بدأت الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر على يد الشاب «تيودور هرتزل»، وكان محرك تلك الحركة الرئيسي الظاهرة الأوروبية البارزة في ذلك القرن التي عُرفت باسم «عداء السامية»، في يوم 13 أكتوبر (تشرين الأول) لعام 1898 استقل خمسة صهاينة على رأسهم هرتزل إلى القسطنطينية، كان قد بلغ في ذلك الوقت 38 عامًا، قد كان سعى حينها ثلاث سنوات في الحصول على فرصة مقابلة القيصر الألماني فيلهلم الثاني.

كان الشاب الناشئ في المجتمع اليهودي في فيينا يؤمن تمامًا بأن حل معاداة السامية يكمن في إقامة دولة مستقلة لليهود، وقد صاغ هذه الأفكار في عام 1896 في كتاب شامل تكون من 71 صفحة تحت اسم «الدولة اليهودية محاولة لإيجاد حل عصري للمسألة اليهودية». وفي عام 1897 في المؤتمر العالمي لليهود –الذي كان ينظمه هرتزل–، اقترح إقامة دولة اليهود في فلسطين التي كانت تابعة وقتها للسلطة العثمانية، ومن أجل إنشاء دولة هناك، كان على الصهاينة أن يبحثوا عن الدعم والمساعدة، وكذلك موافقة السلطة العثمانية، وكان الشخص الوحيد الذي يمكنه دعم تلك الفكرة هو القيصر الألماني، إذ يتوافر فيه الشرطان.

كان عزم هرتزل في أن يذهب إلى القيصر قديمًا، إذ صرح في عام 1895 قبل كتابة كتابه المتعلق بالمسئلة اليهودية بعام هذا التصريح:

سأذهب إلى القيصر الألماني، وهو بدوره سوف يتفهمني؛ لأنه معتاد على تقدير الأمور الكبيرة، سأقول للقيصر الألماني: دعونا نهاجر.

وكتب في مذكراته عام 1898 هذه السطور:

إن الوقوف وراء ألمانيا القوية الكبيرة والفاضلة، ذات الإدارة العريقة والمنظمة بشكل صارم، لا يمكن إلا أن يكون ذا تأثير صحي في الشخصية اليهودية.

وأضاف:

بضربة واحدة سنصل وبشكل كامل لتحقيق الشروط الداخلية الخارجية الموائمة.

من خلال الصهيوينة ستتاح الفرصة مجددًا أمام اليهود من أجل أن يحبوا ألمانيا، هذا البلد الذي تتعلق قلوبنا به على الرغم من كل شيء!

لم يكن الترحيب فقط من اتجاه هرتزل الذي كان يحلم بلقاء ذاك القيصر؛ بل كتب هذا القيصر في إحدى الرسائل:

أنا مؤيد تمامًا لذهاب هؤلاء اليهود إلى فلسطين، وكلما أسرعوا في الهجرة إلى هناك كان أفضل، لن أضع لهم أي عقبات في الطريق.

حتى هذه اللحظة نحن نتحدث بعيدًا عن نطاق الأبعاد الاقتصادية والسياسية التي كان يفكر فيها القيصر، أو يستغلها هرتزل، ففي السنوات التالية سيظهر طموح أكثر لدى هرتزل ومسائل يستغلها جيدًا؛ إذ يستطيع جعل القيصر قريبًا إلى قضيته أكثر، وفي ذات الوقت عامل مساعد لديه لدى السلطة العثمانية، وهما الأمران اللذان ذكرهما في كتابه.

أولى الخطوات التي اتخذها هرتزل كانت كُتيب «مؤتمر بازل» الذي أرسله إلى القيصر، والذي كان يتحدث عن قيام الدولة اليهودية، وكيفية قيام اقتصادها، وكيف يمكنها أن تساعد الاقتصاد الألماني –والذي بدوره وبحكم الشراكة التركية سيصب في مصلحة الدولة العثمانية– بشكل جيد.

ثاني الخطوات كان عام 1898، حين استقل هرتزل قطار الشرق السريع الذي كان متوجهًا إلى قسطنطينية والتقي بالقيصر، وصرح هرتزل إلى القيصر بأنه يريد المنطقة الواقعة بين غزة والفرات، وأن يتمتع هذا الأقليم باستقلال ذاتي من نطاق السلطة العثمانية.

ثالث تلك الخطوات، أن هرتزل وضح في ذات اللقاء كيفية الحصول على تلك المنطقة، إذ قال للقيصر: «شركة لشراء الأراضي تحت الحماية الألمانية»، وذاك هو القرار الذي رفضه السلطان عبد الحميد في ذاك الوقت.

وفي زيارة القيصر إلى الأراضي المقدسة التي ذكرتها في المقال السابق، سيمر بمستوطنة ميكلي إسرائيل، ويتوقف لكي يجتمع بشكل قصير مع هرتزل قبل أن يرحل الأول لكي يذهب لتدشين كنيسة المخلص في القدس بتاريخ 31 اكتوبر. في تاريخ 2 نوفمبر (تشرين الثاني) استقبل القيصر هرتزل في معسكر المخيم في القدس، حيث قال القيصر لهرتزل إنه يدرك احتياجات المستوطنات التي رآها إلى ماء وظلال، وأنها قد تكون نموذجًا للألمان، وإن فلسطين تشكل مكانًا للجميع.

حينما سمع هرتزل كلام القيصر، أشار إلى أن الماء يستوجب قيام سد على نهر الأردن لجلبه، وإن هذا الأمر يكلف أموالًا كثيرة، ليكون رد القيصر أن اليهود لديهم المال الكافي وأكثر من الناس جميعًا.

وفي تلك الأحيان، علم هرتزل الحقيقة التي ستبقى سنوات شعارًا للسياسة الألمانية على الجهتين، أن القيصر «لم يقل لا،ولم يقل نعم»، مثلما ستفعل ألمانيا حتى عصرنا الحالي على مستوى البلاد العربية والعدوان الإسرائيلي «لم تقل لا ولم تقل نعم».

لكن في المقابل ظل هرتزل ومن معه من اليهود يزداد أعدادهم تحت حماية السلطة الألمانية؛ بل وكانت تلقى المستوطنات اليهودية إعجاب السلطات الألمانية؛ إذ رأى الكثيرون أن المزارع التي يقيمها اليهود تحظى باهتمام القيصر ومراقبته طوال الوقت، فيما أكد هو ذلك في إحدى الرسائل إلى خاله الأمير فون بادن.

وتظهر ملامح رعاية القيصر لهرتزل؛ إذ إنه في عام 1914 كان هناك 85 ألف يهودي نصفهم من روسيا، والنصف الآخر من ألمانيا، وحين منع 200 مهاجر يهودي روسي من النزول على شواطئ يافا في أغسطس (آب) عام 1914، أصدر السفير الألماني في القسطنطينية البارون هانس فون فانغينهايم أمرًا إلى القنصل الأماني هناك هاينرش برودي بإتمام عملية نزولهم على ميناء يافا، وأوضحت ألمانيا إلى السلطنة العثمانية:

يبدو لنا أن المعاملة اللطيفة لليهود الروس في السلطنة العثمانية، والتي تعود بأسبابها إلى الانطباع عن اليهودية العالمية، هي أمر يصب في المصلحة التركية.

وتلقى سفير ألمانيا بقسطنطينية فانغينهايم الأمر التالي من القنصل:

في حال كانت الإمكانية متوافرة، نرجو التأثير باتجاه عدم تعرض اليهود للمضايقة، بغض النظر عن الدولة التي يأتون منها.

وكان الرد اليهودي الأمريكي على الجهود الأمانية أن أرسل السفير الألماني في واشنطن الأمير بيرنشتورف تقريرًا يقول:

إن الدوائر اليهودية المحلية والتي تُعتبر ثابتة في صداقتها لألمانيا، تخشى وقوع مذبحة بحق اليهود في السلطنة العثمانية، الأمر الذي من الممكن أن يجعل ألمانيا مسؤولة بشكل غير مباشر عن هذا الأمر.

وردت السلطة الألمانية عبر فانغينهايم بتاريخ 3 نوفمبر عام 1914:

لا يمكن إنكار أن ما يشكل تمامًا، في اللحظة الراهنة، حكمة من الباب العالي، هو أن يحاول من خلال المعاملة المتساهلة مع الصهيونية كسب تعاطف اليهودية العالمية، وخاصةً في أمريكا.

حتى هنا يمكن أن نختم بتفصيل بسيط أن العلاقة التي أقامها القيصر مع الجانب الصهيوني علاقة لم يقل فيها نعم صراحةً، ولم ينفذ فيها على الجانب العملي، والسر في ذلك هو أن يحافظ على علاقته بالسلطان العثماني الذي رفض طلبات الصهاينة، ولكي يبقي على استقبال أموال اليهود التي ستصب في نظره في النهاية إلى الاقتصاد العثماني والألماني معًا، من المختصر المُقدم ممكن تقديم الاستنتاجات التي يطرحها المقال القادم بعنوان «القيصر والموائد».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد