في الجزء السابق من هذا المقال عرضت لكم بعضًا من عناصر رواية جورج أورويل ذائعة الصيت “1984”. عن وزارات “حب” و” سلام” وعن حكومة لا تخبرك إلا “الحقيقة”. – إن لم تقرأ المقال السابق فالمقصد هنا ساخر وتهكمي بالطبع! لا يوجد حكومة “وديعة” بهذا الشكل حتى في الروايات، توقف عن هذا التفكير الطفولي! – . اليوم ننتقل خطوة للوراء والشقيقة الكبرى والأكثر شهرة ربما في أوساط محبي أعمال أورويل وهي “مزرعة الحيوان Animal Farm”.

 

أورويل كان ما يحب أن يطلق عليه البعض Democratic Socialism أي ديمقراطي الهوى سياسياً، اشتراكي النزعة اقتصادياً – وماله مش عيب – كأبناء جيله شاهد نجاح الثورة البلشفية بروسيا ومن ثم عوقب وكل من آمن بها بمتابعة تحولها على الهواء مباشرةً لديكتاتورية وسمت باسم طاغيها الأكبر جوزيف ستالين. أورويل منذ هذا التحول وهو لا يطيق هذا الطاغية. وكأديب لا يملك سوى قلمه كتب أورويل “مزرعة الحيوان” كقصة تهكمية ضد ستالين كما ذكر في رسالته لإيفون دافيد مترجمة كتاباته للفرنسية وصديقة مقربة له. كما أن الرجل صرح في مقال له بعنوان “لماذا أكتب Why I Write” بأن القصة هي أول محاولة واعية ومتعمدة من قبله لدمج عوالم السياسة بالأدب.

القصة تبدأ بأن يجمع الخنزير ميجُر العجوز حيوانات المزرعة ليخبرهم برأيه في البشر أنهم مجرد طفيليات، يعلم ميجُر الحيوانات أغنية ثورية الطابع اسمها Beasts of England حيث تخبر الأغنية فلسفة الخنزير الحكيم في أنه يومًا ما سنتخلص من البشر الطغاة وسنعيش كل الحيوانات في ربوع إنجلترا أحرارًا متساوين. الأنشودة التي ستتحول لنشيد الثورة لاحقاً كانت إرث ميجُر الحقيقي فالعجوز يموت في بداية الرواية. تأثراً بتعاليم الفقيد يقرر خنزيران شابان “سنوبول” و “نابوليون” قيادة الحيوانات في ثورة ضد صاحب المزرعة السكير السيد جونز وتنجح الحيوانات في طرد الرجل الطاغية وفي إقامة المزرعة المستقلة التي أطلقوا عليها اسم “مزرعة الحيوان”.

 

لنجاح الثورة تقرر الحيوانات إقامة فلسفة/دستور يكون به إدارة المزرعة وهو ما أطلقوا عليه Animalism وتقوم على 7 وصايا هي باختصار: كل ما يمشي على اثنتين هو عدو – كل ما يمشي على أربع أو بجناحين هو صديق حليف – لن يرتدي أي حيوان أي ملابس – لن ينام أي حيوان في أي سرير – لن يشرب أي حيوان الكحول – لن يقتل أي حيوان حيوانًا آخر، وأخيراً أهم مبدأ وهو أن: كل الحيوانات سواسية.

 

سنوبول يعلم الحيوانات القراءة والكتابة، و نابوليون يعلم الجراء الصغار عن وصايا المزرعة السبع ويقوم بتدريبهم. الحياة تزدهر والمزرعة تدار بسلاسة وفي ظل وفرة في الغذاء للكل. الكل يعمل بجد في المزرعة والأهم أنهم يعملون عن طيب خاطر مؤمنين أن ذلك للصالح العام وفي سبيل تحقيق الازدهار للمزرعة. سنوبول لا يحكم فعلياً بل يقود اجتماعات لعموم أهل المزرعة حيث تناقش الاقتراحات والواجبات ويتم اتخاذ القرارات. هو أيضاً يسعى لنشر أفكار المزرعة الثورية للمزارع الأخرى ويسعى لبناء طاحونة لتحقيق المزيد من العيش الرغد لأهل المزرعة. بينما نابوليون يعتقد أن الخنازير هي الأولى بحكم المزرعة وبامتيازات أكبر وطعام أكثر فهي من قادت الثورة على السيد جونز! يبدأ نابوليون بانتقاد سنوبول في العلن والتتفيه من اقتراحاته. يهاجم فكرة الطاحونة ويصف أن هذه التحسينات في المزرعة خطوات مرتبة لعودة السيد جونز الكريه! ثم يقوم بضربته ويسّلط كلابه على سنوبول لطرده من المزرعة.

 

نابوليون يحكم ولا يقود. يلغي الاجتماعات ويقول أنه لا داعيَ لها. اتركوا لنا الأمر سأكون لجنة من الخنازير تتخذ بالنيابة عنكم القرارات. الخنازير وحدها تجيد القراءة؛ عليه نحن أولى بالقيادة. تابعه اللئيم سكويلر يعمل كوزير إعلام له. إن بدأت الحيوانات بالمجادلة يسارع القصير سكويلر بالمشاركة والمجادلة بمصطلحات وكلمات معقدة تربك الحيوانات البسيطة وتجعل بعضها يظن أن لغة سكويلر دليل لقوة حجته! إن حصل في مرة أن استمرت الحيوانات في المجادلة وحاصرت سكويلر بالأسئلة فلا داعي للقلق. سيذكرهم بجونز الكريه ويخبرهم أن استمرار نابوليون في حكمه هو ما يحميهم من هذا الكابوس القديم. ولتحقيق الأمر والأمن للجميع علينا أن نميز الخنازير عن باقي الحيوانات فهي تستحق التقدير وهذا الاختلاف.

نابوليون يجمع الحيوانات ويخبرهم بأنه قرر تنفيذ فكرة عبقرية لصالح المزرعة: سنبني طاحونة! – ماعرفتكش أنا كده!! – سعياً لأحلام حياة أفضل تعمل الحيوانات بكل جد لإتمام الطاحونة. وفي يوم تدمر عاصفة قوية الطاحونة. نابوليون يخبرهم أرأيتم! إنه من فعل سنوبول الحقير! إنه يسعى لتخريب أحلامكم وحياتكم. بهذه الحجة نابوليون يبدأ عهدًا جديدًا للإرهاب والقمع. كل شيء مبرر من أجل حماية المزرعة من سنوبول وكل من يشاركه آراءه الهدامة! لنغير كل ما يمكن أن يذكر بهذه الحقبة المشينة وهذه الأفكار الهدامة. اعدموا هذه الخنازير الأربعة التي تذكر الحيوانات بتلك الأفكار الهدامة ويتذمرون من حكمي! مينيمس أيها الخنزير الرفيق والشاعر الجميل اكتب لي أنشودة جديدة غير هذه الهرطقة Beasts of England اكتب ما يذكر هذه الحيوانات التعسة بفضلي ومجدي وحاجتهم لي!

 

نابوليون يعيش هو ومن معه أسلوب حياة مشابهًا للبشر! لا مانع من النوم في أسرة ومن الجميل شرب الكحول! حتى أنه ليتميز عن غيره بدأ في المشي على قدميه الخلفيتين! بعض الحيوانات تسأل أليس هذا مخالفًا لوصايانا السبع؟ لا تقلقوا، نابليون يقرر ومن معه تغيير بعض الوصايا لتتماشى مع التطور في المزرعة: لن ينام أي حيوان في أي سرير عليه ملاءات وشراشف!– لن يشرب أي حيوان الكحول لحد السكر! – لن يقتل أي حيوان حيوانًا آخر دون سبب منطقي!! بشكل ما الحيوانات تقبل بالوضع فكل شيء أفضل من العودة لأيام جونز السكير. بشكل ما الحيوانات تنسى أن الخنازير تمشي على اثنتين فهي أعداء! تنسى أن بهذا التمييز فإن الحيوانات ليست كلها سواسية!! لازال الأمر لهم أفضل بشكل ما من العودة لأيام جونز القاسي.

 

تمر الأعوام في المزرعة. ومع مرورها يزداد تجبر الخنازير وطغيانهم. ويزدادون تشبهاً بالبشر! صاروا يلبسون الثياب. قرروا حمل السياط! نابوليون يستولي على خيرات المزرعة له ومن معه! يتاجر مع البشر بمنتجات المزرعة ويبادلهم إياها بمكاسب تحقق شهواته. جرار من المربى الشهية التي يحبها. ملابس أكثر أناقة. حتى أنه باع الحصان القوي العامل الكادح بُكسر حينما أصيب في معركة الطاحونة عند هجوم صاحب المزرعة المجاور عليهم! باعه ليحصل على زجاجة من الويسكي المعتق! ماذا عن الوصايا السبع؟ لا داعي لها اليوم. سنكتفي بواحد في مزرعتنا: “كل الحيوانات سواسية، إلا أن بعض الحيوانات أكثر مساواة من بعضها الآخر!!”

 

يجتمع نابليون وخنازيره المقربون في عشاء عمل مع البشر. احتفالاً بحلفهم الجديد. تراقبهم الحيوانات من الخارج. مدركين حقيقة مريرة صدمتهم بكل قوة، هي أنهم لم يعد باستطاعتهم أن يفرقوا بأعينهم بين الخنازير وبين البشر!

 

الرواية مصممة تحديداً كإسقاط على الحالة التي وصلت إليها الثورة البلشفية. أورويل الاشتراكي النجيب الساخط على خيانة ستالين لمبادئ الثورة الأولى. قراءة تاريخية للثورة البلشفية وتاريخ روسيا حتى الحقبة الستالينية تجعلك تسلط الضوء على العشرات من الإسقاطات والإشارات الخفية. السيد جونز هو نيقولاي الثاني ملك روسيا أو ربما هو تمثيل للأوتوقراطية الرأسمالية. بُكسر هو البوليتاريا والطبقة العاملة الحمقاء التي تنسى أنها الأقوى والأكثر كدحاً ودائماً ما تردد كبُكسر الجاهل بأن “نابوليون دائماً على حق”!

 

لماذا تدور الأحداث في مزرعة؟ يحكي أورويل مرة كيف أنه شاهد في مرة صبيًا صغيرًا يقود عربة بحصان ضخم. وكلما حاول الحصان الحركة في اتجاه من اختياره عاجله الصبي بضربة من سوطه فيأتمر الحصان بأمره. فكر أورويل وقتها إنه من المرعب فعلاً أن نتخيل ما يمكن أن يحدث إن اكتشفت الحيوانات مقدار قوتها وأنه بمعايير القوة فإنه لا سلطان لنا كبشر عليها! مثل الأمر كما يراه الكاتب من حال الطبقة العاملة والشعب المسكين الذين لا يدركون بشكل ما قوتهم الحقيقية وأنه من المستحيل أن يستغلهم أحدهم إن هم أدركوا حجم قوتهم وما لهم من حقوق.

 

في هذه الرواية أورويل ليس كابوسي النزعة. أورويل ليس ضد الثورة ولا يدعي أن نهاية أي ثورة هو استبداد وطغيان جديد! هو يوجه فقط نداء استيقاظٍ لنا. نوع من “لو مشربتش اللبن حاتبقى زي عمو الجرسون” إن اقتضى التوضيح. هي قصة بعبرة. دعوة لثورة سليمة وصحيحة. ثورة واعية لما لها وما عليها. ثورة لا تنسى أصولها ودوافعها وتعي ما يهددها حقيقة لا مجازاً. جورج أورويل قام باستخدام شخوص خيالية طفولية لخنازير تجيد القراءة وتنظم الشعر ومزارع يتاجر مع الحيوانات وحمار يساعد صديقه الحصان الجريح وجعل مسرح أحداث به قدر من سخافة الأطفال وبساطتهم خلفية نقل عبقرية لواقع مرير وفلسفة سياسية كاملة!

هي من القصص التي تتصور قبل قراءتها أنك تعرف كل شيء وأن كل الحقائق والوقائع من حولك في وضوح قطع الكريستال. وحينما تفرغ منها تكتشف مدى صعوبتها، تماماً كواقعنا! وأن الرؤية من حولك ليست حتى ضبابية وإنما طينية! أحيانا يكون قدر ملائم وذكي من التشوش وغياب الرؤية هو ما تحتاجه لتدقق النظر وتختار النهاية الصحيحة لطريقك. أحيانا اعتقادك الخائب بوضوح الرؤية وسلامتها و أنك على الطريق الصحيح هي ما سيجعلك سائراً إلى هلاكك وضياع أحلامك. كان الأمر أمراً شخصيًا أو كان حكاية ثورية بدأت بأحلام سعيدة وانتهت لحاضر كابوسي مرير.

 

في الجزء القادم والأخير لهذا المقال سأتوقف عن لعب دور الحكاواتي وسنبحث معاً عن جورج أورويل في مصر. صدقني هو هنا وعلاماته من روايتيه أقرب إلينا مما نعتقد. سنستعرض وقائع من حياتنا أكثر سخفاً من خنازير تجيد القيادة وتعاقر الخمر وأكثر إرعاباً من مبنى بلا نوافذ أو “أخ أكبر” يراقب ويرصد كل أفكارك.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد