لم يكد العام الثانى للصلح بين قريش ومحمد – صلى الله عليه وسلم – في الحديبية يكتمل حتى نقضت قريش العهد؛ فعاونت بني بكر بالسلاح وقاتلت معهم خزاعة التي كانت في عهد رسول الله. فما كان من محمد – صلوات الله وسلامه عليه – إلا أن حشد جيشًا قوامه 10 آلاف مقاتل، وتوجه به إلى مكة، ففتح الله عليه ودخلها سلمًا دون قتال ليتحقق الوعد الإلهى الذي وعده الله لرسوله إبان الصلح؛ ويصدق الله رسوله مع أصحابه بذلك الفتح المبين.

لم يكن ذلك الصلح والأحداث التي رافقته إلا مثالًا يحتذى، ودليلًا يهتدى به المسلمون في طريق وعرة تسكنها واحدة من أكبر الإشكاليات التي تواجه المسلمين في كل عصر. كيف ولماذا نصالح ومتى يكون الصلح لاغيًا؟ فمهادنة المشركين والكفار خاصة المحاربين، والصلح معهم ليس بالأمر الهين، بل أمر يتعلق بعقيدة الولاء والبراء، والحب والبغض في الله، وهي أوثق عرى الإيمان.

بداية لا ترتبط براءتنا من الكفر وأهله بظلم أحد، أو انتقاصه حقًا من حقوقه، أو إكراهه في الدين، أو حتى قطيعتنا معه في المعاملات المالية والتجارية، ولو كان حربيًا؛ طالما لم يكن في ذلك عون له على المسلمين كأن نمده بالحديد الذي يصنع منه السلاح، أو نبنى له منزلًا على أرض مغتصبة كالمستوطنات مثلًا. لذلك فالأمر لا يرتبط بالضرورة بالمقاطعة الاقتصادية كما يروج البعض، وذلك تيسيرًا على المسلمين، وإنما يرتبط في المقام الأول بقناعات المسلم وعزته، والولاء للدين، ونصرة المسلمين أينما كانوا. وأن يعتقد ويستقر في قلبه وعقله بطلان ما يعتقدون، فيكون في وقت الهدنة في حالة جاهزية واستعداد تام متى جد جديد. لا أن يواليهم ويتوحد معهم فكريًا وثقافيًا وأمنيًا، ويربي أولاده على صحة معتقداتهم ومواقفهم بغرض تشويه الوعي الجمعي للمجتمعات العربية والأجيال الناشئة؛ فتتغير البرامج الثقافية والتعليمية، ويتم الترويج لسلام أبدي، وغير مشروط مع أعداء الأمة الإستراتيجيين.

ومن ثم لا نجد رابطًا يربط بين الصلح وهؤلاء الذين يرجعون إليه للاحتيال وتبرير تخاذلهم وتطبيعهم مع العدو، فهم أبعد ما يكون عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم. فالرسول الكريم هادن وصالح وسالم، لكنه لم «يطبع»؛ بمعنى أنه صلوات الله وسلامه عليه لم يجعل العلاقات بينه وبين أعدائه عادية، وكأنها علاقات مع أمة المسلمين. فلم يعن الصلح مع قريش أن يتماهى المسلم مع الكافر، أو أن يتبادلا عبارات المودة والمحبة، أو أن تطبع قريش المسلمين بطبعها، أو تخلقهم بأخلاقها، أو تجبرهم على الانقياد لها. ولم يكن الصلح أبديًا، بل كان محددًا بمدة بحيث يخرج المسلمون من حالة الضعف إلى القوة، ويشتد ساعدهم ويكثر عددهم. وهو ما تحقق بالفعل بدخول كثير من القبائل في الإسلام إبان الصلح حيث تفرغ المسلمون للدعوة يقول الإمام الزهري رحمه الله: «فما فتح في الإسلام فتحٌ قبله كان أعظم منه، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر».

فأراد الله أن يتم نوره بسرعة كبيرة، بينما شعر كبار الصحابة بالظلم والإجحاف بعد الصلح، فأتاهم نصر الله من حيث لم يحتسبوا. وقد دخل في الإسلام حينها خيرة رجالات مكة، أمثال خالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة، وعمرو بن العاص رضى الله عنهم أجمعين، حتى إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال: «إن مكة قد ألقت إلينا أفلاذ كبدها». وكان الصلح قد تم تعديله بناءً على طلب من قريش نفسها بعد واقعة الصحابي أبي بصير.

نقطة أخرى في غاية الأهمية أن الصلح لم يكن وسيلة في يد العدو لإذلال المسلمين والنيل منهم؛ فشروط الصلح تقتضي ألا يتعرض طرف للطرف الآخر أو لحلفائه. وهذا ما دفع المسلمين للتحرك لفتح مكة؛ فقريش لم تعتد عليهم مباشرة، وإنما اعتدت على حليف لهم، أي خزاعة، وكان هذا كافيًا وكفيلًا بأن يتحرك المسلمون لرد العدوان، لم تنبس قريش حينها ببنت شفة، وحاولت الاعتذار عندما أحست بفداحة فعلها، وأرسلت لسيد الخلق أبي سفيان (حمي النبى) ليحاول تلطيف الأجواء وتجديد العهد، ولكن ذلك لم يجد نفعًا بعدما اعتبر الصلح لاغيًا، وتحرك المسلمون بقيادة الرسول لفتح مكة ودخل الناس في دين الله أفواجًا. هذا هو الإسلام وهذه هى عزة المسلمين.. فأين هؤلاء الذين يستشهدون بالصلح من هذه الأحداث؟ وأي رابط يربطهم بالرسول وأصحابه وقد فرطتوا في كل شيء؟

هل أفلح المطبعون الجدد مقابل تنازلاتهم المستمرة في تحرير الأقصى من قبضة العدو، أو أن يضمنوا للمقدسيين مثلًا فيه الصلاة، أم تراهم يدخلون إليه في حراسة العدو، وإخوانهم محرومون من الصلاة؟ هل أفلحوا في وقف آلة القتل الإسرائيلية وجعل الفلسطينيين آمنين في دورهم ومزارعهم دون هدم أو مصادرة؟ أو أن يوقفوا بناء المستوطنات، أو يجبروا الصهاينة على تنفيذ أي بند في اتفاق قديم، أو جديد، أبرم بينهم وبين العرب؟ لم يفلحوا في أي شيء، حتى الاحترام لن يفلحوا في اكتسابه من عدو أو حبيب.

فأي مكسب قد يتحقق من اتفاق كهذا؟

ربما مكاسب قطرية ضيقة بعد أن رفعوا راية «أنا ومن بعدى الطوفان»، لكن ألا تكفي شراكتهم الإستراتيجية مع أمريكا والغرب لتحقيق هذه المكاسب؟

فأقطارهم وبلدانهم لن تجني إلا التعاسة والشؤم بسبب هذا العار؛ حتى ينجيهم الله، وينجينا مما نحن فيه. ولكن يبدو أن إسرائيل في حد ذاتها هي الهدف، ووصالها المعلن والمتبجح هو الثمن لكسر أنف الشعوب والحفاظ على السلطان.

الرسول صلى الله عليه وسلم فعل ما فيه مصلحة الأمة فأي مصلحة للأمة من سلام المطبعين؟

لا مصلحة خلف ذلك إلا مصلحة الخائفين على عروشهم من شعوب ثائرة تأبى الذل والتدجين. فالقصة ليست إيران، ولا حماية المنظومة الخليجية من التدخلات الإيرانية كما يدعون. فالأولى لمن يريد الحفاظ على أمن الخليج أن يعيد الخليج لما كان عليه قبل الأزمة الأخيرة، لا أن يستحضر طرف إيران، ويحتمي الآخر بإسرائيل! الأولى إن كانوا صادقين أن تحل المشاكل داخل البيت الخليجي ليتمكن مجلس التعاون من أداء مهامه في حفظ أمن الدول الأعضاء، والأمن القومي العربي بأكمله من الاعتداءات الخارجية الإيرانية والصهيونية على حد سواء كما يفترض. أما قصة استدعاء إيران بهذه الفجاجة واستخدامها كورقة ضغط لإتمام صفقة القرن الأمريكية فهي لعبة مكشوفة وابتزاز لا يختلف كثيرًا عن الابتزاز الذي تمارسه أمريكا على السودان لرفع اسمها من قوائم الإرهاب مقابل الأموال والتطبيع مع إسرائيل. إيران دائمًا وأبدًا علاقاتها متوترة مع الخليج، فما الذي تغير الآن؟

حقيقة لم يتغير سوى الأوضاع التي تمر بها المنطقة في مرحلة من أعقد وأهم مراحلها. فالثورات الشعبية قد اندلعت في أكثر من مكان بالوطن العربي وما زالت مستمرة حتى تحقيق أهدافها. وحكام الخليج يخشون انتقال ما يحدث خارج الخليج إلى داخله. ومن ثم يتم الاستعانة بأمريكا التي تملك ترسانة من الأسلحة هي الأكبر في الشرق الأوسط داخل القواعد العسكرية في الجزيرة العربية. لكن أمريكا لن تحمي تلك العروش المهددة كما صرح ترامب دون مقابل، والمقابل ملايين الملايين من الدولارات والتطبيع العلنى مع إسرائيل.

وبالنسبة للجميع فلن تكون هناك فرصة لتحقيق مخططات المعسكرات المتداخلة والمتحالفة مع الطغاة العرب أفضل من تلك التي تعيش فيها المنطقة محنة المخاض الذي جعلها تبدو كفريسة سهلة ينهش فيها اللئام. ففرضت إيران وروسيا نفوذهما في المناطق التي يضمنا فيها ولاء الحكام، وأمريكا تريد أن تفرض تطبيعًا جديدًا مع إسرائيل في الخليج وغيره، والحجة أمام الشعوب: أنهار من عسل، ولبن، وصد العدوان، والتدخلات الإيرانية! بينما إيران نفسها، والتي تستخدمها أمريكا لتنفيذ مخططاتها في أكثر من بلد عربي تخضع للابتزاز الأمريكي. فحزب الله في لبنان لا يرى الآن ضررًا أو عيبًا في ترسيم الحدود البحرية بين بلاده وإسرائيل برعاية الشيطان الأكبر أمريكا!

فيا من تتمسحون بهدى النبى لتبرير أفعالكم مع اليهود.. تذكروا أننا نعلم أن ما اتفقتم عليه مع اليهود لا يهدف لإقامة علاقات وسلام معهم لأنها قائمة بينكما بالفعل، وإنما يهدف لوأد أية فكرة مستقبلية لقتال قد يحدث بعدما أضحت أهدافكما واحدة. واعلموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم عامل اليهود كما عامل غيرهم، ولكنه لم يسمح لهم بالتجرؤ على المسلمين. فقد أجلى – صلى الله عليه وسلم – يهود بني قينقاع 2هـ، ويهود بني النضير 4هـ، من المدينة إلى خيبر، وقتل المقاتلة من بني قريظة 5هـ عندما ارتضوا الخيانة، وتحالفوا مع يهود خيبر والأحزاب؛ فغدروا بالمسلمين في المدينة بعدما كانوا يعيشون معهم في سلام. وكانت آخر وصاياه قبل موته صلى الله عليه وسلم أن «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد