحداث هذه الرواية كانت وزارة الحقيقة مسؤولة عن تلفيق الإحصائيات وتزوير الوقائع التاريخية، وكان يطلق على الجيش فيها اسم وزارة السلام، ومعسكرات العمل والأشغال الشاقة كانت تحت اسم معسكرات المرح والسعادة، بينما كان السجناء السياسيين والمعارضين يُسجنون ويُعذبون بما يسمى وزارة الحب.

إنّ السيطرة المطلقة على الإعلام ووسائله، تسمح للحزب الحاكم بتزييف الواقع بشكل مستمر لتناسب غاياته في السيطرة التامة على المجتمع وتفكيره. وتترافق هذه الهيمنة الإعلامية مع تغيير وتلاعب لغوي وصناعة مصطلحات وأسماء مخالفة للواقع وبالتالي يتحقق الهدف الأهم وهو إزالة فكرة الثورة من العقول أصلًا، ولرصد هذه الظاهرة يمكن مشاهدة الأخبار على قناتين تلفزيونيتين لبلدين عدوين أو جهتين سياسيتين متخالفتين حيث الأخبار واحدة، ولكن المصطلحات والتسميات مختلفة.

إن ما يميز أورويل هو إدراكه العالي لحقيقة أنّ الإنسان هو أخو الإنسان دائمًا بغض النظر عن اختلاف الزمان والمكان، فهذه الحدود والقبليات والتقسيمات الدينية والسياسية وعلى اختلاف أنواعها ما هي إلا صنيعة بشرية نشأت وتطورت عبر الزمن، وهذا ما وصفه جورج بـ(الوطنية البدائية) أي أنّها تعصب غير واعي لانتماءات لا يد للإنسان بها، حيث يقول: إذا لم يكن من المرغوب فيه أن يكون لدى عامة الشعب وعي سياسي قوي، فكل ما هو مطلوب منهم هو وطنية بدائية يمكن اللجوء إليها حينما يستلزم الأمر.

تمكن جورج من إيصال أفكاره وفلسفته السياسية إلى العالم من خلال مجموعة رائعة من الروايات، فأضاف بذلك إلى المكتبة الإنسانية باقة من أجمل الكتب ومنها: أيام بورما – ابنة القسيس – الخروج إلى المُتَنفس – الانحطاط والتشرد في باريس ولندن – الطريق إلى رصيف ويجان – الحنين إلى كاتالونيا.
ليُنصب بذلك أورويل نفسه عرابًا للصحافة والرواية وللأدب السياسي بقلمه الجريء ومصطلحاته التي دخلت الثقافة الشعبية مثل (الأخ الأكبر، التفكير المزدوج، الحرب الباردة، جريمة الفكر وشرطة الفكر) لتعبر الكلمات حدود الزمان والمكان وتسكن في ذاكرة الأجيال في هذا العالم المجنون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد