ملخص الجزء الأول

تناولنا في الجزء الأول كيف خطط الغرب لافتراس العالم الإسلامي- العربي ثقافيًّا بعد أن اجتاحه عسكريًّا لمنع أي ثمة أمل في نهضة وذلك باستقدام “دانلوب” المبشر وخبير المناهج الإنجليزي للعمل كمستشار لوزارة المعارف المصرية، وقام على الفور بتقليل جرعة الآيات القرآنية كما حذف بعض إنجازات العلماء المسلمين في تاريخ البشرية، وسلخ الفرد من هويته الإسلامية شيئًا فشيئًا بما يسمى التفريغ وإعادة تعبئته بحضارات موغلة في القدم لا أمل في توحد العالم الإسلامي بها, لكن هذا لم يكن كافيًا, فالشخصيات والأحداث الإسلامية يبقي مكانها في الوجدان فكان لا بد من وسيلة أخرى لهدم هذا الانتماء وبرز هنا دور الرواية في إعادة تشكيل الوعي (رجاء لينك الجزء الأول).

خطورة روايات تاريخ الإسلام لجرجي زيدان:

1- سنلاحظ توافق الفكرين, فكر جرجي زيدان ودانلوب وهو التركيز على النشء الصغير فاهتم دانلوب بالتركيز على المناهج التعليمية، بينما اهتم زيدان بكتابه التاريخ لهم عن طريق تبسيط الأحداث لدرجة السذاجة أحيانًا، ولكنها تشكل وعيهم الصغير عن التاريخ الإسلامي رافضين قبول غير ذلك بمرور الأيام.

وهنا تكمن الخطورة, فالفكرة إذا توطنت بالعقل تستطيع مناقشتها وإثبات زيفها من حقيقتها, أما الميل الوجداني لشيء ما فيكون عصي عن التغيير لأن صاحبه لا يدري سر تمسكه به وبالتالي من الصعب التغلب عليها أو محاولة مناقشتها وهذا ما تم زرعه في متوسطي التعليم حتى شب لنا جيل تلك هي معتقداته عن التاريخ الإسلامي.

2- التاريخ الإسلامي وفقًا لسلسة تاريخ الإسلام هو اسم على مسمى، هو سلسلة حقًّا ولكن من الفتن:

فالكاتب يتصيد أزمنة الفتن ويفيض في وصفها، ونحن نعترف بوقوع أخطاء من الدول الإسلامية وهناك دول مساوئها تتساوى مع محاسنها، ولكن أن تنفي عن الفترة كل ما هو جيد وتنسب له فقط الفتن والدس فهنا تغيب أي ثمة أمانة علمية، فهل تتخيل أن يقدم التاريخ الإسلامي دونما إشارة لمعارك إسلامية كبرى كحطين وعين جالوت وفتح القسطنطينية؟ فعن أي تاريخ تكتب إذن!! وذلك رغم خوضه في تاريخ تلك الدول كالأيوبية والمملوكية والعثمانية, ولكن كيف جاء ذكرهم؟
فلنستعرض أمثلة من دول وفترات إسلامية تم تضخيم مساوئها وقزمت أي محاسن لها:

الدولة الأيوبية:

يتناولها زيدان في روايتين الأولى هي “صلاح الدين” وفيها يستعرض البداية المبكرة لصلاح في مصر وتخلصه من الفاطميين, ثم يقفز بنا في رواية “شجرة الدر” إلى نهايات تلك الدولة على يد آخر سلاطينها “نجم الدين أيوب” وما آلت إليه مصر والشام من فوضى نتيجة توسع الأيوبيين في الاستعانة بالمماليك متجاوزًا حدثًا من أهم أحداث التاريخ الإسلامي هو معركة حطين واستعادة بيت المقدس.

دولة المماليك:

تناول زيدان ذكرهما في روايات “شجر الدر و”استبداد المماليك”، ففي رواية شجر الدر يتعرض لآخر زمن الأيوبيين وبداية عهد المماليك والدس بينهما ومحاولة كل منهما تثبيت ملكه, ولكنه أبرز صد المماليك للحملة الفرنسية بقيادة لويس التاسع وأسره, كما يتعرض فيها للاجتياح المغولي للبلاط العباسي في بغداد وإنهائه لخلافة استمرت لأكثر من 500 عام قبل انتقالها لمصر شكليًّا فقط، ولكن ما نلاحظه في طريقة وصفه للترف وحياة الخليفة العباسي يجعلك لا شعوريًّا تفقد التعاطف معهم بدعوى لقد استحققتم هذا جزاء أنانيتكم واستكباركم وانفصالكم عن الرعية.

ثم القفزة الجورجية المعتادة من أوائل العصر المملوكي المضطرب إلى نهايته في رواية “استبداد المماليك” والاسم كافي لكشف محتواها، ويتعرض فيها لعودة المماليك لظلم واستبداد الشعب بعد إعادة توليتهم على الأقاليم من قبل الدولة العثمانية بعد انتصار الأخيرة عليهم، مما يبرز لك أن المحرك الأول لدخول العثمانيين مصر أو استمرار المماليك في حكمها الفعلي هي المكاسب المادية فقط, غاضًا الطرف عن بعض مزايا المماليك كمعركة عين جالوت والتي أوقفوا فيها الزحف التتري على بقية العالم وكأن دولة المماليك قد انحسرت من فوضى البداية لاستبداد إلى تجبر في النهاية.

وهو لم يخالف الحقيقة في الواقع فكل ما ذكره قد حدث بالفعل، لكنه لم يذكرها كاملة فلم يبرز الجانب الجيد أيضًا, ففي عهد الأشرف خليل بن قلاوون تم استرداد عكا والتي مات صلاح الدين وهي في يد الصليبيين, بل وكان المماليك في بعض الأوقات القوة الإسلامية الوحيدة المواجهة لحملات الصليبيين, وعلى الجانب المعيشي كان الشعب يخرج أحيانًا ليعيد سلطان مملوكي غدر به أترابه وهو ما يشير إلى أنهم لم يكونوا جميعًا ظالمين طماعين مستبدين كما يصورهم لنا زيدان.

الدولة العثمانية:

أتى ذكرها في روايته “استبداد المماليك” وهي فترة خروج علي بك الكبير المملوكي عليهم في أزمنة ضعفهم ثم القفزة المنتظرة من زيدان إلى فترة سقوط السلطان عبد الحميد الثاني في رواية “الانقلاب العثماني” وهي رواية آية في التحيز وعدم الموضوعية فزيدان كعادته يبرز لنا عبد الحميد الثاني شيطان بالمعنى الحرفي للكلمة فهو متسلط مستبد خبيث يتجسس على شعبه ولا يريد له الخير ولم ينسب له أي فضيلة, على الجانب الآخر هناك الملائكة ذوات الأجنحة وهم جماعة الاتحاد والترقي صفوة المجتمع متحابون متشابكو الأيدي قلوبهم تهيم ببعضها البعض لا ينسب لهم رذيلة واحدة وحتى إنهم لا يكرهون السلطان بل يجلونه ويحترمونه وكل همهم ليس عزله كما تم بالفعل, ولكن كل ما كانوا يطمعون هو إقرار الدستور دون أن يقدم لنا “زيدان” كالعادة لماذا عزلوه بعد إقرار الدستور إذا كان هذا هو مطلبهم الوحيد, وما بال هذه التصفيات التي تمت بين أعضاء الاتحاد والترقي بعدما أصبحوا الحكام الفعليين للبلاد وتسببهم في دخول الدولة العثمانية في أتون الحرب العالمية الأولى وخسارتهم مساحات شاسعة من الدولة.

طبعًا أصبح من السذاجة أن تسأل هنا عن فتح القسطنطينية, فهي من الأحداث التي يعتبرها زيدان صغيرة لا تستحق الذكر فأين هي من وصف قصور العباسيين ولهوهم وفجورهم أو غدر المماليك ببعضهم البعض أو قسوة العثمانيين وطمعهم أو تعصب الأمويين لجنسهم.

الدولة الأموية:

تناول هذه الدولة في أربع روايات أولها “17 رمضان” سنتجنب منها أوقات الفتن والنزاعات التي حدثت بين الإمام علي ومعاوية رضي الله عنهما فهي أمور لا نختلف معه فيها، ولكن ما إن قامت الدولة الأموية بشكلها الوراثي ستجد الإسهاب في ذكر الفتن المتلاحقة دون إشارة إلى الفتوحات المستمرة لهم إلا لمامًا وبشكل عارض, ويذهب بعض المؤرخين إلى أن الغرض من الفتوحات كان لهو الناس عن الصراعات فيما بينهم بتوحيدهم ضد عدو مشترك أخطر, ولكن لياقة زيدان البدنية والذهنية لم تسمح له بالقفز هذه المرة على فتح الأندلس فذكره بحياد تام.

ولكن مهلًا, ماذا عن حاكم يدعى “عمر بن عبد العزيز” ينسب للخلافة الراشدة رغم توليه الحكم بعدها بمائة عام وتناوب على الحكم قبله سبعة حكام, تحدث القاصي والداني عن أخلاقه وعدله وزهده فهذا مما لا يذكر, لكن بالطبع لا يفوته ذكر مقتل الحسين وحصار الكعبة واستباحة الأمويين لمكة وانتهاك الحرمات.

ورغم أن “عمر بن عبد العزيز” يعد استثناء بارزًا في تاريخ الدولة الأموية إلا أننا تعودنا ذلك في كتابات جرجي زيدان كاكتفائه باختيار السلطان عبد الحميد كنموذج سيئ للدولة العثمانية وتعميمه على باقي الدولة, واختياره “نجم الدين أيوب” ممثلًا للدولة الأيوبية في أسوأ فتراتها, وفي الدولة المملوكية ذكر شجر الدر وعلي بك الكبير الذي استغل بخسة (بحسب جرجي) انشغال الدولة العثمانية بالحرب ضد الروس وخرج عليها وراسل أمراء الشام بل وراسل الروس أنفسهم ليطوق العثمانيين, ولا ذكر لقطز أو قلاوون أو الظاهر بيبرس (كحاكم) فلما لم ينتهج نفس النهج في رؤيته للدولة الأموية ويظهر لنا الاستثناء (عمر بن عبد العزيز).

الدولة العباسية:

ذكرت الدولة العباسية في روايات “العباسة أخت الرشيد”, “الأمين والمأمون”, و”أحمد بن طولون” و”عروس فرغانة”, فالأمين والمأمون معركة بين أخوين من أبناء الرشيد, الأمين ذي النسب العربي والمأمون الذي يمثل النفوذ الفارسي, والرواية امتداد لوصف حالة الاحتقار للعنصر العربي من جانب العباسيين رغم عروبتهم وإعلائهم للعنصر الفارسي على الأخص، وقد ركز زيدان على هذا في تناوله بداية الدولة العباسية في رواية “أبو مسلم الخراساني” (الفارسي الأصل) ودوره البارز في قيام دولة بني العباس والذي كان جزاؤه القتل من أبي جعفر المنصور, وخوفًا من انتقام أتباع أبي مسلم، بنى المنصور بغداد وحصنها بثلاثة أسوار وخندق مائي, فهي مدينة بنيت على الخوف.

 

المفارقة الغريبة أنه وفقًا لما تقدم فقد احتقر المنصور الجنس العربي وعادى الجنس غير العربي بقتله لأبي مسلم فعلى من كان يعتمد في حمايته وجيوشه؟! لم نسمع أنه امتلك جيوشًا من الجن!

وتتكرر واقعة الجحود تلك في نفس الدولة ففي “العباسة أخت الرشيد” نرى كيف كانت الرعية تحب البرامكة لكرمهم الزائد, وأنهم هم من أقنع الرشيد ببناء المكتبات والبيمارستانات, فأكثر ما يتفاخر به هارون الرشيد ليست فكرته بل والأنكى من ذلك أنه كافأهم بإعمال القتل فيهم, وتكرر الغدر بمن تفانى في خدمتهم وسميت الواقعة “بنكبة البرامكة”.

باختصار لم تفلت أي رائحة فتنة من جرجي زيدان في رواياته ولكنه بكل سهولة يتجاوز عن الأيام والأحداث الكبرى في تاريخ الإسلام.

نهج جرجي زيدان في عرضه للتاريخ الإسلامي:

تستطيع تبين نهجه من الرواية الرابعة أو الخامسة, فهو يصور لك خصمين في الرواية أحدهما أسود قاتم والآخر أبيض ناصع, الأول به كل النواقص والآخر يبدو كالملائكة فيمتلئ قلبك حبًّا في هذا وذاك تحمل له كل مقت, ثم وبعد حرق هذا الطرف الأسود واستبعاده يبدأ بالانفراد بالأبيض مجددًا ويبين لنا أن نصاعته جاءت فقط لمقارنته بالأسود القاتم ولكنه في حقيقته لا يخلو من بقع سوداء بل ومليء بها مثلًا:

فعند الحديث عن أحمد بن طولون وحكمه في مصر كوالي من قبل الدولة العباسية تتم المقارنة على لسان أبطال الرواية بين ابن طولون والعباسيين وولاتهم السابقين, فيُمدح الأول ويُذم الآخرون لظلمهم وتجبرهم عن الناس وإجبار المأمون للمسلمين على السكنى في قرى المصريين وعدم تمركزهم في الفسطاط, مع إقحام المتوكل في الرواية رغم أنه لم يكن معاصر لزمن الرواية, فقط ليبرز لنا عيوبه التي بالتأكيد ستنسحب على باقي الدولة العباسية كمنع الشيعة الخروج من الفسطاط أو التنقل من غربها لشرقها والعكس, وعدم ركوب الذميين أو الشيعة الخيول وعدم تملكهم لأكثر من عبد وعدم قبول شهادتهم وإذا تقاضى الذمي مع سني يحكم للسني دون مناقشة الحقوق.

وعلى عكس هذا كان ابن طولون يعيد سيرة الخلفاء الأوائل من عدل وتقوى نجد ترجيح كامل لابن طولون, ثم بعد سطور نكتشف أن ابن طولون ليس هذا الملاك ولكنه يفعل الخير ويساوي بين العرب والقبط والسنة والشيعة حتى يكسب تعاطفهم وتأييدهم عندما يحين وقت خروجه على الدولة العباسية, ولذلك بدأ في بناء القطائع بعيدًا عن مركز الحكم في الفسطاط ليتفادى فتك العرب به فالطرفان إذن سيئان ولكن كلًّا على طريقته.

وتكرر نفس الفعل فيما بين الدولة الأموية والعباسية, فالأولى متعصبة للعرب مقارنة بالعباسية التي يلتف حولها الجميع عرب وغير عرب ثم بعد وصولهم لسدة الحكم يحتقرون العرب ويقتلون أبو مسلم الخرساني وبعض شيعته من غير العرب.

هل يعد جرجي زيدان أديبًا أو روائيًّا إذا تجاوزنا أخطاءه التاريخية؟

أول ما يلفت انتباهك في روايات جرجي هو تشابه بل وأحيانًا تطابق القصة مع اختلاف زمنها التاريخي, ففي كل رواياته تقريبًا هناك حبيب وحبيبة, أب وابنه, أو ابن وأبيه تفرق بينهما الأحداث وتجمعهما في نهايتها, هذه هي الرواية عند جرجي زيدان.

يقول الأستاذ المازني عنه: “لم يكن زيدان عظيمًا، ولا فحلًا من فحولة الكتَّاب، ولا من أصحاب المبادئ، ولا من ذوي البسطة في العلم والرسوخ فيه، وإنما غاية ما نستطيع قوله عنه أنه كان من أرباب الاجتهاد مطبوعًا على العمل كثيرَ الدُّؤوب عليه، هذا فضله وتلك مزيته في رأينا”، ثم يضيف “ويخيل إلينا أن زيدان لو ضاع منه مفتاح مكتبته لمَا عرف كيف يملأ صحائف هلاله”! ولكن البعض الآخر يكيل له المديح كالمنفلوطي وطه حسين فيرون فيمن يهاجموه إما غيرة من نجاحه, أو أنهم صدموا لأسلوبه الجديد على الثقافة العربية.

تناقـــــــض:

عندما أنشأ جرجي دار نشره عام 1892م أسماها “الهلال” تيمنًا بالهلال العثماني رمز الدولة العلية السنية, ثم نجده منتميًّا للمحفل الماسوني الذي كان له الدور الأكبر في إسقاط عبد الحميد الثاني وهو السلطان الذي تيمن به جرجي عند إنشائه دار الهلال, بل وسافر ليهنئ أعضاء جماعة الاتحاد والترقي في 1908 هذا بحسب رشيد رضا، ود. سعاد سليم في مقالها “صورة الغرب عند جرجي زيدان” وهذا واضح جدًّا في روايته “الانقلاب العثماني”.

ماذا عن كتبه المتخصصة؟

أشهر كتبه هي تاريخ التمدن الإسلامي وكتاب آداب العرب وتاريخ الماسونية، وهي كتب متخصصة جدًّا لا يقرأها إلا متخصصون في مواضيعها وهم قلة, وموضوع مقالنا هو تأثير كتاباته ومن خلَفه في النشء ومتوسطي التعليم, وهناك كتاب فند “تاريخ التمدن الإسلامي” وكشف ما فيه من أخطاء تاريخية هو “نقد كتاب تاريخ التمدن الإسلامي” لشبلي النعماني, كما أن رشيد رضا في دفاعه عن كتاب زيدان يقول: “إنه كان متعجلًا ولم يأخذ العلم من منابعه”, فهل هذا دفاع!!

خاتمـــــة:

قد يظن البعض أن الهدف من المقال الدعوة لعدم انتقاد الدول الإسلامية المختلفة التي تتابعت علينا, ولكني أؤكد أن المقصود هو النقيض تمامًا فأنا أرى من الضروري التصدي لسلبيات الفترات الإسلامية السابقة، بل وأن نبدأ نحن قبل عدونا في بحث أسباب سقوطها وعلى رأسها تكفير وتجريم كل من يعترض سياساتها وربط الحاكم بالله وأنه ظله على الأرض كما أرى أن الدولة أي دولة تبدأ عوامل سقوطها وتفتتها من داخلها فلا تحتاج أكثر من هزة خارجية لتنهار تمامًا, ولكن يظهر للعيان أن السبب في الأساس خارجي على عكس الحقيقة.. ولكن إلى جانب إظهار هذه السلبيات يجب إظهار الإيجابيات والتمسك بها لا نتعامل بمبدأ أن البشر إما أسود أو أبيض على طول الطريق ونتناسى طبيعتنا التي تجمع بين هذا وذاك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد