بهاء الدين يوسف 66
بهاء الدين يوسفحجازي 66

وفقًا ذكرته في المقال الأول «صداقة السلطان والقيصر»، أن هناك علاقة قائمة بين السلطان العثماني عبد الحميد الثاني والقيصر الألماني للرايخ الأول فيلهلم الثاني، كانت تلك العلاقة قائمة على مصالح اقتصادية وتبادل خبرات عسكرية بين كلا السلطتين، والتي انتهت نهاية بائسة بسقوط الدولة العثمانية ودخول ألمانيا إلى الرايخ الثاني والثالث.

وما أفاده المقال الثاني «صداقة الصهاينة والقيصر» أن الشاب هرتزل قد اعتمد على المانيا في أمل قيام الدولة التي كان يحلم بها، لكي ينتهي من أثر ظاهرة عداء السامية التي عاشت طوال القرن التاسع عشر في أوروبا، وأن القيصر لم يعطه الكلمة التي كان يطمح بها، ولا الفعل الذي يوضح عكس طموح هرتزل.

وعلى دمج الصداقتين، ودراسة العامل المشترك بين مائدة السلطان العثماني الحالم بإعادة أراضيه، التي أخذت منه، وحلم الصهيوني الذي يطمح في العودة إلى أورشاليم بلد الهيكل الذي يطمح إليه، أي دراسة تفكير القيصر الذي كان يبحث عما ينفع بلاده، على عكس طموح الأول وطموح الثاني، يُمكن من خلاله معرفة كيف كانت تسير سياسة ألمانيا طوال قرن كامل من سقوط دولة هذا القيصر!

في البداية كانت الصداقة القائمة بين السلطان والقيصر يستفيد بها القيصر في أن يزيد من نفوذه عبر مشاريع السكة الحديد التي أخذها امتيازًا من البلاط العالي العثماني، والتي وثقها برضا الشعب الواقع تحت السلطة العثمانية عن طريق الكنيسة التي قام ببنائها في الأراضي المقدسة.

وفي الجهة الأخرى، استغل نفوذه لدى السلطان، والعلاقة القائمة بينهما، والامتيازات التي يتلقاها السفير الألماني في الأراضي الفلسطينية في السماح بدخول العديد من اليهود المهاجرين كمثال، حينما اعترض الأتراك على دخول اليهود روسيا، تدخل الألمان لمرورهم داخل البلاد.

حينما أعطى السلطان المزيد من السلطات إلى ألمانيا، وبالأخص إدارة الجيش -الذي يُعد في تلك السنوات أهم ركائز السلطة- كان الألمان يستطيعون إدارة كل الأراضي العثمانية تقريبًا، وبالتالي زيادة فرصة اليهود للهجرة إلى فلسطين.

وفي الجهة الأخرى استطاع اليهود زيادة أعدادهم من بين عامي 1882 حتى 1904 إلى 35 ألف يهودي، ثم من بين عامي 1904 حتى عام 1914، إلى 40 ألف يهودي، ثم سنوات التوقف وإعادة الاستمرار من عام 1919، ومن الواضح أن مساعدات القيصر ونفوذه قد ساعدت على وصول 75 ألف يهودي إلى تلك الأراضي.

الفائدة الناتجة من هجرة اليهود بالنسبة للسلطان العثماني والقيصر التركي هو دعم اليهودية العالمية والنفوذ الاقتصادي لهم لثروة الثاني، ودعم حلم الأول في استعادة الأراضي التي فقدها.

من الواضح مما سبق أن هناك اتفاقًا عامًا بأن ألمانيا لم تكن تهتم لغرض ديني أكثر من غرض اقتصادي لا يهتم سوى بألمانيا فقط، إذ استغل القيصر سماحة السلطان في التدخل حتى وصل إلى السيطرة على الجيش، ثم أعطى بعد ذلك الصهاينة فرصة لدخولهم أراضي فلسطين والعيش فيها في شكل دُفعات المهاجرين، واستغلال النفوذ العثماني لدخولهم البلاد، مما يعود إليه بانتعاش اقتصاده الخاص، ومن ثم القدرة على دعم الجيش العثماني الذي قد يساعد السلطان في تحقيق هدفه من تلك الصداقة في الأساس.

سيذكر التاريخ أن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني رفض تسليم اليهود أراضي فلسطين تحت السماح لهم بأن ينشئوا شركة يهودية لشراء الأراضي، وذاك الطلب الأول الذي دفع به هرتزل إلى القيصر ليكون وسيطًا بينه وبين السلطان، ولكن التاريخ لم يذكر أن السلطان من دفع بالسلطة المطلقة للألمان، الذين رأوا أن المستوطنات الإسرائيلية نموذج قوي واقتصادي يدعم المصلحة الألمانية التركية، وأن السلطان في الحقيقة سلم فلسطين فقط باعتماده على الألمان طوال فترة حكمه.

لن يستطيع أي عربي أو أي شخص أن يعاقب ألمانيا في زمانها أو ألمانيا في الزمن الحاضر على أنها دولة تبحث عن مصالحها الشخصية، بل الحقيقة المُرة التي يجب أن نعترف بها أن الشعوب التي كانت تحت السلطة العثمانية اعتمدت على سلطة تكونت من جهتين، جهة دينية وجهة أخرى عسكرية، وكما يبدو كانت الأخيرة قادرة على الحكم أكثر من أي جهة أخرى.

والأدلة على مسألة أن الجهة الدينية أقل قدرة على الحكم من الجهة العسكرية في نظام الدولة العثمانية، أنه في اثناء قيام الحرب الأولى لم تساند أي دولة إسلامية الألمان والعثمانيين وفقًا لمشروع تثوير البلاد الإسلامية الذي قدمته ألمانيا، الذي كان يعتمد على إصدار السلطان العثماني النداء للجهاد والحرب المقدسة، بل كثيرًا من الدول الإسلامية كانت ترحب بالإنجليز والفرنسيين فقط للتخلص من السلطة التركية.

فشل السلطان عبد الحميد الثاني في أن يحمي فلسطين مثلما فشل في أن يحمي أي بلد أخرى، لم يرض بالفعل بأن يسلمها بدون الفشل إلى اليهود، ولم يحاربهم عليها، ولم يرفع اليهود بندقية واحدة، كل ما فعلوه هو السياسة ولعبة الموائد، وكان السبب الرئيسي لهذا كله هو اعتماده على القيصر الذي كان يحاول أخذ أموال الجهتين على قدر استطاعته.

وتباعًا لغباء السلطان السياسي ودهاء اليهود في ذاك الأمر، لم تتوقف ألمانيا عن تلك السياسة، ولكن ربما غيرت وجهتها بعض الشيء في هذا الأمر، وهو ما يجب إدراكه في المراحل القادمة في الكتابة عن ألمانيا وتاريخها مع الشرق الأوسط، ستدعم ألمانيا طوال سنواتها القادمة جانبي فلسطين، العربي والصهيوني، وسيكون الهدف الوحيد من ذلك هو مصلحة الاقتصاد، مثلما كان يفعل القيصر، وسيكون سبب النجاح الجانب الصهيوني في إسرائيل فقط نجاحهم في مسألة السياسة عن الجانب العربي!

ما يوضحه هذا الجزء من التاريخ هو أن الصهاينة قد انتصروا في الموائد حتى وإن فازوا أو خسروا في الحروب، لأنهم استخدموا السلاح الذي ينتصر في الجهتين، وهو سلاح العقل واستغلال المعطيات لحل المسائل.

ها هنا نختم الحلقة الأولى من تلك التحقيقات، ويبدأ عصر جديد في هذه السلسلة وهو عصر قصير للغاية وله أثر عظيم في تحريك الحضارة الإنسانية والمشهد السياسي، الأربعة عشر عامًا التي تأسست بناء على اجتماع فايمار والتي عُرفت باسم الرايخ الثاني الألماني «جمهورية فايمار»، ويتبعها الحلقة الثالثة «الرايخ الثالث» أي هتلر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك