في عام 1960، كان رائد أفلام الرعب والتشويق، المخرج الأمريكي العظيم «ألفريد هيتشكوك» يمر بمرحلة ركود فني وإبداعي قاسية، كان يبحث عن نص يقدح زناد عقليته الإبداعية، واستمر وقتًا طويلًا دون أن يجد شيئًا مشبعًا، حتى وقعت بين يديه رواية «Psycho» – المريض النفسي- لروائي شاب وقتها يدعى «روبرت بلوش». الرواية تتناول علاقة سكرتيرة هاربة، بمالك الفندق الصغير الذي تختبئ فيه، وغرابة أطوار هذا الرجل الذي يبدو مقيدًا بسيطرة غامضة تربطه بأمه التي لا تظهر، ولا يعلم مكانها أحد حتى نهاية الفيلم.

 أطارت الرواية النوم من عيني هيتشكوك، وقرر تحويلها لفيلم، ولما رفضت الأستوديوهات الكبيرة تمويل الفيلم الذي يحمل جانبًا كبيرًا من المخاطرة، قام ببيع منزله ومول الفيلم بنفسه. جاء هيتشكوك لزوجته الكاتبة السينمائية «ألما ريفيل» يومًا ملوحًا بالرواية، وبدأ يقرأ لها من أكثر مشهد أثار انتباهه، مشهد مالك الفندق الشاب غريب الأطوار وهو يتسلل إلى حمام الغرفة، حيث تستحم الفتاة، يدخل الشاب يده وهي تحمل سكينًا ضخمًا بين ستائر الدش. يخبر هيشتكوك زوجته: «سوف أقتل البطلة خلال النصف الأول من الفيلم، سيكون شيئًا غير مسبوق»، تفكر «ألما» قليلًا ثم تنفث دخان سيجارتها قبل أن ترد بنفس الجدية: «اقلتها خلال أول نصف ساعة!».

في فيلم التشويق والرعب الصادر مؤخرًا «Get Out»، نلمح نفس أمارات العبقرية في نص أصلي محكم من إبداع «جوردان بيلي» الذي أخرج الفيلم في نفس الوقت. المثير للدهشة أن Get Out هو الفيلم الأول لجوردان، والذي اعتدنا على رؤيته ممثلًا كوميديًّا في أفلام وسلاسل تلفزيونية من أشهرها «Key and Peele» الذي نال عنه جائزة الإيمي برايم تايم عام 2012، وعلى الرغم من كونه باكورة أعماله إلا أن الفيلم أحرز صعودًا صاروخيًّا على مؤشر IMDB الشهير ليحتل المرتبة 228 في قائمة أفضل أفلام أمريكية في التاريخ (يقوم جمهور IMDB بالتصويت) متخطيًا أفلامًا أسطورية مثل أيقونة ستيفن سبيلبيرج Jaws، ورائعة تيري جليام Twelve Monkeys.

الفيلم يدور حول «كريس» – الممثل الإنجليزي دانيل كالويا-، شاب أمريكي من أصل إفريقي يخطط مع صديقته البيضاء «روز أرميتاج» – أليسون ويليامز- لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في منزل أهلها، واللذان يتعرفا إلى كريس لأول مرة ولا يعلمان أن ابنتهما تواعد شابًا أسود. وعلى الرغم من تحفز كريس وقلقه من ردة فعل أهل روز، إلا أن والديها – ميسي ودين أرميتاج- يقابلانه بحفاوة وتلقائية شديدتين دون إبداء أي دهشة أو امتعاض من أصوله الإثنية المختلفة.

ولا يكاد كريس يتنفس الصعداء، حينما يفاجئ بسلسلة متتابعة من الأحداث الغامضة، وغير المفهومة. لم يكن أول تلك الأحداث حقيقة أن والدة روز، السيدة ميسي تعمل معالجةً نفسية وتستخدم التنويم المغناطيسي أداةً علاجية، وتقترح عليه أن تقوم بتنويمه مغناطيسيًّا لمساعدته على الإقلاع عن التدخين من جلسة واحدة، ويصر والد روز، السيد دين على ذلك، بينما يشكرهما كريس بأدب مندهشًا من إصرار والد صديقته.

ثم يكتشف كريس أن الأسرة لا توظف في خدمتها سوى السود! الخادمة سوداء ترتدي ملابس رسمية تشبه ملابس الخدم الذين كانوا يعيشون في كنف الأسر البرجوازية من عقود، وأيضًا عامل الحديقة رجل أسود. وكلاهما يبدوان في حالة ذهنية غريبة، تصرفاتهما آلية وكأنهما روبوتات، وملامحهما شمعية متصلبة، وعيونهما زجاجية تعكس خواءً رهيبًا، باختصار وكأنهما منومان مغناطيسيًّا.

يشعر كريس بعدم الراحة، وخصوصًا مع مراقبته لتصرفات الخادم والخادمة، في ليلة ما يقف خارج المنزل ليدخن لفافة تبغ فيفاجأ بـ «والتر» الخادم يجري خارجًا من الغابة القريبة بسرعة الصاروخ ومتجهًا إليه مباشرة وكأنه سيرتطم به. ليلة أخرى يراقب «جورجينا» من نافذة غرفتها حيث تنظر إلى انعكاس وجهها في المرآة وتقوم بتعبيرات غريبة. كان الوقت متأخرًا وبدا وكأنها مستيقظة طوال الوقت دون نوم.

اعتقد كريس في البداية أن الأسرة تخفي ميولًا عنصرية تدفعها لاستخدام أشخاص سود فقط، وتضعهم تحت ضغط عصبي وذهني شديدين، وأن الأب والأم يخفيان ذلك تحت قناع زائف من التحضر والتسامح. تحاول صديقته «روز» إقناعه بالعكس، وأن مخاوفه كلها لا محل لها من الصحة، وأن الأمر فقط لا يعدو سوء فهم لعدم اعتياده بعد على الأسرة وطريقتها في الحياة.

إلا أن الأمر يخرج عن إطار سوء الفهم عندما تتأكد مخاوف كريس في إحدى الليالي بشكل مروع، كانت الأم «ميسي» تجلس في حجرة المعيشة وتحمل في يدها فنجان شاي تقلب محتوياته بمعلقة فضية صغيرة، عندما دعت كريس إلى الجلوس معها وأجبرته على الخضوع للتنويم المغناطيسي الذي تمارسه. ومع تحريكها للملعقة في حركة دائرية ومع الصوت الصادر برتابة مرعبة نتيجة احتكاك المعدن بالخزف، كان كريس يغوص أكثر وأكثر في حفرة التنويم المغناطيسي، وأصبح غير قادر على الإطلاق على تحريك أي من أطرافه، أو حتى أن يرمش بجفنيه.

تحولت ملامح الأم ميسي – الممثلة الجميلة المخضرمة كاثرين كينر بطلة أفلام عظيمة مثل Capote وBeing John Malkovich- من ابتسامتها الهادئة الدافئة، إلى تعبيرات صارمة وقاسية. أدرات معلقتها أكثر وأمرت كريس المذعور: «اغرق!»، تعرق كريس، وتعالت دقات قلبه، وتساقطت دموعه من مقلتيه اللتين احمرتها بلون الدم – وهو المشهد الأيقوني الذي استخدمه صناع الفيلم في البوستر الرسمي للعمل-، وبدأ يشعر أنه يهوي من فتحة بئر، ويغرق في فراغ أسود بلا نهاية، تكرر ميسي الأمر ببرود قاسٍ: «اغرق!».

ومن فتحة البئر كان يرى العالم الخارجي، ويرى ميسي وهي تنظر إليه من الأعلى كعملاق متوحش يتسلى بتعذيبه قبل التهامه، إلا أنه لم يكن قادرًا على المقاومة، أو الصراخ، أو حتى التفكير السليم.

صنع «جوردان بيلي» الفيلم ليبدو وكأنه مزيج بين خطين دراميين كل منهما أكثر إثارة من الآخر، كأن هناك بشرًا ما يزالون يقومون بتجارب على البشر أشبه بالتجارب النازية الرهيبة، وكأن أيضًا هناك عصابة عنصرية من البيض متخصصة في أسر واستعباد السود.

يلعب بيلي في منطقة «العنصرية» شديدة الحساسية في المجتمع الأمريكي، وخصوصًا بعد عام صعب على الأمريكيين من أصل إفريقي، والذي قتلت فيه الشرطة أكثر من 250 شابًا أسود على خلفية عنصرية. وكأنه يواجه المجتمع بالحقيقة. وفي نفس الوقت يعلن خشيته من استخدام السود في تجارب اجتماعية تهدف لإنتاج إنسان أعلى أبيض، السوبرمان الذي بشر به فلاسفة القرن الماضي مثل نيتشه، والتي بدأت الأفلام مؤخرًا في إلقاء الضوء عليه، مثل فيلم The Belko Experiment الذي صدر منذ أسابيع قليلة، أو فيلم Split آخر إبداعات عبقري آخر هو المخرج الأمريكي من أصل هندي «إم نايت شايمالان».

تمضي أحداث الفيلم بشكل مثير حيث لا تدع للمشاهد فرصةً لالتقاط أنفاسه، أو الالتفات بنظره بعيدًا عن الشاشة ولو لوهلة، وتتعقد خيوط القصة فيما يتصاعد تشوق المشاهد لمعرفة كيف ستصير الأمور في النهاية، وما هو هدف تلك الأسرة الغريبة من كل ما تفعل، ولماذا يتصرف خدمهم السود بتلك الطريقة، وما هو هدف تلك الحفلات الاجتماعية التي يقيمونها في منزلهم ويستضيفون فيها أناسًا بيضًا ذوي تصرفات مثيرة للريبة، وكيف سينجو كريس من فخ التنويم المغناطيسي الرهيب.

بالضبط مثل أعمال عظام التشويق هيتشكوك، وفينشر، وشايمالان، يخرج جوردان بيلي فيلمًا عبقريًّا على الرغم من كونه فيلمه الأول؛ مما يعني توقع المزيد من الأعمال العظيمة لهذا المخرج ذي الموهبة الاستثنائية، خلال الأعوام القليلة القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست