تتوق النفس البشريّة إلى الحرية، ولا تستطيع أن تتعامل مع أي حظر للتجوال إلّا وكأنه حبس إجباريّ، الناس الآن سجناء منازلهم، وباء كورونا أخضعهم للمكوث في بيوتهم.. رافقهم إليها أحيانًا، وبقي في الخارج أحايين أخرى، ومع ذلك، فمن يعتقد أنّه حديث عهد بحظر التجوّل فهو مخطئ.. فكلنا قد خضنا هذه التجربة المريرة بطريقة أو بأخرى خلال مراحل عمرنا.

لن أتحدث عن حظر التجول الذي أمضيناه منذ كنّا أجنّة في بطون أمهاتنا مدة تسعة أشهر، إذ كنا حينها لا نحسن التجول، ولا نعرف شكل العالم في الخارج، لكني سأتحدث عن التقميط الذي أظنه حظرًا للتجوال في السرير، وهو عادة قديمة العهد، منتشرة في كثير من بلدان العالم الثالث، إذ يتم تثبيت الطفل بقطعة قماش يلفّ بها، بحيث تشدّ يداه ورجلاه للأسفل، ويُلف بشريط قماشي كأنه قطعة واحدة، حتى يصبح قوامه أقرب لهيئة سندويشة الفلافل منه إلى طفل رضيع.

حظر لم يعد يفي بالغرض، بعد أن تزداد مكونات سندويشة الفلافل «فتفلّش» ويصعب لفها، فيصبح التقميط عصيًّا على السلطات المنزلية، وهنا يلجؤون إلى سرير الخشب بأعمدته الطويلة أو سرير الشبك، وهو شكل آخر من أشكال حظر التجوال في المنزل، لا تقل لي إنك لا تتذكر شكل العالم من خلف شباكه الأربع المحيطة بسريرك، ومحاولاتك المريرة لفك الحظر، وكيف كان قلبك يخفق بسرعة كلما اقترب أحدهم منك على أمل أن يفكّ عنك هذا الحظر، فتنطلق في مسعاك.. أنت هنا لا تعرف إن كنت معاقب أم أن حظر التجوال هو في صالحك وصالح الأسرة العام.

لكن كرسي العقاب أو (كرسي المشاغبين) هو حتمًا حظر من ورائه تنفيذ لمحكوميتك بعد ذنب اقترفته، فهو كرسي يوضع في إحدى زوايا غرفة المعيشة، ويتم إلزام الطفل المخطئ بالجلوس فيه مدة معينة، وعلى حد قول علماء التربية الذين يروجون «للتربية المسالمة»: إن العزل هو من أفضل الوسائل التربوية، لأنه نوع من الترويض الذاتي؛ يمنح الطفل الوقت ليتصارع مع مشاعره، ويتيح له فرصة للتفكير ومراجعة النفس، وهي عقوبة معدّلة وراثيًا لعقوبة الوقوف والوجه «يتمرأى» بالحائط مع رفع اليدين، وأحيانًا الوقوف على رجل واحدة، كم هي مملة تلك الجدران المحيطة بنا.

غرفة الفئران

جيل الثمانينات أو التسعينات خضع للحبس في الغرف كوسيلة للعقاب مارسها الشرق والغرب على حد سواء، دور رعاية الأطفال في ستافوردشاير بالمملكة المتحدة – على سبيل المثال – كانت تحبس الأطفال في غرف معدة كحبس انفرادي، لا يسمح لهم بالتحدث مع أحد، ويطلب منهم القيام بمهام متكررة، وقد يستمر حبسهم لأسابيع أو حتى لأشهر، مما دفع الحكومة آنذاك في فترة ما بين عامي 1990 و1991 للتحقيق في الأمر من خلال لجنة أطلق عليها اسم «لجنة التحقيق في الحبس في الغرف» لتخرج بنتيجة أن تلك الممارسة غير أخلاقية وغير قانونية.

فيما لم نجد من يحاكم بعض معلمات الشرق الأوسط، اللواتي هددن جيلًا بأكمله بالحبس في غرفة الفئران؛ تلك الغرفة المظلمة التي كان يتم تهديد الطلّاب بدهن آذانهم بزيت الزيتون قبل إدخالهم إليها حتى يتلهف الفئران لقرضها.. غرفة ملهمة لتأليف قصص رعب متسلسلة فذاك يصفها وما تحتويه وهو لم يشاهدها قط، وآخر يقول أنها مليئة بالعفاريت والأرواح الشريرة، وهناك من يقول أنه لمح جثة طالب فيها تُركت حتى تعفنت، وإلى الآن لا نعرف إن كانت هذه الغرف تحتوي فعلًا على الفئران أم أنها مخزن تُرمى به «كراكيب» المدرسة.

مقصورات بحجم المرحاض

في بريطانيا تلك الغرف اختزلت الآن إلى مقصورات بحجم مقصورة المرحاض وتسمى «Isolation» ويطلق عليها أسماء أو صفات مختلفة مثل: وحدات العزل.. ورد الفعل، خارج المجال، غرف التهدئة، غرف التأمل، التي أصبحت جزءًا رئيسًا من نظام التعليم في بريطانيا وهي مقصورات منفصلة عن الفصل الدراسي يتم إرسال التلاميذ إليها كنوع من العقوبة، تستخدمها العديد من المدارس كجزء من الإجراءات التأديبية.

في هذه الغرف لا يسمح للتلاميذ بالمضغ، أو النقر أو التنهد أو الالتفات يمنة أو يسرة أو وضع الرأس على المكتب أو هز الكرسي أو حتى فك زر قميصهم العلوي، كما لا يمكنهم رؤية أشخاص آخرين، وإن خالفوا التعليمات يُضاف لهم يوم آخر من العزلة، تخبرنا المقاعد الخشبية بالحروف الأولى لأسماء بعض الطلاب الذين عوقبوا إذ ينحت البعض أسماءهم بعد ساعات من الملل.

عادة ما يقضي الطلاّب المعاقبون أوقاتهم في حل كومة كبيرة من الأوراق معظمها تمارين رياضية سهلة مثل: «3 × 7» أو أسئلة حول الخلايا النباتية، وكلها غير ذات صلة بما قد يحتاجونه للحصول على شهادات GCSE التي تحدد مستقبلهم، وإذا كان الطالب معاقب لمدة عدة أيام فإنه سيحصل على نفس كومة أوراق العمل التي أكملها في اليوم السابق، ذلك يذكرني بما كان يسمى – بالجزا – الذي كنا نقوم به في مدارسنا العربية، نعيد جملة بعينها مئات الأسطر كنوع من العقوبة وتثبيت المعلومة معًا.

نظن أننا كبرنا على الحظر

نظن أننا كبرنا وتجاوزنا مرحلة التقميط وسرير الشبك وعقوبات الكرسي والغرف فتنص العائلة قوانين أخرى لحظر التجوال، فمثلًا لا يجوز التجول أثناء استقبال الضيوف وغالبًا ما يتم حجر الأطفال في غرفهم طيلة وقت الزيارة فيما يحاولون استراق النظر إلى ما يحسبونها كائنات غريبة جاءت لزيارتهم وتناول الأطباق طيبة المذاق المقدمة لهم.

وبعض البيوت لا يمكن لأفرادها مغادرة غرفهم بعد الساعة العاشرة ليلًا، فالأب يعود متعبًا من العمل ويرغب بالخلود إلى النوم مبكرًا لأن عمله يتطلب منه أن يستيقظ مبكرًا أيضًا، فيما تحظر بيوت أخرى التجول في المطبخ بعد الساعة العاشرة فتمنع فتح باب الثلاجة حتى أن لثلاجتها قفل يبقى مع صاحبة المنزل حتى صباح اليوم التالي.

هناك حظر تجوال من نوع آخر تفرض فيه السلطات المنزلية وقت محدد للعودة إلى المنزل. ذات مرّة حدثتني صديقة قالت أن والدها يمنعها من التأخر خارج المنزل بعد الساعة السابعة مساءً فيما يتحتم على أخيها العودة للمنزل قبل حلول الساعة الثانية عشرًا ليلًا مما جعل بعض أصدقائه يلقبونه بسندريلا. أما من عاش الربيع العربي فلا بد أنه جرّب حظر التجوال في أعتى فصوله السياسية.

امتياز لا عقاب

يرى البعض أن فكرة العزل يحتاجها الكثير من البشر، لكن يجب التعامل معها على أنها امتياز وليست عقاب، ذلك ما نحتاجه الآن أن نتعامل مع البقاء في البيت على أنه فرصة وميّزة لا عيب، على الأقل نستطيع أن نتنهد في منازلنا أو نفك زر قميصنا العلوي ولا نخاف من استخدام زيت الزيتون أو نلقي برأسنا ونغفو على مكاتبنا أو نغادرها إلى سريرنا متى ما أردنا.

وإذا كانت عبارة «اذهب إلى غرفتك» تعني ضمنيًا، «اكبت مشاعرك الكامنة إلى أن تكون مستعدًا للتفاعل مع العالم من جديد» كما يحلو لبعض علماء التربية تفسيرها، عندما تُقال لنا ونحن أطفال فعبارة «خليك في البيت» في أزمة كورونا تعني أن ابقى في منزلك بأمان حتى يكون العالم مستعدًا للتفاعل معك من جديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حظر تجوال

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد