في دراسة باللغة الإنكليزية (1) نشرها موقع قناة DW الألمانية بتاريخ 27-3-2015، أي قبل موجة اللجوء بـ 6 أشهر تقريبا، أكدت هذه الدراسة “الألمانية” حاجة الجمهورية الألمانية إلى المزيد من المهاجرين لتعويض الفراغ الذي خلفه تراجع نسب الولادات فيها، وبالتالي فإن الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قد تصبح مصدرا مهما لجلب العمالة المؤهلة بما أن تعداد السكان في دول الاتحاد في تناقص مستمر.

 

وأظهرت الدراسة التي أصدرتها مؤسسة براتلسمان أنه على المدى الطويل، ستحتاج ألمانيا لاجتذاب عدد من المهاجرين يفوق بحوالي 533 ألف عن عدد أولئك الذين يغادرونها إلى بلدان أخرى.

 

وقد توصلت الدراسة إلى أنه بدون المهاجرين؛ سينخفض عدد الأشخاص الذين هم في سن العمل من حوالي 45 مليون في الوقت الحاضر إلى أقل من 29 مليون بحلول سنة 2050.

 

وأوردت الدراسة أيضا أن نصف العمال المؤهلين، وهم الأشخاص الذين ولدوا في فترة طفرة الولادات أثناء خمسينيات وستينيات القرن الماضي، سيحالون على التقاعد مع حلول سنة 2030، مخلفين وراءهم فراغا لا يمكن ملؤه إلا من خلال العمالة الوافدة.

 

من 2013 إلى 2050

تذكر الدراسة معلومات مهمة عن عدد من دخل إلى ألمانيا ومن خرج منها خلال 60 عاما مضت من داخل وخارج الاتحاد الأوربي، وتفصل أكثر عن عامي 2013 و 2014.

 

ففي الـ 60 عاما الماضية بلغ عدد من جاء إلى ألمانيا ثم غادرها حوالي 200 ألف شخص فقط.

 

وفي العام 2013 وصل إلى ألمانيا 440 ألف شخص، 140 ألفا منهم من خارج الاتحاد الأوربي من أجل العيش والعمل، و 300 ألف منهم من داخل الاتحاد الأوربي ولكن من المنتظر أن ينخفض هذا الرقم إلى 70 ألفا فقط بحلول سنة 2050.

 

وفي العام 2014 شهدت ألمانيا زيادة صافية في عدد المهاجرين على أراضيها بلغت 470 ألفا.

 

وخلصت الدراسة الى أنه سيكون من المهم جدا اجتذاب العمال المؤهلين من الدول غير المنتمية للاتحاد الأوروبي بالنظر لتناقص عدد السكان داخل الاتحاد.

 

ويتوقع الباحثون في قضايا الهجرة أن ألمانيا ستحتاج لما يصل إلى 490 ألف مهاجر من خارج الاتحاد الأوروبي سنويا إلى غاية سنة 2050.

 

حُسن تسويق القضايا القومية

رغم كل ما يقال عن اللجوء إلا أن الجانب الإنساني والأخلاقي كان حاضرا بقوة في المشهد الألماني على المستويين الحكومي والشعبي، على خلاف باقي المشاهد الأوربية.

 

فقد نزلت أعداد من الشعب الألماني ومعهم أولادهم وأمتعتهم من القطارات في ميونيخ وفرانكفورت مرحبين باللاجئين الجدد وهم يحملون بالونات وقدموا الماء والطعام والحلوى في مشهد مؤثر.

 

وحتى البابا فرنسيس دعى كل رعايا الكاثوليك في أوروبا إلى استقبال العوائل اللاجئة، مؤكدا “إن الإنجيل ينادينا ويطلب منا أن نكون قريبين للصغار والمتروكين، ومنحهم رجاء ملموسا”.

 

بالمقابل أنشأت دولة المجر سياجا حدوديا بطول 175 كم عبارة عن أسلاك شائكة على الحدود مع صربيا بهدف التصدي لموجة اللاجئين، وقال رئيس وزرائها فيكتور أوربان “إن تدفق اللاجئين على أوروبا يهدد بتقويض الجذور المسيحية للقارة، وإن الحكومات يجب أن تضبط حدودها قبل أن تقرر عدد طالبي اللجوء الذين يمكنها استقبالهم”. واعتبر موجة اللجوء “مشكلة ألمانية” الناجمة عن إعلان برلين أنها ستستقبل السوريين.

 

والدنمارك طلبت من خمس صحف تركية التعاقد معها لنشر إعلانات تدعو اللاجئين السوريين لعدم اللجوء اليها.

 

المدرسة الألمانية في صناعة الرأي العام

بعد أن تفوقت ألمانيا في صناعتها التي أبهرت العالم، كان من السهل عليها أن تجيد صناعة الرأي العام وتستثمره لصالحها خاصة وأنها تتكئ على فلسفة خاصة بها لتسويق قضاياها القومية.

 

وهنا لا بد لنا أن نشير إلى متلازمة رباعية صبت في خدمة الرأي العام واستطاعت ألمانيا صناعتها واستثمارها.

 

أولى أضلاع هذه المتلازمة هي الحاجة الحقيقة والملحة لجمهورية ألمانيا الاتحادية للاجئين.

 

وثانيها: الظلم الواقع على اللاجئ من قبل حكومات بلاده، فمعاناة السوريين والعراقيين مع حكوماتهم أشهر من أن توضح.

 

والثالثة: عدم وجود بديل عربي حقيقي يستطيع أن يوفر الكرامة والحرية كما توفره أوروبا، فدول الخليج الغنية بالنفط لديها حساباتها السياسية التي تمنعها من أن تكون بديلا عربيا.

 

وأخيرا: رغبة ومصلحة اللاجئ نفسه لما يرى في أوربا من حلم يمكن أن يحقق له كل ما يصبو إليه.

 

هذا الرباعي يشكل معادلة لا يمكن التأثير عليها ولا كسر أضلاعها على الأقل في الأفق المنظور.

 

وعند الرجوع الى المدرسة الألمانية وطرقها في إدارة الرأي العام نجدها تطبق ما يسمى “سيكولوجية الشعوب” والاهتمام بالروح الوطنية والروح الخاصة بكل شعب من الشعوب، وهي أساس فكرة “هيجل” في كتابه “فلسفة التاريخ”، وهذا ما ذكره عميد كلية الإعلام الدكتور كامل خورشيد في كتابه “مدخل الى الرأي العام” وأشار إلى نظرية أخرى تساند “هيجل” بقوله:

 

“إن الخبرة الألمانية ربطت مفهوم وظاهرة الرأي العام بنظرية الدولة، كما قدم ذلك جاكوب فرايز 1803 م في كتبه “فلسفة القانون نقد وتشريع” والذي اعتبر أن الرأي العام هو أساس حكم القانون داخل الدولة” (2).

 

وهنا استطاعت الحكومة الألمانية توظيف حاجتها الحقيقة والملحة إلى اللاجئين إليها في صورة إنسانية رائعة، وتجربة أوروبية مميزة، فحققت بذلك سد حاجتها من جهة، ورفع رصيدها الأخلاقي والإنساني من جهة أخرى.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[2] مدخل الى الرأي العام ص 65 – بتصرف
عرض التعليقات
تحميل المزيد