يمكن للقاري العربي المعاصر أن يُدرج المفكر السوري والناقد والمترجم العربي الكبير جورج طرابيشي ضمن قائمة الوُجوه الأكثر تأثيرًا في الحياة الثقافية العربية الراهنة، مثال عبد الله عروي، محمد أركون، محمد الجابري، كما يحق له أن يضفي عليه صفة الباحث والمدقق النابه لمشروع الجابري الضخم (نقد العقل العربي) الذي خصص لمناقشته ربع قرن من رصيد عمره الباهظ، حتى أصبح اسمه قرينًا بالجابري، حتى شبه البعض هذه المناقشة بمناظرة الغزالي في المشرق مع ابن رشد في المغرب. وبعد ما رد على الجابري من خلال إعادة قراءة التراث العربي الإسلامي، وخاض سجالات إشكاليةً عديدةً، قد اعترف للجابري في كتاباته وأنزله منزلة الأب (المومثل) وإن كان طرابيشي يصغر زميله في الدراسة بأربع سنوات.

مولفاته: كان له مولفات علمية قيمة مثل معجم الفلاسفة (ومن النهضة إلى الردة) و(هرطقات الأول والثاني) كلها توقفه في صفوف العلماء الكبار بالوطن العربي، و على الرغم من تعدد إنتاجه النقدي والفكري والتحليلي وترجمته لأعلام الفكر الفلسفي فرويد وسارتر وسيمون دي بفوار اشتهر طرابيشي بكونه مكتشفًا حقيقيًا للخلل المنهجي الواقع في أبحاث الجابري المتعلقة بمشروعه الفكري (تكوين العقل العربي) فأصدر تحليلاته العلمية (نقد نقد العقل العربي) في خمس مجلدات كان آخرها الجزء الخامس (من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث) (دارالساقي، بيروت، 2010)، وقد بلغت ترجماته ما يزيد عن 200 كتاب في الفلسفة والايديولوجيا والتحليل النفسي والرواية.

الولادة: ولد جورج طرابيشي في أسرة مسيحية سورية عادية بمدينة حلب عام 1939 من الميلاد، كان يحمل الإجازة في اللغة العربية، والماجيستر في التربية من جامعة دمشق، عمل مديرًا في إذاعة دمشق 1963 – 1964، ورئيسًا لتحرير مجلة (دراسات عربية) 1972 – 1984، ومحررًا رئيسًا لمجلة الوحدة 1984 – 1989، أقام فترة في لبنان، وقد غادره إلى فرنسا وتفرغ للكتابة، وظل في فرنسا حتى تاريخ رحيله.

طرابيشي والدراسات الإسلامية: كان للراحل الفيلسوف علاقة وطيدة بدراسات الإسلام دينًا وتاريخًا وحضارةً وثقافةً إلى حد أن القارئ عند قراءة كتاباته ومقالاته عن الإسلام لا يعرف أنه كان مسيحيًا، وأن اسمه جورج، ويكفي دليلًا على إلمامه بالتاريخ الإسلامي أنه لم يترك أية حادثة تاريخية موثرة إلا ودرسها بعمق قلبه بدءً من خلافات المسلمين الُاولى، ومرورًا بحروبهم الداخلية كصفين والجمل والنهروان، وانتهاءً بمقتل الحسين، ولا تفوته قراءة الخلافات، ليس بين السنة والشيعة فقط، بل حتى بين أتباع المذهب الواحد. وقد دفعه الرد على الجابري إلى التعمق في المعرفة الإسلامية التراثية والمسيحية؛ فكتب (مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام) 1998، و(مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة) 1993، و(المعجزة أو سبات العقل في الإسلام) 2008، (من النهضة إلى الردة). (تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة) 2000.

تحولاته الفكرية: كان طرابيشي من الشخصيات العربية الهامة، عرف مسؤوليته تجاه المجتمع، لذا فهو لا يكل ولا يمل، بل يتواصل بالبحث في الماضي عن المستقبل، لا يعرف الراحة في حياته، ظل يذهب من حقل إلى آخر، ومن تيار إلى آخر، من القومية إلى الماركسية إلى الليبرالية، ومن الثورية إلى الوجودية، بما فيه القوة، والضعف، والصلابة، والتهشم، المنشط والمكره، وذلك للبحث عن الحقائق التي تخرج الأمة المتكسلة من أزمة فكرية. وفي الأخير انتهي إلى تبني نزعة نقدية جذرية يرى أنها الموقف الوحيد الذي يصدر عنه المفكر.

جورج طرابيشي والتحليل النفسي: عند التحدث عنه لا يفوتني القول عامةً: بأنه كان النموذج الأكمل والأبرز للناقد العربي، حيث التزم بمنهج التحليل النفسي، وهذا ما يتجلى في كثير من كتبه العربية ذات المواضيع العديدة: مثل: (لعبة الحلم والواقع ودراسة في أدب توفيق الحكيم) 1972 ، الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية) (1983)، (رمزية المرأة في الرواية العربية) 1981، (عقدة أوديب في الروايات العربية) 1982، (الرجولة وأيدلوجية الرجولة في الرواية العربية) 1983، (التي ضد الأنوثة: دراسة في أدب نوال السعداوي على ضوء التحليل النفسي) 1983، و(الروائي وبطله: مقاربة اللاشعور في الرواية العربية) 1995.

رحلته إلى الأخرة: في مساء الأربعاء 16 مارس (آذار) 2016. توشحت الثقافة العربية بثياب الحداد على رحيل هذا المفكر العقلاني المتنور، حيث انطفاء نور عمل في تحريك المياه الراكدة في الثقافة العربية – الإسلامية، وهو بدوره خسارة عظمى للفكر العربي الحر، ومنبر الإعلامي العربي المتنور. وعلى أي حال! سيظل اسمه علامة مضيئة في تاريخ النضال الفكري والثقافي في مجالات النقد الأدبي والترجمة وفحص مكنونات التراث الإسلامي نقدًا ونقضًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد