أغلبنا يتعامل مع المطبخ كمكان لإعداد الطعام بمختلف أنواعه، لا أكثر. في حين يبدو أن ستكون له استخدامات أخرى غير تقليدية تلوح في الأفق القريب.

هذا ما بدأه بالفعل أندرو بيلينج «العالم المجنون» حسبما يصفه رفاقه، بينما يصف هو نفسه بالمُخترق البيولوجي «Biohacker» المُولع بتجميع المخلفات التقنية، وإحيائها من جديد في صورة أشياء مُبتكرة.
دفعه الفضول هذه المرة لمعرفة هل يمكننا أن نبني أجزاء من أجسادنا من أشياء موجودة بمطابخنا؟

نبذة عن تاريخ زراعة الأعضاء

يعود تاريخ زراعة الأطراف البشرية إلى القرن الثامن عشر الميلادي، حيث أجرى الباحثون العديد من التجارب على الحيوانات والبشر سواء. كانت هناك العديد من الإخفاقات على مر السنين، حتى تدرج مجال زراعة الأعضاء في الوصول إلى ما هو عليه الآن من تقدم هائل.

لم يكن حتى منتصف القرن العشرين حتى بات العلماء يجرون عمليات زراعة أعضاء ناجحة، تُمكن مُتَلقّيها من النجاة والحظو بفرصة حياة جديدة. أصبحت الآن عمليات زراعة الكبد، والكلى، والقلب، والبنكرياس، والرئة، والأمعاء، والقلب، والرئة معًا تُجرى كعلاج طبي روتيني.

ساعدت في ذلك الاكتشافات العلمية العملاقة بمجالي زراعة الأنسجة، والمناعة. حيث يسَّرت أدوية تثبيط الجهاز المناعي كالـسايكلوسبورين قبول الجسم للعضو الجديد، مساهمةً بذلك في إجراء المزيد من العمليات من هذا النوع، بالإضافة لإطالة معدل عمر النجاة للمستقبلين.

إحصائيات حول بعض المشاكل التي تعترضه

لسوء الحظ تستمر الحاجة لزرع الأعضاء بتجاوز الإمداد الصالح للزراعة المتوفر منها بالفعل. فنجد أنه هناك تقريبًا 22 شخصًا تنتهي حياته يوميًّا أثناء انتظاره القيام بعملية زرع عضو. كما يُضاف بكل عشر دقائق أحدهم لقائمة الانتظار القومية بالولايات المتحدة، التي يبلغ عدد الحالات المُسجَّلة فيها أكثر من 120 ألف مريض بانتظار عملية زرع، وفقًا لإحصاء قسم الصحة والخدمات البشرية الخاص بها.

دخول قائمة الانتظار ليس بالأمر الهين رغم ذلك، فعليك أن تكون محظوظًا بالقدر الكافي الذي يؤشر بأن لديك فرصة نجاة خمس سنوات تتجاوز نسبتها الـ 50%، بعد إجراء العملية لك. مع هذا بعد تخطي نسبة قبول الإدراج بالقائمة يخرج منها عدد جليل في وقت لاحق، إما لتدهور حالتهم فيصبحون غير مناسبين تمامًا، أو أن توافيهم المنية أثناء فترة الانتظار.

ولأن أعضاءنا برغم التقدم المذهل بالطب الحديث ليست قادرة بعد على تعدي عمرها الافتراضي، والنجاة من حتمية الوصول لتاريخ انتهاء يُسدَل معه الستار على صلاحيتها لأداء وظائفها المُعتادة بشكل سليم. يسعى الباحثون والأطباء ومتخصصو الهندسة الوراثية وغيرهم من شتى المجالات، لزراعة أعضاء بشرية صناعية عبر طرق متنوعة، قادرة على استبدال مكوناتنا الداخلية، وتلبي الحاجة المتزايدة لها.

زراعة أذن بشرية من التفاح

يعتقد أندرو بيلينج الباحث الكندي في مجال البيولوجيا والفيزياء بجامعة أوتاوا، أن بإمكانه زراعة أجسام بيولوجية حية تقوم بوظيفتها، بدون إجراء أية تعديلات من أي نوع على الحمض النووي DNA الخاص بها.

في معمله الخاص بالجامعة نجح هو وفريقه من الباحثين في زراعة آذان كاملة باستخدام حبات التفاح، وخلايا بشرية. أما عن الطريقة المُتَّبعة يُوضحون لنا خلال الورقة البحثية التي قاموا بنشرها بمجلة PLOS ONE تجاربهم على حبة تفاح، قامت زوجته التي تعمل بصناعة الآلات الموسيقية بنحتها على شكل أذن بشرية. من ثم قاموا بإزالة جميع خلايا التفاح منها مصحوبة بالحمض النوويDNA الخاص بها، مُبقين فقط على الهيكل الذي يُشكل بناءها الخارجي، والمُكون من السليلوز.

في هذه الحالة يعمل الهيكل كسقالة خلوية cellular scaffold تتم زراعة خلايا حية نامية لتكبر داخله. وهذا ما فعلوه حيث استبدلوا خلايا التفاح التي أُزيلت بخلايا بشرية، بدأت بالانقسام والتضاعف لتملأ السقالة أو الحاملة الخلوية التي زُرعت داخلها؛ لتأخذ شكلها الذي كان في هذه الحالة الأذن البشرية التي نُحتت حبة التفاح على هيئتها بالبداية.

مدى أدائها الوظيفي بالجسم البشري

هل يمكن وصلها بالجسم البشري لتعمل كـ أذن بديلة وتمارس وظيفتها بشكل طبيعي؟

يجيب أندرو على ذلك بنعم يمكن زراعتها بالجسد، وهذا ما جربوه بالفعل على الفئران. وجدوا أن خلايا الأذن التي زُرعت قامت بالتضاعف والتشكل إلى خلايا وأوعية دموية، وبدأت بإرسال إشارات تستدعي إمدادًا لوصول الدم إليها.

إلا أنه لا يمكنها السماع لعدم التمكن من إيصالها بالجهاز العصبي بعد. الأمر ما زال قيد البحث حتى اللحظة، والفكرة يلزمها العديد من التطوير قبل دخول مرحلة التجارب الإكلينيكية. يلي ذلك تجربتها لتقييمها وتحديد ما إذا كانت صالحة للتطبيق.

المميز بهذه الطريقة

ربما قرأتم عن طريقة استخدام الحاملات الخلوية في زراعة الأعضاء من قبل، هذا صحيح الفكرة ليست جديدة. حاول العلماء من قبل استخدام الخلايا الجذعية stem cells، والحاملات الخلوية cellular scaffold في تكوين آذان بشرية بديلة، وأطراف جسدية أخرى. فما المميز بطريقة أندرو وفريقه إذن؟

يبين لنا في حديثه بإحدى حلقات مؤتمر TED أن الميزة بتجربتهم هي استخدامهم للتفاح كحاملة خلوية، صنعت من فاكهة متوفرة زهيدة الثمن. بعكس الحاملات الأخرى الشائعة تجاريًّا، المصنوعة من الحيوانات أو الجثث، والتي تكون باهظة التكلفة.

إضافةً لإتباعهم خلال تجاربهم خطوات قليلة معدودة وصفها بالبسيطة، خلافًا لطرق المعالجة الكثيرة والمُعقدة التي تُجرى في العادة بالتجارب الأخرى. يقول أندرو: «إننا ببساطة نفعلها بشكل أرخص وأسهل، وقد تمكنا من إزالة العديد من المعوقات، لذا من الممكن بالفعل أن تكون التجربة ذات تأثير حقيقي. والآن وقد قطعنا هذا الشوط إنني حقًّا أشعر بالفضول حول معرفة ما يمكن وما لا يمكن تحقيقه».

كيف أتت لهم الفكرة؟

نشأت الفكرة من موقف عجيب، أثناء حوار عادي دار بين أندرو وفريقه بمعملهم حول إحدى الشخصيات الخيالية بفيلم «Little Shop Of Horrors» ، التي تتمثل في نبات متوحش آكل للبشر، حينها شرعوا في التساؤل هل بإمكانهم زراعة هذا النبات بالمعمل؟!

وبالفعل لم يكن مجرد سؤال هزلي عابر، بدأ أحد طلاب الدكتوراه التابعين للفريق العمل على أوراق الشجر نازعًا خلاياها، وإذ ببعض المشاكل تواجهه عندما حاول نزع الغطاء الشمعي الذي يُغلفها. صادف حينها أن لمح أحد الأعضاء بالمعمل يتناول حبة تفاح، فأنار ذلك مصباح الأفكار الإبداعية فوق رأسه، يحمل فقاعة تقول «لما لا نستخدم التفاح بدلًا من الأوراق، فبإمكاننا تقشيره ونحته على أشكال مختلفة».

اتجاه نحو استخدام الخضراوات أيضًا

اتجه أندرو وفريقه للتفكير في استخدام الخضراوات كذلك، الأمر ليس حصرًا يقتصر على التفاح. بجانب عرضه الموجز لأفكاره شاملةً يحدثنا في هذا الفيديو عن تجاربهم حول نبات الهليون، الذي يشبه تركيبه الداخلي شبكة من الأوعية الدموية.

ويشرح إطلاقهم محاولات لزراعته بالحبل الشوكي لفئران مُصابة، من ثم تحديد ما إذا كان سيساعدها في التعافي من الخلل المُصاحب بالوظائف الحركية.

يصف أندرو حرصه على جعل مختبره بيئة خلّاقة تُساهم في ولادة الأفكار الإبداعية. لديهم أماكن للعب والترفيه، وطاولة يجتمعون عليها لإدارة حلقات نقاشية، تمكنهم من التفكر معًا ومشاركة تساؤلاتهم.

كما يضيف أنه يهدف لتسليط الضوء حول فكرة الفضول ذاتها، وإبراز قيمته وما يمكن أن يؤدى إليه التساؤل والبحث من نتائج وحلول مبهرة. علاوةً على كونها تُسهم في إنقاذ آلاف الأرواح، أضف لذلك الخروج بحلول قد تبدو تافهة لمشاكل مُستعصية، ونتساءل حينها كيف لم نفكر بها من قبل؟!

من يدرى لعل الأمر يمتد من التفاح والهليون لباقي الفواكه والخضراوات، ونصبح قادرين مستقبلًا على نحت الأعضاء التي نريد في مطابخنا الخاصة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أعضاء
عرض التعليقات
تحميل المزيد