أول كلمة قالها صمويل كولت بعد أن اخترع المسدس: الآن يتساوى الجبان مع الشجاع، ومع ثورة الاتصالات وحرية التعبير التي أصبحت متاحة لمن يملك الوسيلة، لا لمن يملك المعلومة المبرهنة، تساوى اللبيب الكيس مع الأحمق الساذج، فكل ما تحتاجه هو جهاز يربطك بهذا الفضاء الأزرق.

لا عزاء لمن نهل من العلم والمعرفة طيلة سنوات أمام آخر استطاع التحدث فقط لأنه يمتلك الوسيلة، فلا عدل ولا إنصاف لصاحب ومنتج المعرفة أمام من يأخذها جاهزة دون فهم فحواها أو كيف تشكلت، في سلوك يشي بالتسطيح من جهة وبالكسل وحب الدليفري من جهة أخرى.

دليفري الطعام ودليفري المنتجات حتى وصلت الرفاهية إلى أن تصلك الأرجيلة إلى منزلك مشتعلة الجمر، فبين الرفاهية والكسل وكسب الوقت ينقسم رواد الدليفري في تعليل حالة الاستخدام. في مختلف الحالات إن وقع الضرر فهو شخصي يعود على المستهلك وحده، لكن المعلومة الدليفري أو الموقف والقرار الدليفري الذي يُعنى بالشأن العام، ثم تفرضه علينا وتسوقه لنا عبر منصات التواصل الاجتماعي، فهذا شطط لا بُد من وقفه.

وفي خلفية هذا السلوك بكل بساطة يستيقظ أحد من أتاحت لهم الوسيلة من نومه الهادئ على خبر إعصار يضرب فلوريدا، فيبدأ بالدعاء، وتفسير ما يجري بـِالعقاب الرباني، وآخر يشتم فصيلًا أو حكومة أو أمة على عنوان خبر لم يقرأ مضمونه، علمًا أن المضمون يكون جيدًا والعنوان للجذب والمفاجأة على كل حال النماذج كثيرة والسيرة طويلة، هذا العرض الموجز يقود إلى مشكلتين:

1– قلة القراءة وكثرة الكلام والأحكام بناء على معلومة عابرة أو عنوان فخم ضخم دليفري، فالمستهلك للمادة المكتوبة لا يريد أن يتكبد عناء القراءة، يريد الخلاصة فورًا، وفي سياق آخر يؤكد هذه الفرضية فقد انتشرت في الآونة الأخيرة عدة عبارات مثل (واعد فتاة تحب القراءة)، (إن الأنثى التي تقرأ لا تقع في الحب مبكرًا، فهي تبحث عن نظيرها الروحي) وصفت الكاتبة نائفة العامري، هذه الاقتباسات أنها عملية تضخيم لهالة غير موجودة أصلًا، بل لا يجب لها أن توجد أساسًا حول المرأة القارئة ولا حتى الرجل القارئ! حيث إن القراءة بذاتها لم تكن يومًا ترفًا أو درجة تميز يسعى لها العالمون، بل هي حاجة ملحة وضرورة حتمية لمن أراد أن يحيا.

أول ما نزل على رسولنا الكريم  محمد – صلى الله عليه وسلم – كان {‏‏اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}.‏‏‏

2– الاعتداء على الاختصاصات المهنية، أن تهرف بما لا تعرف، فترى الحداد والنجار والبقال يشرح عمل الراصد الجوي وكيفية إدارة المدارس. أيُعقلُ هذا؟!
عادة عندما أذهب إلى ميكانيكي السيارات أشرح له المشكلة وأنتظر منه حلولًا للعطل، محاولاً التعلم منه بالملاحظة والاستفسار دون أن أشرح له كيفية عمله التي لا أعرفها أساسًا.
* رحم الله امرأ عرف قدر نفسه فوقف عنده.

حق التعبير عن الرأي متاح للجميع، لكن على ما يبدو اختلط الحابل بالنابل، فالتعبير عن الرأي أمر وفرض الرأي دون سند أو منطق أو اختصاص يضفي العقلانية و الموضوعية على القضية أمر آخر.

شعب الدليفري هو لفظ أطلقه على من أراد الظهور مسجلًا حضورًا دون أدنى جهد يذكر، ومع هذه الوسلية فالحضور أنا أضمنه لك، فكلنا سواسية الحقوق في دولة مارك زوكربيرج، لكن ما طبيعة ذلك الحضور أنت من يحدد مهرجًا، متفرجًا، رصينًا، لبيبًا. ستكون الحياة أكثر سلاسة وإيجابية لو تركنا لكل مختص عمله الذي يحترف به، و كما يقول المثل (أعط خبزك للخباز ولو أكل نصفه).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك