كان وما زال يقودني اضطلاعي وقراءتي للإعجاب والانبهار ببلد عظيمة كألمانيا، فقلما وجدتُ فلسفة أو أدبًا يضاهي عظمة الإرث الألماني في هذين المجالين تحديدًا، فهذا الإسقاط التاريخي لا يدل بتاتًا على وجود أي نظرة أُحادية لدى الكاتب كما هو الحال لدى القارئ، أي نعم جميع ما وصل لنا من علوم وفلسفات وأدب على مر التاريخ ينطوي تحت سقف الإرث الإنساني وكلي يقين بهذا، لكن وبطبيعة الحال لا يوجد أي مانع من تقسيم يدعو للمفاضلة الحميدة لهذا الإرث بمختلف أزمنته وأماكن نشأته، هذا وقلما إن لم تكُنّ تتواجد أي معايير محددة يتبعها الشخص منا لنقد أو إطراء أي إرث فلسفي أو أدبي وحتى تاريخي ككل، فقد نجد كلًا منا لديه رؤية خاصة يتوجب عليها أن تكون مُفعمة بالمعرفة والاطلاع الدائم المستمر لتصل على الأقل لمستوى يمكن من خلال تلك الرؤية طرح أي فكرة من رثاء أو هجاء مبنية على أساس معرفي واضح غير مُبهم .

عندما ينتابني شعور الجوع المعرفي، ستجدني في الغالب أنحازُ للميراث الألماني ودراسة عقلية هذه البلد المدهشة بأيقوناتها .

يوهان فولفغانغ فون غوته –شاعر ألمانيا العظيم– أحد أيقونات الثقافة والإبداع في أوروبا والعالم ككل.

كانت عقلية هذا الأخير تدهشني في اصطدامها بمعضلة الشر التي أثارت وقع الناس حتى ما قبل عصر النهضة، حيث قاب قوسين أو أدنى من الوصل لتسوية مقتنع بصحتها.

حيث رافقت غوته حادثة منذُ صغره متعلقة بإشكالية الشر، فقد حدث زلزال عام 1755م في لشبونة، وكان أثره عميقًا على نفس غوته خلف إحساسًا بالتضارب بين طبيعة الله الرحيمة أو على حد تعبيره «حنان الخالق الأبوي» وبين «القوة المدمرة للطبيعة جمعاء» وكانت النتيجة أنه قد فقد التصور المسيحي للإله وابتعد عن فكرة إضفاء الماهية على الشكل الإلهي وأصبح يبحث عنه في الأفعال، فتحول بشكل فعلي إلى أن يكون من أتباع الفيلسوف الهولندي «باروخ سبينوزا» بامتياز وتمسك بفكرتين أساسيتين هما: الجبرية ووحدة الوجود.

ولكن ظلت مشكلة الشر بالنسبة إليه إشكالية ليس لها حل لأنه لم يقتنع بفكرة سبينوزا أنهم مجرد حالات ذهنية نسبية ذاتية ليس لها أي وجود فعلي فقرر وهو في الفترة الراهنة البحث في عامة الأديان وأيديولوجياتها فكان يقول «أعظم سعادة للإنسان المفكر تكمن في بحثه عما هو قابل للبحث، وفي خشوعه وإجلاله لما يستعصي على البحث» .

ففي وسط بحثه وجد الحل الذي اقتنع به لإشكالية الشر في الدين الإسلامي – حيث وللتنويه كان لـ «هيردر» الفيلسوف الألماني تأثير بالغ على فكر جوته حيث كان أول من أرشده للاطلاع على الشعر العربي والقرآن الكريم – وفي فكرة إن عقيدة الإسلام الأساسية هي التسليم المطلق لمشيئة الله وحكمته.

فيقول غوته: عندما توفي صديقه الدوق كارل أغسطس «إنها مشيئة الله التي اختارها بحكمته، بينما نحن البشر الهالكين فلا نملك سوى التحلي بالصبر»، ويصرح في حالة أخرى «إن حياتنا وأعمارنا رهن بمشيئة الله».

وفي حالة ثالثة: «إن الله أعظم منا وأحكم، لذلك فهو يقدر لنا ما يشاء».

وقال: «لا يسعني أن أقول أكثر من أني أحاول هنا أيضًا أن ألوذ بالإسلام».

فعندما انتشر وباء الكوليرا كتب يرد على طلب النصيحة من صديقه «ليس بوسع امرئ أن يقدم النصح لامرئ آخر في هذا الشأن، فليتخذ كل إنسان القرار الذي يراه مناسبًا، إننا جميعا نحيا في الإسلام مهما اختلفت الصور التي نقوي بها عزائمنا».

نرى هنا تأثير الإسلام يتضح بقوة في رسائله الشخصية ونتيجة دراساته الإسلامية والقرآنية التي دعته يقول إن القرآن «مُحكم ومثير للدهشة وفي مواضع عديدة يبلغ قمة السمو حقا» لدرجة دعته يُعلن أنه «سيحتفل في خشوع بليلة نزول القرآن» ودراساته في السيرة وتأثره بشخصية سيدنا محمد بوصفه مصلحًا ومشرعًا قبل أي شيء آخر، ظهرت في مسرحياته وأشعاره في صورة قصيدة مدح للنبي «نشيد محمد» التي صوره فيها كنهر يتدفق بقوة ليصب في محيط الألوهية أو في مسرحية «تراجيديا محمد» واقتباسات متعددة من القرآن الكريم في شعره لدرجة نقل الصور والتعبيرات البيانية كما هي والتجليات الأهم في افكاره ورؤيته للعالم وللحياة كما يظهر بوضوح في رسائله الشخصية.

فتوحد كل هذه الأفكار كان في مفهوم وحدة الوجود عند شعراء فارس المسلمين وعلى رأسهم «حافظ الشيرازي» فكان ثمرة التوحد هذه ديوان غوته: «الديوان الغربي الشرقي». باعتباره تمثيلًا واضحًا للمزيج الصوفي الغربي السبينوزي والشرقي الإسلامي في جملة «كتاب أوله في المشرق وأخره في المغرب».

فهل اعتنق غوته الدين الإسلامي؟

ظل هذا السؤال حائرًا شاغلًا لبال الكثيرين، وربما رجع هذا لشغف غوته بالدين الإسلامي والقرآن والشخصية المحمدية ودراسته للشريعة الإسلامية وتعمقه بها، ومما قالته أستاذة الأدب الألماني «كاترينا مومزن»: إن علاقة غوته بالإسلام ونبيه ظاهرة مدعاة للدهشة في حياته، فكل الشواهد تدل على أنه في أعماقه شديد الاهتمام بالإسلام، وإن غوته كان يحفظ عشرات من آيات القرآن. وفي سؤال لها حول ما إذا كان غوته قد أسلم، قالت: إن إعجاب غوته بالإسلام لا يعني بالضرورة أنه اعتنقه وترى أن غوته كان يكن تعاطفًا للإسلام ولكنها تنفي أن يكون قد تحول إليه».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

غوته والعالم العربي
دراسات كاترينا مومزن عن غوته
مقال علي رضا «قراءة تفكيكية»
عرض التعليقات
تحميل المزيد