منذ أيام طالعت خبر عن إلقاء الأمن المصري القبض على طالب في محيط جامعة القاهرة. بشكل ما يمكن اعتبار الخبر اعتيادي كواحد من المئات من حالات القبض والضبط والحجز التي يتعرض لها طلاب ومواطنون في ظل ما تشهده مصر من نشاط أمني لمواجهة قوى الإرهاب وحماية أمن المواطن البسيط (تذكر أن تربط هذه المقدمة الركيكة مع نهاية المقالة).

 

ما لفت الانتباه وأثار اللغط في هذه الحادثة تحديدًا هو أن الخبر تناقل أن من بين الكتب التي كان يحملها الطالب ما تم تحويله لحرز أي دليل مادي ضد الطالب كسند لتهمة ما رائعة الكاتب الإنجليزي جورج أورويل “1984”!! تمكنت بقدر من الصعوبة من أن أغلق فمي بعد أن سقط فكي من التعجب من هذا الخبر. بعد تاريخ الخبر بيوم تم الحديث عن أن الطالب اعتقل لأنه كان يصور قوات الأمن بالجامعة وبعدها بيومين نشرت الصحف أنه تم الإفراج عنه لأنه تم إثبات أنه “كان يصور نفسه”!!

 

لسبب ما خطر لي مدى المفارقة الساخرة أن مصر اليوم تستحضر وبتمصير وبمذاق شعبي خاص أحداث هذه الرواية وأختها الكبرى أيضًا لنفس الكاتب العبقري وأقصد “مزرعة الحيوان Animal Farm”.

 

الرواية موضوع الخبر المذكور وهي “1984” تنتمي أدبيًّا لعوالم الديستوبيا Dystopia الخيالية وتعني الأدب القصصي القائم في إطار عالم فاسد مرعب كابوسي في واقعه وقواعده وأحكامه، وهي عكس اليوتوبيا Utopia أو المدينة الفاضلة. تحكي الرواية باختصار مخلٍ للغاية عن عالم مقسم بين ثلاث قوى عظمى إحداهن هي دولة أوسينيا التي يعيش بها بطل الرواية.

 

يحكم الدولة حزب قوي يمثل في صورة حاكمه الغامض الملقب بـ “الأخ الأكبر Big Brother” ويمارس – لا خطأ لغوي هنا –هذا الحزب حكمه بأدوات رئيسة أهمها الرقابة المستمرة على الجميع والتي تقوم بها “شرطة الفكر” للبحث والتعامل مع أي خطر يهدد الدولة ولو بمجرد التفكير في أمر قد يمثل مستقبلاً تحديًا للدولة وما تضعه من قواعد وحقائق، تلك الحقائق والقواعد التي تصنعها وتقوم عليها أربع وزارات لحكومة الحزب لها أسماء على غير حقيقتها بالطبع. لدواعي المقال العبثي الذي تقرأوه هنا، أيها القارئ التعس دعنا نستعرض هذه الوزارات سريعًا:

 

– “وزارة السلام” والتي تعني بأمور الدفاع والعسكرية في الدولة. هي أهم وزارة في دولة أوسينيا، فهي أساس شرعيتها وقوتها. الدولة دائمًا في حالة حرب وتربص من قبل جيرانها: أوراسيا وإستاسيا. نحن دائمًا وأبدًا في حالة حرب بالرغم من أن الحرب لا تقوم أبدًا، فقوة الدولة يكمن سرها في إبقاء حالة احتمالية الحرب وعدم إمكانية السلام. ولأننا – في أوسينيا– دائمًا في حالة حرب فإن وزارة السلام يجب أن تستغل كل موارد الدولة من أجل حمايتك أيها المواطن من هذا الخطر الخارجي الداهم. من أجل هذا لا حرج من تقشف الشعب من أجل توفير الموارد لوزارة السلام. للوزارة قناتها الخاصة في تلفزيون الدولة إن جاز التعبير، ودائمًا ما تنقل الانتصارات الدائمة والمستمرة لقوات وزارة “السلام” في كل مكان.

 

“26 يونيو 2014 العربية.نت: استجابة لمبادرة السيسي بصندوق “تحيا مصر”.. الجيش المصري يتبرع بمليار جنيه دعمًا لمصر”.
“26 يوليو 2014 المصري اليوم: الرقابة المالية: الهيئة لم تتلق أي طلبات لتأسيس صندوق استثمار تحيا مصر”.
“20 أغسطس 2014 المصري اليوم: وزيرالخارجية: الجيش المصري قادر على حماية الحدود”.
“5 سبتمبر 2013 المصري اليوم: مسلحون يهاجمون كمين «الريسة» بالعريش للمرة 48 منذ ثورة يناير”.

 

– “وزارة الوفرة” والتي تعنى بالاقتصاد في الدولة. بالطبع الاسم مناقض للحقيقة؛ فحقيقة الوزارة لا تحقيق “الوفرة” وإنما إدارة حالة من “الفقر المستمر” لشعبها. فالوزارة مهمتها الأساسية الاستحواذ على كل وسائل الإنتاج في الدولة وتوجيه كل مواردها لدعم وزارة السلام وحزب الدولة! إضافة لذلك فإنه وفقًا لما يراه “الأخ الأكبر” فإن السيطرة على شعب “فقير” يعيش بكفاف لقمة عيشه أسهل بكثير من محاولة السيطرة على شعب يتمتع “بثرواته” وقادر على المطالبة بغير لقمة العيش كالتعليم والصحة والحرية.

 

إضافة لعملها هذا وما تبثه من إحصاءات مغلوطة بقصد عن حالة اقتصاد الدولة، فإن الوزارة تقوم برعاية يانصيب شعبي يقوم فيه المواطن بشراء تذاكره بما يتوافر له من أموال قليلة توهمًا وأملاً في الجائزة الكبرى وغير الموجودة بالطبع!

 

“مانشيت الأهرام الرئيسي بتاريخ 25 أكتوبر 2013 الحكومة: مؤشرات إيجابية على تحسن الاقتصاد المصري – السطر التالي في نفس الجريدة في نفس اليوم كمانشيت فرعي البنك المركزي: ارتفاع تاريخي لديون مصر إلى 1.8 ترليون جنيه”.
“12 سبتمبر 2014 بي بي سي العربية: حصيلة بيع شهادات استثمار قناة السويس: تتجاوزالتوقعات وتصل إلى 64 مليار جنيه”.
“4 نوفمبر 2014 الجزيرة مباشر مصر: إلغاء الضرائب المتأخرة على ساويرس والبالغة 7.1 مليار جنيه”.
“8 نوفمبر 2014 اليوم السابع: ناصف ساويرس: نتبرع بـ2.5 مليار جنيه الخاصة بـ”الضرائب” لصندوق تحيا مصر”.

 

– “وزارة الحب” والتي تعنى بالأمن الداخلي للدولة. الوزارة لديها جهاز أمني كبير ومتعدد الأفرع وإن كان أهمها طبعًا “شرطة الفكر” التي أشرنا إليها. هي الوزارة الأقوى لأنها تقوم بالتحكم في إرادة الشعب وفقًا لسياسات الحزب وعن طريق القمع والترهيب والتعذيب وغسيل المخ سواء فعليًّا وحرفيًّا أو عن طريق مجرد الإرهاب والتخويف من مجرد التفكير في معاداة الدولة أو مخالفتها.

 

شرطة الفكر ووزارة الحب لا تكتفي بالرقابة على الناس وإنما تحول المواطنين لمواطنين “شرفاء” يمارسون بحماس أو بإكراه رقابة شعبية على جيرانهم وعائلاتهم وأصحابهم! مبنى الوزارة ضخم ومرعب وبلا نوافذ. مجرد التفكير في زيارته كفيل بإثارة الفعل المطلوب في قلوب المواطنين. وزارة “الحب” عملت بكل الوسائل من أجل فرض الحب تجاه الأخ الأكبر. أشير هنا أن هذا هو الحب الوحيد المقبول والمسموح به في أوسينيا أصلاً.

 

“9 نوفمبر 2014 جريدة الوطن: الشرطة تعذب طالب ثانوي داخل قسم الدقي لرفضه الإهانة”.
“11 نوفمبر 2014 مدى مصر: بسبب (حوار سياسي على المقهى) وببلاغ من سيدة: الشرطة تحتجز مدير تحرير «لوموند ديبلوماتيك» لساعتين”.
“الناشط السياسي حازم عبد العظيم على تويتر: ألم يحن الوقت أن يبلغ كل مواطن مصري عن جاره الإخواني الذي يعلم أنه يشارك في المظاهرات؟”.

 

– “وزارة الحقيقة” وتعنى في الحقيقة بتزييف الواقع والتاريخ بصنع تاريخ بديل أو إقامة واقع لحاضر جديد مفصل على هوى الأخ الأكبر وحزبه الحاكم. على أبواب الوزارة نجد شعار الحزب الرئيس بأن “الحرب هي السلام، والحرية هي العبودية، والجهل هو القوة”. تقوم الوزارة بالإشراف على الأخبار والإعلام وحتى الكتب المدرسية. لتوضيح دور الوزارة لنفترض أن الأخ الأكبر قد توقع نجاح مشروع ما. إن حدث أن فشل هذا المشروع فلا يوجب أن يجد المواطن فرصة لمعرفة أن قائده عبارة عن حمار ونطع لا يفهم. لا ستقوم الوزارة بتغيير كل ما يشير إلى هذا التوقع ليصبح الأخ الأكبر قد توقع فشل هذا المشروع من البداية! بالتالي فالأخ الأكبر لا يخطأ ورؤيته وتوقعاته وخيالاته نبؤات صادقة دائمًا ما تصيب!

 

مثال آخر إن قرر الحزب أن عدو الأمس هو حليف اليوم وحليف الأمس هو عدو اليوم. فالوزارة ستقوم بالمطلوب لأن يصبح التاريخ المقروء والمكتوب والمنقول والمسموع لا يذكر إلا أن الحليف الجديد كان دائمًا حليفًا وأن العدو الجديد هو عدونا من قديم الأزل! الوزارة أيضًا مسؤولة عن إتاحة نوع واحد من الإعلام الترفيهي التافه والقائم على الشهوة والسطحية لمواطنيه. وتقوم بإبراز نجاحات وتفوق ولو غير حقيقي للدولة على أنه أمر ثابت وقاطع.

 

“22 فبراير 2014 فرانس 24: القوات المسلحة المصرية تعقد مؤتمرًا صحفيًّا بحضور عدلي منصور رئيس الجمهورية المؤقت والمشير عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع للإعلان على العالم أن علماء الجيش المصري توصلوا إلى اختراع جهاز يدعى (كومبليت كيورينغ ديفايس – جهاز العلاج الكامل) وهو اختراع يساعد في العلاج الشامل لكل من فيروسي الإيدز والكبدي الوبائي سي”.
“3 سبتمبر 2014 العربية نت: إيقاف عرض برنامج “الراقصة” على قناة القاهرة والناس تضامنًا مع حادث إرهابي راح ضحيته أحد عشر جنديًّا”.
“2 يونيو 2014 موقع DW الألماني: باسم يوسف يعلن توقف “البرنامج” بسبب الضغوط”.

 

كل هذه الوزارات حقيقة خلت الرواية على ما أذكر من الإشارة لأي وزير يرأسها. الأمر المقصود لأن القائد الواحد الأوحد هو “الأخ الأكبر” وغيره من المسؤولين هم مجرد شخوص غير مسؤولة تقوم بتنفيذ الأوامر فقط لا غير. وهو بذاته – أي “الأخ الأكبر”– كيان غامض لم يشير أورويل أنه شخص حقيقي وإنما هو شخصية مصطنعة من قبيل الحزب في محاولة لتجسيد الدولة في شخص ما يتبعه الناس رهبة أو حبًّا لا فارق.

 

في هذا الجزء من المقالة عرضت بعض عناصر الرواية لمن لم يقرؤها حتى يمكنني لاحقًا الوصول إلى ما أبغي من إشارة واستنباط واستشهاد إن كان هنالك مثل هذا الأمر. لكن هذا أتركه للمقال التالي وإن كان بإمكاني المراهنة أني قد تركت للقارئ “الفهلوي” الكثير والكثير من الخيوط والإشارات لما أعتقد إني أرغب في الإشارة إليه.

“إننا ندرك أنه ما من أحد يمسك بزمام السلطة وهو ينتوي التخلي عنها، إن السلطة ليست وسيلة بل غاية، فالمرء لا يقيم حكمًا استبداديًّا لحماية الثورة، وإنما يشعل الثورة لإقامة حكم استبدادي، إن الهدف من ااأضطهاد هو الاضطهاد, والهدف من التعذيب هو التعذيب وغاية السلطة هي السلطة, هل بدأت تفهم ما أقول الآن؟”من رواية “1984” لجورج أورويل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد