قد يختلف البعض على سيرة هذا الرجل الأبيض الذي قاد مجموعة مختلطة الألوان من البشر مختلطة العقائد والفكر، هل كان ماسونيًًا مسيحيًّا، أم علمانيًّا صرفًا، أم غير ذلك من المذاهب والأفكار؟ الجواب أنه كان إنسانًا بمعنى الكلمة، آمن بالإنسان وأن له حق الحياة، وفي هذا تشابه كبير مما يطالب به الإسلام، قد نزعم أن هذا الرجل لو تعرف إلى الإسلام من منبعه الصحيح لكان جنديًّا له، ولقاتل من أجله، لأن سيرته هي القتال من أجل تحرر الإنسان.

القتال ليتحرر المواطن الأمريكي من سلطة الملكية، باتخاذه خادمًا للملك ونظامه. شبيه في إدارته سواء كان ربح معركة أو خسرها بكل القادة السابقين له، فجورج واشنطن لم يبتدع خطة عسكرية مَا لم تُسْتحدث من قبله من قبل قادة عسكريين فأدت إلى استسلام الملك الإنجليزي جورج الثالث واعترافه بأمريكا دولة مستقلة، بل الإبداع كان في إصراره المستميت على مبادئه وتطبيقها على نفسه أولًا، يندر وجود قادة عسكريين نادوا بالخروج على ظلم ديكتاتورية حكم، فأزالوها وطبقوا مبادئ ما نادوْا على أنفسهم وفي هذا تشابه مع الإسلام.

إن صدق الرؤيا وإخلاص القلب لقضية ما هو ما يرسم مستقبلها أمام عين ناصرها، فلا يلتفت إلى زينتها التي تفتنه فتورد قضيته قبل نفسه وديان المهالك.

استغل جورج واشنطن وزملاءه كل المتضادات السياسية لنصرة قضيتهم، فتعاونوا مع الفرنسيين والهولنديين و الإسبانيين فزادوا من وطأة معاركهم على الملكية الأم بعد أن أدركوا أنها لن تسلمهم مصيرهم إلا بالقوة الكاسرة، فهزم العقل الإنجليزي المتجرد العقل الإنجليزي الآخر الجشع، مع أن في هذا الزمن كانت الإمبراطورية الإنجليزية في أوج انتصاراتها على العالم القديم، لكن العقل الإنجليزي المستوطن حديثًا في العالم الجديد ذاق ويلات العقل الذي لا يساوي بين الناس بل يتخذ بعضهم بعضًا سُخرة، والقوي قويًّا ما دام قويًّا، فاستوعب السوس الذي ينخر الأمة القوية من الداخل دون أن تشعر الأمة بالانهيار، فكان علاج هذا السوس هو مؤتمر فيلادليفا «مؤتمر الدستور» الذي وضع الإطار العام لوثيقة الدستور هذه الوثيقة ذات المضمون الشبيه بوثيقة أبي بكر الصديق وهي وثيقة الفصل بين السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية، وكيفية عدد نواب الولايات في المجلس النيابي. هؤلاء المجموعة بدأوا من حيث انتهى الآخرون حيث أقروا هذا النظام في عام 1789 م وبدأ الامتحان الحقيقي لهذه الأمة الجديدة هل سيحكمها نظام جديد يختلف اختلافًا كليًّا عن براثن عبودية النظام الملكي أم هو نظام شبيه للنظام الملكي ولكن بصيغة مختلفة؟

الجواب كان في الفترة التي انتخب فيها جورج واشنطن فتجده كان شديد الحرص على تطبيق ما انتخب عليه، حاول بقدر المستطاع تجريد نفسه عن هواها فقصة ألكسندر هاملتون رجل الدولة الأمريكي والكاتب الشهير آنذاك، وهو الذي رافق جورج واشنطن في معارك عده كانت لديه فلسفة «إن أبناء الأسر الغنية هم الذين يقع على كاهلهم قيادة البلاد من الناحية السياسية والاقتصادية» وتبريره أنهم في غنى عن المكاسب التي تعود عليهم وهم في السلطة، فاقترح على جورج واشنطن رئيسًا للبلاد مدى الحياة، وحكومة مدى الحياة، كذلك أعضاء مجلس الشيوخ يختارهم المُلاك مدى الحياة كان يرى في النظام الملكي الإنجليزي أفضل الأنظمة للحكم، لكن جورج واشنطن يعرف أن أفراد الشعب لن يقبلوا بالنظام الملكي الذي ارتبطت معاناتهم وآلامهم به، فوقف في صف العامة من الفقراء والفلاحين بأن على الأغنياء تحمل نفقات القروض مع الجنود الذين تركوا مزارعهم للمشاركة في الثورة ورسم الحلم الجديد مع كونه المرشح الوحيد للتاج الملكي، الشاهد أن العوامل المحيطة بجورج واشنطن كانت محفزة له ليصبح ملكًا للوطن الجديد، لكنه أبى إلا أن يكون أبًا يحنو على جميع فئات شعبه.

ظل جورج واشنطن يبني لبنة الدولة الجديدة وأساس هذه اللبنة هي الجيش، هذا الجيش الذي تكون من مزارعين ثائرين يؤتون حينما تستدعي حالة الحرب ذلك، لكن البؤس كان حالهم، فهم لم يمتلكوا قوتهم حتى إن جورج واشنطن كتب للكونجرس محذرًا أن هذا الحرس الوطني قد يوجه سلاحه ضدنا في يوم من الأيام لافتقار منتسبيه قوتهم، فبدأ بصرف رواتب نظامية ومنحهم أراضي زراعية.

المشكلة التي كانت تؤرق جورج واشنطن تحرير العبيد السود، فقد كانت لديه رغبة جامحة بتحريرهم وفض العبودية عنهم، بدليل أن زوجته لما توفت لم يرث العبيد، بل أطلق سراحهم ووضع قيد الرقابة على استيراد العبيد، لكنه خشي من اصدار أمر بتحرير العبيد ليقابله ضياع اتحاد الولايات الذي كان في بدايته، فمثل هذه القضايا كانت تمثل دخلًا مهمًّا لأسر كثيرة، سواء كان خدمًا أو تجارة، وظل جورج واشنطن قبل أن توافيه المنية ينادي بتحرير العبيد ويوعي مواطنيه بذلك، والدليل على بصيرة واشنطن في عدم إصدار قرار بتحرير العبيد هي الحرب الأهلية الأمريكية التي اندلعت بعد ثمانين سنة من الاستقلال، وكانت خسائرها أفدح من خسائر حرب الاستقلال، كان واشنطن يهوى الصراع السلمي أو قد نسميه التنافس السلمي بين الأمة الواحده هذا التنافس السلمي هو الذي حافظ على فكرة التعايش بين مجتمع مختلط الأعراق والثقافات ومن سماته التدرج في الأشياء لا إصدارها عنوة وهذا ما تميز به الإسلام، ظل واشنطن يضع نصب عينه التوازن في الحكم على الأمور يستخدم القوة ثم يلمح إلى الرأفة، وهو ما فعله مع عصيان الوسكي الذي أمر باستخدام القوة ولكن بحذر ضد 3 آلاف مزارع اعتراضًا منهم على الضريبة، هذا النموذج الرائع يقابله نموذج أوروبي مشابه، نابليون بونابرت عُرض عليه تاج الملك فوافق وهو الذي لم يكن صاحب ملك بل تدرج في العسكرية كواشنطن ،لكن مصير بلاده كان الأفول، وأما مصير بلاد واشنطن كان النهوض، لم يقبل جورج واشنطن أن يتخطى على الدستور الذي شارك في إعداده ورفض أن يكون رئيسًا لولاية ثالثة بل غادر إلى مزرعته، ليستريح في ما تبقى له من عمره تاركًا أسس بناء قوي، يتجدد بتجدد الحاكم ولا يهرم بهرم الحاكم، واجه الحرب الأهلية الأمريكية وما زال يواجه عوامل سقوط الأمم لكن ما غاب عنه أن استدامة ما فعل تكون ببث روح الإسلام بين ساكنيه ليسود السلام المجتمعي بدلًا من أن تسود العصبية العرقية فيتفكك الأساس ويتشتت المجموع، فهذا المجتمع المتماسك بقانون المادة سريع التفكك إذا قل نتاجها ليكون مجموعات داخل المجموعة الكبيرة مدعية كل مجموعة أنها هي التي تمثل قيم المجموعة الكبيرة، وهذا ليس له حل إلا بالإسلام الذي يذيب العنصرية والتعصب وتوابعها ويحافظ على الرابط الاجتماعي الكبير بين الأسرة الصغيرة والكبيرة، لتظل المجموعة الكبيرة هي الأم. ولهذا على أتباع الإسلام أن يبثوا روح سماحته وعدله فيه ليحيوا هذا البناء ويكون قوة إلى قوة الإسلام، لا أن يتمنوا زواله بل عليهم أن يتمنوا أن يكون واحدًا منهم ليسود على المعمورة قوة السلام. لنبدأ من حيث انتهى الآخرون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد