كما أن للأشخاص والرموز قصص نجاح، فإن للدول تجارب ناجحة، حري بنا أن نتابعها عن كثب، ونرصُد كيف تجاوزت المحن والصعاب في طريق النهضة؛ لتصل إلى مصاف الدول العظمي؛ لذلك سنتعرض هنا لبعض ملامح التحول في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.

التعليم

السبيل الوحيد للنهضة هو الارتقاء بالتعليم؛ لذلك تم الاهتمام بمفردات الصناعة والتكنولوجيا في اللغة، مع العناية بالوقت، أو بالأحرى الانضباط لإنجاز الأعمال، ويولي الجميع القراءة كجانب مهم يجب تخصيص الوقت له، ويجب أن نذكر بأن اللغة الألمانية تُكتب كما تُنطق، وصياغة قواعدها تتجدد مع الزمن.

شعار النهضة

حوالي 10 مليون قتيل و5 مليون معتقل، فكان الشعار هو (ازرع الأمل قبل القمح)؛ لشحذ الهمم ورفع الهامات إلي السماء إلى جانب توافر الاحترام والمسئولية للجميع مع المراقبة من قبل الجهات المعنية، فصورة البلاد تتشكل وترسخ في الذهن من سلوك مواطنيها، وليس آثارها، أو مبانيها؛ فأغلب الألمان يميلون إلى مد يد العون للغرباء.

إصلاحات ومساعدات

ساعد تخفيض التعويضات والديون التي كانت تُدفع للحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية مع بعض الإصلاحات النقدية وظهور عملة جديدة وإتقان العمل وتحسين التعليم والتشجيع على تدفق الاستثمارات الخارجية وتخفيض الضرائب وإلغاء التسعيرة الجبرية ونشوء الحرب الكورية؛ لتصبح ألمانيا واحدة من أكبر الاقتصايات في العالم، وارتفع نصيب الفرد من الناتج القومي عن طريق تشجيع الشركات المتوسطة، والتي تعتبر أكبر مورد لفرص العمل وإعادة الإعمار مع البنوك وتشجيع المشروعات الصغيرة والقروض الميسرة لتتحول الشركات من صغيرة لكبيرة مع تأمين حقوق المجتمع والعمال بمحاربة الاحتكار أو المنافسة غير المشروعة، وكان ذلك تحت قيادة بعض المستشارين كإديناور، وإيرهار، فبذل العديد منهم جهودًا كبيرة، حتى جاء المستشار هيلموت كول، والذي في عصره تم توحيد ألمانيا.

صفات الدول الكبرى

يطلق على ألمانيا بأنها دولة متماسكة، وليست قوية، ونموها قائم على التصدير، كما أن مشاركتها للحدود الجغرافية مع الدول المجاورة يمنحها صفة التسامح مع حرصها على السلام العالمي ووحدة البلاد.

المستشرقون

لا يمكن لدولة تريد أن تنهض أن تبدأ من الصفر، ولكن المنطق يخبرنا بأن نبدأ من حيث ما انتهي الآخرون، لذلك يوجد العديد من المستشرقين الذين نهلوا من الدين الإسلامي، وبرزوا في بلادهم، بل في القارة الأوروبية بصفة عامة، أمثال: بروكلمان، وفلوجل، وهونكة، وغيرهم.

أشهر المدن

تعتبر فرانكفورت هي مدينة المال، وتوجد بماينز، وتشبه نيويورك، أما كولونيا فهي مدينة للفنون الشعبية، وبافاريا هي هوليود ألمانيا، وبون هي العاصمة الفيدرالية لألمانيا الاتحادية، ويوجد بها منزل بيتهوفن، وكبلنز مدينة يوجد بها محطات لمعالجة المياه، ودوسلدورف وهي مدينة تتوسط أوروبا، ويتوافر بها جميع وسائل النقل، ويمكن منها الانتقال بسهولة داخل أوروبا، ويتواجد بها أرض معارض كبيرة بها العديد من الصالات والأماكن للراغبين في التبادل التجاري.

سور برلين

كان يفصل بين الشرق والغرب، حيث إن ألمانيا الشرقية كانت درة العالم الشيوعي، وكانت – كما يقولون – تستورد ما تصنع، وتُصدر ما تحتاج من منتجات، وهذا من أسباب فشلها، إلى جانب رغبة ألمانيا الغربية الشديدة في الاتحاد معها.

ألمانيا والاتحاد الأوروبي

يُعد اتحاد الفحم والصلب، والذي أُنشأ عام 1951، نواة لتكوين أكبر كيان عالمي اقتصادي: الاتحاد الأوروبي، مع رغبة تشرشل في بناء الولايات المتحدة الأوروبية، وتعزيز الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وإلغاء الجمارك بين الدول الأوروبية، ولكنه أصبح يُعاني من التوسع الزائد عن الحد، وعدم القدرة علي تكوين قوة أحادية القطب؛ لتعدد الحضارات، واللغات وما يصاحبهما، من اعتداد من قبل الدول الأخرى، لذلك فالبعد عن المركزية والتفكير في الفيدرالية قد يكون هو السبيل للحفاظ على تماسك الاتحاد الأوروبي.

مؤسسات الاتحاد الأوروبي

يحتوي على البرلمان الأوروبي لأكثر من 700 عضو من 27 دولة، والمفوضية الأوروبية والتي تنتقد قرارات البرلمان ومحكمة العدل التي تطبق قوانين الاتحاد، أما مجلس الاتحاد فهو المؤسسة التي تتخذ القرارات، ويرأسها كل ستة شهور دولة مختلفة، ويوجد محكمة المدققين لتقييم أداء الاتحاد ومراقبة الموازنات. على الجانب الآخر فإن البنك المركزي الأوروبي، ومقره في فرانكفورت، وقد دخل اليورو لحيز التنفيذ منذ عام 2002 كعملة أوروبية موحدة للدول المشاركة.

في الختام

لا تنهض الدول بين ليلة وضحاها، أو بسبب كلمة أو قرار، ولكنها رغبة تتولد داخل أفراد المجتمع وإحساس بالمسئولية يتوزع بين الشعب والحكومة، يظهر أثره للأجيال القادمة، ويكون تعبيرهم عن الامتنان لذلك بالمحافظة على موروثاتهم الناجحة، والسيرة العطرة للرعيل الأول، وسعيهم الدؤوب لأن يكون جيلهم الحالي امتدادًا لمن سبقوهم، ومساعدة من يليهم؛ فالوطن باق، والأشخاص زائلون.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ألمانيا

المصادر

المصدر: من كتاب (حياتى في ألمانيا) للدكتور محمد الجوادي.
عرض التعليقات
تحميل المزيد