خُطت أولى فصول معاناة المواطن سيد عجمي بإدراج اسمه في القضية رقم 8 لسنة 1998 عسكرية عليا؛ وذلك نتيجة مشاركته هو وشباب جيله في تظاهرات حاشدة عام 1988 تركزت مطالبها العادلة على (إلغاء المحاكم العسكرية للمدنيين – إلغاء القضاء الاستثنائي – استقلال القضاء – وقف تزوير العمليات الانتخابية).

الأمر الذي دفعه لمغادرة وطنه خشية البطش والتنكيل والزج به في السجن دون أن يتمكن من حقوقه في التقاضي أو أن تنظر قضيته أمام قاضيه الطبيعي.

صدر في حقه حكم المحكمة العسكرية بالسجن 15 عامًا غيابيًا، واستقر به الحال في دولة ألمانيا وتقدمه بطلب اللجوء فيها حتى 25 يناير (كانون الثاني) 2011 ومع بدء فعاليات الثورة المصرية قرر العودة الاختيارية لمصر بعد زوال خطر الظلم والقهر التي ارتبط بوجود نظام مبارك لعقود.

ألقي القبض عليه عند وصوله القاهرة، وعلى الفور تقدمنا بطلب لنقض الحكم، والذي تم قبوله وإخلاء سبيله، وبالتالي إعادة إجراء المحاكمة بشكل يضمن له كافة معايير المحاكمات العادلة كما حدث مع من صدر ضدهم في السابق أحكام بالإعدام في نفس القضية (8 لسنة 1988 عسكرية) ثم حصلوا على البراءة مع إعادة المحاكمة، ومن بينهم المتهمان الرئيسان وهم:

1- المهندس محمد الظواهري.

2- الدكتور سيد إمام.

حيث بلغ عدد من حصلوا على البراءة بعد قضائهم سنوات في السجن بموجب هذه القضية 17 متهمًا، ولكن الانقلاب العسكري الذي وقع في 3 يوليو (تموز) 2013 أعاد البلاد للوراء وتبدلت وجهة مصر من ديمقراطية حديثة إلى أرض الرعب والخوف التي تمارس فيها كافة انتهاكات حقوق الإنسان بصورة ممنهجة، وبالتالي تم عرقلة وتجميد عملية إعادة محاكمة المواطن سيد عجمي، الأمر الذي دفعه للخروج من وطنه مجددًا خشية ما كان يخشاه في خروجه الأول عام 1988، خصوصًا وأن عمليات الاحتجاز التعسفي والقضاء الاستثنائي والعسكري في مصر الآن وصل لمعدلات من اللا منطق من حيث عدد الضحايا والانتهاكات.

قصد الرجل تركيا هذه المرة ولو بشكل مؤقت على أمل لم شمله بأسرته في ألمانيا من جديد فتم توقيفه بموجب نشرة أمنية سلمتها مصر للإنتربول في عهد مبارك وصدور قرار بترحيله ووضع اسمه على قوائم أمنية (الكود 26 – الكود G87)، استطاع الفريق القانوني المشترك من جمعية الرابطة العالمية للحقوق والحريات وجمعية multece الحصول على أحكام بوقف الترحيل ورفع اسمه من القوائم الأمنية داخل تركيا وحصل الرجل على حريته بعد أن أنصفه القضاء التركي الذي لا يروق للغرب وعلى رأسه ألمانيا.

بدء رحلة العودة إلى ألمانيا بالبحر فتعثر الرجل في اليونان وتم توقيفه لفترة قبل أن يتم الإفراج عنه بجهود قانونية وما أن وصل إلى ألمانيا تم القبض عليه، ولكن هذه المرة لم تفلح كل الجهود القانونية والمطالبات والمناشدات للإفراج عنه أو حتى وقف ترحيله ومحاكمته أمام القضاء الألماني في حال وجود قناعة بأنه ارتكب فعل مخالف للقانون في مصر أو في ألمانيا!

فألمانيا دولة القانون والقيم الإنسانية قامت بترحيله إلى مصر فجر اليوم الثلاثاء 3 يوليو 2018 ولا عزاء لما نصت عليه الإتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب في المادة 3 الفقرة الأولى، والتي جاء فيها (لا يجوز لأي دولة طرف أن تطرد أي شخص أو تعيده أو تسلمه لدولة أخرى إذا توافرت لديها أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون في مواجهة خطر التعرض للتعذيب)، كذلك لما جاء بنفس المعنى والحظر المادة 33 من اتفاقية اللجوء 1951.

ألمانيا سلمته رغم ثبوت وقائع التعذيب والقتل التي تمارسها السلطات الأمنية في مصر داخل مقرات الاحتجاز والتي أودت بحياة مئات الأشخاص وأحدثت لدى عدد من المحتجزين أضرار نفسية وعضوية ليس من السهل التعافي منها.

وقائع وحالة أكدتها عدة تقارير دولية في مقدمتها التقرير الصادر من لجنة مناهضة التعذيب بالأمم المتحدة المؤرخ 8 سبتمبر (أيلول) 2017 الذي ذكر فيها أن عمليات التعذيب تمارس بشكل ممنهج على يد أربعة أجهزة أمنية في مصر وعشرات التقارير الأخرى التي رفعت جزء من الانتهاكات ورصدت استحداث انتهاكات لم تكن مدرجة من قبل.

لقد أصبح عرضة للتعذيب والتنكيل والإيذاء ومحاكمته أمام قضاء لا يتسع صدره لمتهم وينصاع طوعًا أو كرهًا لتعليمات السلطة التنفيذية، قضاء لا يعرف إلا البطش بحقوق التقاضي وتدنيس قيم العدالة والاستقلالية والعمل وفق ما نصت عليه القانون.

وبذلك نكون أمام ثالث حالة ترحيل لمصريين على خلفية قضايا سياسية بدأت في إسبانيا ومرت بالسودان، وأخيرًا ألمانيا صاحبة السوابق الوقحة في توقيف صحفايين مصريين استجابة لطلبات الأجهزة الأمنية كما حدث مع الاستاذ أحمد منصور الإعلامي الكبير والجدع ابن البلد الصحافي عبد الرحمن عز!

لليوم الثالث على التوالي لم تستطيع أسرة ومحامي الأستاذ سيد عجمي من التواصل معه أو حتى التعرف على ظروف ومكان احتجازه!

فهل ستكون آخرًا أم سيظل القوس مفتوحًا ليضم ضحايا جدد لا يتداعى لآلامهم عالم يسوده التوحش!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد