يعتقد الكثير من الباحثين أن الاتحاد الأوروبي هو وحدة أوروبية متجانسة تأسست انطلاقا من الدول الأوروبية، لكن الواقع ينفي صيغة الاتحاد بين الأطراف الأوروبية فالمشاركة البريطانية في المشروع الأوروبي جاءت خجولة وتظهر حساسية بريطانيا من الاندماج الكامل في الاتحاد الأوروبي، بالإضافة الى الصراع الفرنسي الألماني الذي يهدد بتفجير الكتلة الأوروبية من الداخل.

ومن أجل تجاوز العداء التاريخي بين الجارين الأوروبيين جاءت المصالحة بين الطرفين الفرنسي والألماني والتي أدت إلى توقيع “معاهدة الإليزيه” في عام 1963 والتي أنهت عداوة تاريخية موروثة بين البلدين الجارين وفتحت باب التحالف والصداقة بينهما، وجاءت هذه المصالحة من أجل بناء الأساس الصلب لقاعدة الاتحاد الأوروبي لخلق تكتل إقليمي لموازاة النفوذ الأمريكي والسوفياتي المتصاعد في فترة الستينات.

ورغم أن هذه المعاهدة تلزم الطرفين بالتوصل قدر الإمكان إلى موقف مماثل في القضايا السياسية والاقتصادية والثقافية لكن التاريخ والحاضر ينفيان صفة التجانس والتوحد على الجسم الأوروبي ليس على الصعيد الاقتصادي والعسكري فقط بل يتعداه إلى الرؤية السياسية غير الموحدة خصوصا بين الطرفين الفرنسي والألماني اللذين يعتبران أساس الاتحاد الأوروبي ويعتبر نفوذهما هو الأقوى في المنطقة الاوروبية.

وتظهر الخلافات بين الطرفين خصوصا في القضايا السياسية كالقضية الليبية التي شهدت حماسا فرنسيا منقطع النظير بالقيام بحملة عسكرية من أجل إسقاط الرئيس الليبي السابق”معمر القذافي”، وتوجت الحملة بفرض الرؤية الفرنسية على المجموعة الأوروبية مما يعني قبولا معنويا بالزعامة الفرنسية على المنطقة الأوروبية ومعارضة ألمانية خجولة للتدخل العسكري في ليبيا لم تخرج من الإطار الإعلامي لمسؤولين ألمانيين بتصريحات معارضة للتدخل الأوروبي في ليبيا وهذا يدل على ضعف الطرف الألماني في اللعبة السياسية رغم قوته الاقتصادية الهائلة حيث تعتبر ألمانيا أقوى اقتصاد أوروبي ورابع أقوى اقتصاد في العالم.

أما اقتصاديا فالخلاف الألماني الفرنسي بلغ ذروته في الصراع على عملاق الطيران الأوروبي والذي يشرف على بناء طائرات إيرباص ومختلف الأنظمة العسكرية الأوروبية المتقدمة والذي شهد اتهامات متبادلة للطرفين بمحاولة الهيمنة والسيطرة على سوق الطيران والتي تخفي حربا اقتصادية خفية بين الجارين المتنازعين.

على الصعيد الأوروبي تعتبر فرنسا نفسها قائدة العالم الكاثوليكي وتحظى سياساتها بتأييد بلدان الجنوب الأوروبي الكاثوليكية المطلة على البحر المتوسط انطلاقا من تاريخها العريق في تحرير أوروبا من الغزو النازي وأيضا من خلال نفوذها العسكري والسياسي الكبير الذي يتجاوز المنطقة الأوروبية والقادر على تغيير مجريات الأمور في مناطق بعيدة عن المجال الأوروبي كما حدث في مالي وليبيا.

هذا بالإضافة إلى موقع فرنسا القوي في مجلس الأمن والذي يخول لها استخدام حق النقض “الفيتو” والذي أكسبها ثقلا إقليميا في الساحة العالمية وتظهر النزعة القومية الفرنسية باعتبار فرنسا كحامية لأوروبا في تزعمها الحملة الشرسة لمعارضة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي ومن سياستها العدائية تجاه الزحف الشرقي الروسي.

ويغذي هوس الزعامة الفرنسي لأوروبا الانعزال البريطاني عن الكتلة الأوروبية وتحولها إلى ذيل للقرار الأمريكي وما تركه من فراغ على الساحة الأوروبية.

أما الجانب الألماني الذي ورث تركة ثقيلة انطلاقا من تاريخه النازي فمازال يثير حساسية بعض البلدان الأوروبية التي اكتوت بنار التوسع الألماني في فترات تاريخية سابقة حيث أن حساسية الشعوب الأوروبية تجاه الألمان لم تنطفئ بعد وهو ما يعزز من خوف الأوروبيين من السيطرة الألمانية على أوروبا والتي تجعل تحركاته مقيدة في العمق الأوروبي ناهيك عن القيود العسكرية المفروضة على ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بالحضور العسكري الأمريكي على الأراضي الألمانية كمراقب دائم للسلوك الألماني وهو ما يجعل أي تطور ألماني في المجال العسكري أو السياسي أمرا مشبوها.

وهو ما جعل الألمان يستغلون تفوقهم الاقتصادي ليوجهوا ثقلهم إلى شرق وشمال أوروبا حيث تبنوا انتماء بولندا ودول البلطيق والدول الاشتراكية السابقة إلى الاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى استمالة الدول الإسكندنافية الغنية إلى المحور الألماني، وهو ما يعني سحب البساط من فرنسا ولعب دور الزعامة الأوروبية بثوب ناعم.

وبالرجوع إلى التاريخ فالعلاقات التاريخية الألمانية الفرنسية اتسمت في أغلبها بالعداء بين الجارين الأوروبيين فبدءا بالحملات الفرنسية على الأراضي الألمانية بهدف تنصير القبائل الجرمانية الوثنية التي انتهت باعتناقهم الدين المسيحي ومرورا باحتضان وقيادة الألمان موجة الإصلاح الديني والذي على إثره تم تأسيس المذهب البروتستانتي المنفصل عن المذهب المسيحي الكاثوليكي والذي أدى إلى صراع نتج عنه “حرب الثلاثين عاما” ضد الكاثوليك بزعامة فرنسا.

ثم أعقبها الغزو الفرنسي لألمانيا بقيادة “نابليون” والذي ساهم بشكل غير مقصود بتوحيد الولايات الألمانية وهو ما أدى إلى حرب جديدة بين الألمان والفرنسيين عام 1870 م وانتصار الاتحاد الألماني في هذه الحرب ضد فرنسا وهو ما مكنهم من تزعم أوروبا وفتح بالتالي شهية الألمان للاستيلاء على المستعمرات والتنافس الإمبريالي مع بقية البلدان الأوروبية.

وبعد قيام الحرب العالمية الأولى التي انتهت بهزيمة الحلف الألماني وانتصار الحلف الفرنسي تم إجبار الجانب الألماني على التوقيع على معاهدة فرساي القاسية التي اعتبرها الألمان هدنة لمدة عشرين عاما والتي أفرزت حربا عالمية ثانية حصدت ملايين الأرواح وخسائر فادحة للطرفين.

ورغم انتصار الطرف الفرنسي في الحرب إلا أن هذا أسقط الفرنسيين والألمان على التوالي من كرسي الزعامة في أوروبا وأفسح المجال أمام الغزو السوفياتي الشرقي لأوروبا، وهو ما فرض على الطرفين الألماني والفرنسي إقرار “معاهدة الإليزيه” لكسر قاعدة العداء الموروثة منذ قرون طويلة بين البلدين الجارين بهدف تحقيق مصالح اقتصادية وسياسية مشتركة واللحاق بركب الدول المتقدمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد