الإنسان والإنسان علاقة معقدة، كعلاقة شرايين الإنسان ببعضها، تختلط وتتداخل فيما بينها، فلا المُتتبع لها مرتاح، ولا التارك لتَتبُّعها يأوي إلى المراح، شيء لا بد عن الولوج فيه، لا أنْ يُعرج إليه، تجبر السنة الكونية الإنسان على البحث، وتتَبع سَرَيَان شرايينه بدايتها ونهايتها حتى يقاوم الأمراض المجبور وجودها بداخله وبمحيطه.

 كانت علاقة الإنسان بالإنسان علاقة السيد بالوصيف منذ أن توارث بنو آدم أرض الاستخلاف فبعث الله أنبياءه لتصحيح العلاقة، لِتصبح كما أراد خالق السنة الكونية علاقة سيد بسيد، إِلَّا أَنَّ الشيطان توعد في العالم العُلْوي أنْ لا يترك الإنسان سيدًا، بل عبدًا له، وعبيد بعضهم، فخرج من ذلك السؤال المتسبب في الصراع الأبدي.

من له حق اختيار السيد، واختيار وصيفه، أم أن اختيار السيد يكون رضوخًا من الوصيف لظروف احتياج الضعيف للعيش في المجموعة فيوفر القوي الحماية للمجموعه ويوفر الضعيف الخدمة للمجموعة؟

هذه العلاقة بين السيد والوصيف تترجمها التجربة الأمريكية ومؤسسها (جورج واشنطن) ترجمة أشبه بسد منيع بين الماضي والمستقبل، فهذا السد جعل المستقبل يختصر تَقدم سنوات الماضي الألفية بعدة مئات من السنين، بدلًا عن آلاف السنين الذي استغرقتها أجيال الآباء، لتنتقل من مرحلة العسر إلى مرحلة اليُسر.

كلمة السر الفاصلة بين تقدم الأمم ومواصلة تقدمها دون الرجوع إلى ما قبل مرحلة البداية، هي العلاقة بين الإنسان والإنسان في إطار المجتمع وإطار الأرض، لم يكن تقدم الأمم دهرًا ما بسبب تفوق لون أو عرق، وإنما بسبب العلاقة بين الإنسان والإنسان.

يدور استفهام يحق للإنسان أن تساوره الشكوك بسببه، أين الإسلام من هذه العلاقة؟ وإذا لم يكن هناك دور للإسلام في هذه العلاقة المعقدة، ما الفائدة من اتباعه؟ ما دام المستظلون بظله يقبعون تحت الغنى، ثم ما يلبثون إلا أن يعودوا إلى الفقر، يتقدمون ثم ما يلبثون إلا أن يعاودوا الهبوط وسنوات انحدار الأمم، لماذا فشلت الدولة القومية تحت ظل الدستور الإسلامي، ونجحت في التقدم الهائل السريع تحت ظل العلمانية الماسونية؟

الناظر لتحرك طبقات التاريخ السائبة، يجد أن مجموع الأمم من لدن آدم إلى ما قبل بزوغ فجر الإسلام ما تلبث أن تعيش عصر الرفاة والنهوض حتى تدخل في منحدر الهبوط ثم الموت ثم الذكرى يقول الله عز وجل «لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِى ٱلْأَلْبَٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ»، هذا الهدى وهذه الرحمة ماكانت لقوم خرجوا من نطاق دين الإسلام دين آدم وولده، بل إن السبب الرئيس لبعث الله لأنبيائه هو خلاص البشر من عبودية بعضهم إلى الارتقاء وعبودية خالقهم ليتحقق لهم الهدى، ثم الرحمة المنتوج منهما الرفاة والتقدم والطمأنينة لمجموع الأمة، إنه الخلاص والفِكاك من الاستعباد بكل أشكاله وصوره.

إن العالم الجديد الذي اُكْتشف في منتصف القرن الخامس عشر، لم يكن مَخْفيًا، ثم وجد، بل أثبتت النظريات والدراسات الأثرية أن شعوب هذا العالم الغربي من الكرة الأرضية سبقوا اكتشاف كروستوفر كولمبوس لها بدليل أنه دارت معارك طاحنة بين السكان الأصلين والمستكشفين الجدد المتعطشين للثروة السريعة والمجد.

هذه الكنوز المختبئة في الأرض البكر والمساحات الهائلة من الأراضي الخصبة كانت كافية لسيل لعاب الغزاة الجدد، وجلب مزيدًا من أصحاب البشرة السمراء لزيادة الاستعباد المتواجد أصلًا في كينونة المجتمع القبلي للسكان الأصلين، لكن هل بتزايد أعداد السخرة في المجتمع زاد الإنتاج فزاد تقدم الأمة؟

الجواب يتواجد في أحداث التاريخ، فيخبرنا التاريخ الحديث بأنه كلما زادت أعداد السخرة زاد الظلم والإقتتال الداخلي في المجتمع الواحد. زاد عدد السود في العالم الجديد وزاد الظلم عليهم بل إن الظلم بدأ يصل إلى المستعمرين الأمريكين ذوي البشرة البيضاء أصحاب الأصول الأوروبية، ولم يكن لهم تمثيل في مجلس النواب البريطانيين، على الرغم من دفعهم الضرائب لبريطانيا، ظل هذا الاحتقان سيد الموقف، إلى أن انفجر الموقف وتحول إلى ثورة من المستعمرين الأمريكيين ضد نظرائهم البريطانيين.

الملفت في هذه الثورة أن قائدها أرستقراطي إنجليزي الأصل، شبيه في هيئته وحياته بحياة المستعمر البريطاني إقطاعي ورث الإقطاعية من والده، إلا أنه كان سببًا رئيسًا في التقدم الحاصل في أغلب المعمورة، تكون العالم الجديد من الهجرة المتنوعه، وبأسباب متنوعة، فمنهم من هاجر للحلم، ومنهم من هاجر بسبب الخوف، ومنهم من أجبر على الهجرة، فكيف لهذه الظروف من الهجرة أن تكون مجتمعًا نهضويًا شبيها بنهضة النموذج الإسلامي.

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد