بعد سيطرة ميليشيا الحوثي على العاصمة صنعاء والانقلاب على النظام الشرعي في سبتمبر من العام الماضي. التقيت بأحد الأخوة السودانيين في مدينة أوكلاهوما سيتي وبدأ يسألني عن الحوثيين. وغالباً كيمنيين نتلقى بعض الأسئلة من العرب ومن غيرهم عن الأحداث في اليمن، وعن هذه الجماعة بالذات.

شرحت له عن فكر هذه الجماعة، وعن ادعائهم بأحقية الملك علينا، كيمنيين؛ باعتبارهم من آل بيت النبوة، وهذا الحق أعطاهم إياه ـ حسب زعمهم ـ جدهم ( رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم)؛ لأنهم فقط من سلالته. قال ضاحكاً: ( والله الناس دي عجيبة ياخي). إحنا كمان عندنا عائلات كثيرة بتدعي نفس الشيء. نسميهم أشراف.

يا زول الاسكنskin ، يقصد لون البشرة، تبعه زيي كدا. كيف يكون من أولاد النبي؟ بالله هذي تجي يا زول؟ قلت: والله ماتجي يازول! ادعاء الانتساب لآل البيت، أو للأسره الهاشمية، لم يقتصر على العدد الضخم من المدعين لها في اليمن، بل في كثير من دول العالم، حتى باكستان والهند. إذاً، ما السر وراء هذا العدد الكبير من الملايين المدعية انتسابها لآل البيت؟

بالعودة إلى التراث الشيعي من حكايات وأحاديث مزورة عن فضل آل البيت، وعن أحقيتهم في الملك، والعلم والمال والشرف، وغيرها من الفضائل التي تتناقض كلياً مع روح الإنسان السوي، فضلاً عن الدديانات السماوية، والقوانين الإنسانية المقدسة لكرامة الإنسان وحياته. بالتأكيد، أن النفس البشرية طامحة للامتيازات الدنيوية: مال، شهرة، ملك، علم، نسب وغيرها. عندما يجد البعض مثل هذه الامتيازات مقدمة على طبق من ذهب، وبدون مقابل يذكر، سوى التزوير والانتساب للمجهول، هل سيفعلها؟ ربما، سيفعل.

 

 
تزول الغرابة عندما تقابل أحد أصدقائك الذي تعلم في أوروبا، ومعروفٌ بانفتاحه على قيم الغرب وحضارته، وتفاجأ بأنه بات صارخاً بشعار الحوثيين، ومطالباً بإرث أجداده المزعومين.

تزول الغرابة حين تسمع أن الفتاة التي كنت تدرس معها، وكانت تنظم القصيد لحبيبها، أصبحت تنظمه لزعيم الجماعة وشبابها المجاهد. فقط؛ لأنها من ذات السلالة! حقاً، الأمر يدعو للغرابة! لكن، كلها تزول عند إدراك هذه الامتيازات الإلهية الممنوحة لجينات معينة من البشر.

بداية المأساة

تبدأ حكاية الهاشمية السياسية من اليوم المسمى بالغدير أو غدير خم. القصة مختلفة تماماً بين السنة والشيعة، وموضوعنا ليس التركيز على أبعاد الرواية بين الفرق الإسلامية، ولكن أبرز النقاط المحورية للهاشمية السياسية.

تقول الحكاية: إن الرسول الكريم عين علياً ابن عمه خليفةً على المسلمين. هل انتهت الحكاية بتتويج علي كملكٍ للمسلمين؟ لا، فهذه مجرد البداية للملك الهاشمي. إذ ليس علياً وحده من تم له التتويج. بل هو وأولاده من بعده، وأولادهم، وأحفادهم، حتى تقوم الساعة. كل هؤلاء تم تتويجهم بسلطة العالم وحكم الإنسان إلى يوم الدين. هذا مأخوذ من أدبياتهم وتراثهم الذي ورثوه عن الجد (الرسول الكريم).

 

 
هذه الحكايات صنعت من سلالة الرسول، بشر لا كالبشر؛ إذ هم مميزون في العلم وفي العقل والنسب. أهل الرسول عند الشيعة والزيدية لا يقصد بهم الآل كمعنى عام وفق ما يتداوله الجميع، بمعنى: الزوجة والأولاد والأخوة. الآل بالنسبة للشيعة والزيدية هم: الرسول الكريم، علي بن أبي طالب، وزوجته فاطمة الزهراء، وأبناؤهما: الحسن والحسين. في اليمن مثلاً، لهم تسميات كسادة وأشراف. المرأة منهم يطلق عليها شريفة، حتى ولو كانت لا تتسم به؛ انتسابها لذات السلالة يكفي لحملها هذا اللقب!

إذاً ماهي هذه الأقاويل التي استطاع بها أدعياء السلالة التمكن من عقول الناس وقلوبهم، وخاصةً في اليمن؟

المدخل الأقصر إلى قلوب المؤمنين، هو: الدين وما يتعلق به، ولهذا يبدأ الكهنوت من الدين الجامد المبني على نصوص عقيمة، لا تحترم العقل، ولا تسمح بالتفكير.

في البداية لابد من وضع سياج عتيد أمام المخالف بالرأي أو المنتقد. أحاديث: “كاللهم وال من والاه وعادي من عاداه” (المقصود علي رضي الله عنه) و”لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق” إذاً، النقد محرم، والمخالف معرض للعقاب.

العلم هو أيضا، مقاليده ذهبت لعلي؛ تقول روايتهم إن الرسول قال: “أنا مدينة العلم، وعلي بابها”. القوة والشجاعة، أوتيت لعلي هي الأخرى، وأبرز مقولة هي: لا فتى إلا علي، ولا سيف إلا ذوالفقار”، كانت تقول لي أمي: علي حير الثقلين.( حير: بالدارجة الصنعانية تعني قادر) أي: أنه قادر على مقاتلة الإنس والجن. وحكايات مقاتلته للجن مشهورة لدى العامة.

أهل البيت: ( مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى). بمعنى اتخاذ غير طريقهم هو الضلال والزيغ. التوشيحات الدينية التي لازلنا نرددها في أعراسنا ومناسباتنا عن آل البيت، وأنهم طريق الرشاد والنجاة. أهازيج كثيرة نتغنى بها دون أن ندرك معناها . كل هذه وتلك صبغت حب آل البيت وموالاتهم في المناطق الزيدية من شمال اليمن.
التجهيل

كان الحكام من آل حميد الدين يحيى ومن بعده ابنه أحمد يسيطرون على مقاليد الحكم في شمال اليمن عن طريق الخرافة والرهائن وتجهيل الشعب.

شهدت اليمن أثناء الوجود التركي في شمال اليمن ازدهاراً ملموساً في كثيرٍ من نواحي الحياة،لاسيما التعليم. أسس الولاة العثمانيون مراكز علمية وصناعية وعسكرية، وحتى مدارس لتعليم الفتاة. مع سيطرة آل حميد الدين على مقاليد الحكم في شمال اليمن ١٩٠٤- ١٩٦٢ عملوا على طمس المعالم الحضارية والتنموية التي أسسها الأتراك، بل قام الإمام يحيى حميد الدين بتحويل دار السعادة، والتي كانت مشفى إلى قصر لزوجاته. كما قام أيضاً بتحويل الدار الأثرية (دار الحجر) إلى قصر يقضي فيه فترة الصيف.

مدرسة الصنائع ـ أيضا ـ حولها إلى سجن الصنائع، وكثير من إنجازات الأتراك تحولت إلى قصور واسطبلات للخيول وغيرها.

انحصر التعليم أثناء حكم الإمامه على أبناء الأسرة الحاكمة وأبناء الذوات، وما عداه عبارة عن كتاتيب يدرس فيها الطالب القران وبعضاً من علوم الدين على أيدي فقهاء ذوي علم محدود. ولقلة من يجيد القراءة في عصر الأئمة كان الكثير من سكان الريف يقطع مسافات طويلة؛ لكي يعثر على من يقرأ له وثائق أو رسائل، وغالباً ما يكون الفقية، وغالباً لا يتم هذا بدون مقابل.

الرهائن

قد يستغرب البعض عن معنى وجود الرهائن في ظل عدم وجود حرب. الرهائن كانت وسيلة من وسائل الأئمة في إخضاع القبائل وضمان عدم تمردهم. الأديب أمين الريحاني، في كتابه ملوك العرب، يذكر أنه كان هناك حوالي أربعة آلاف رهينة إبان حكم الإمام يحيى. كان الإمام يبقيهم في حوزته كفالة الإخلاص والوفاء في التابعية.
أحمد يا جناه

لم يختلف نهج الإمام أحمد عن نهج أبيه، بل العكس، كان أشد ضرواةً وقبحاً بسبب مقتل أبيه على أيدي الثوار ومحاولة الانقلاب عليه شخصياً في أكثر من مرة.

سلك الإمام أحمد تقريباً طريقة والده في الكهنوت، وتجهيل الشعب، وأضاف لها الخرافات والشعوذات؛ لإحكام قبضته على رقاب الشعب. من القصص المشهورة التي يتداولها العامة أن الإمام كان لديه راديو وكان يشاع أن هذا يخبر الإمام بكل شيء فكان الناس يظنون أن الجن يخبر الإمام بما يتحدثون، فلذلك لا يتداول الناس فيما بينهم إلا ذكر الإمام بكل خير، خشية الجن الذين يستمعون حديثهم، وبهذا سموه أحمد يا جناه.

 

الإماميون الجدد

لم تدم فرحة اليمنيين طويلة بإنتهاء مرحلة ألف عامٍ من حكم الأئمة وجبروتهم. تفاجأ اليمنيون بظهور حسين الحوثي في جبال مران من محافظة صعدة مؤسساً لحركة الشباب المؤمن، التي كانت خلية نائمة منذ التسعينات من القرن الماضي. كان أكبر معلم لحسين الحوثي هو إستيراده لشعار كان يردَّد أثناء الثورة الإيرانية بقيادة الخميني، وهو: (الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام)!

بغض النظر عن عدم توافق هذا الشعار مع روح الإسلام ورسالته، ولكنه استطاع سلب عقول الشباب في مناطق صعدة، التي كانت مقصية عن روح المدنية، كما هو شأن كثير من المدن؛ بسبب فساد نظام علي عبد الله صالح.

اتضحت معالم دعوة الحركة الحوثية وأهدافها بعد انتشار نفوذهم وسيطرتهم على الكثير من المناطق في شمال الشمال، وأخيراً سيطرتهم على مقاليد الحكم.

نصت الوثيقة الفكرية، والتي تعتبر الدستور بالنسبة للمليشيا الحوثية أن الولاية بعد رسول الله هي لعلي بن أبي طالب من بعده، ولديه الحسن والحسين، ومن بعدهما أولادهما ..إلخ.

هداية البشر لا تتم لديهم إلا من خلال كتاب الله، ومن ثم آل بيت رسول الله ( يقصدون أنفسهم). تعتقد جماعة الحوثيين أن الله كما اصطفى آدم وإبراهيم ونوح فإنه اصطفى آل بيت رسول الله، فهم هداة للأمة وورثة الكتاب إلى أن تقوم الساعة!

هذا الحديث ليس بضعاً من الجنون، بل هو ما يعتقده هؤلاء في القرن الواحد والعشرين.

ألف عامٍ لم تكفِ هؤلاء كي يذوبوا في المجتمع اليمني، بل ظلوا محاطين بهذه الخرافات القدسية، صابغين على أنفسهم ألقاباً ونياشين صنعت منهم هالات لا يمكن المساس بها. مضت هذه الجماعة منذ بدايتها تصرخ بشعار الموت لأمريكا من ناحية، ومن أخرى مضت تدمر المدارس، وتجند الأطفال، وتختطف الخصوم، وتهدم المنازل وترمي بالنساء والأطفال إلى العراء، تماماً، كما كان يفعل الأجداد.

 

 
يا أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا أعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”. محمد صلى الله عليه وسلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, تاريخ

المصادر

١- الوثيقة الفكرية والثقافية، كتبها عبدالملك الحوثي .
٢- ملوك العرب، أمين الريحاني، دار الجيل بيروت، نسخة الكترونية.
٣- بدعة عيد الغدير، موقع البرهان، مستقى من كتاب الأعياد المحدثة موقف الإسلام منها، عبد الله بن سليمان ال مهنا
٤- عيد الغدير، ويكي شيعة، الموسوعة الألكترونية لمدرسة أهل البيت.
٥- نظام الرهائن في اليمن في عهد المملكة المتوكلية اليمانية (1918-1962م)، المركز الوطني للمعلومات، أ/ أمين محمد علي الجبر، رسالة ماجستير.
٥- الحوثيون، سلسلة وثائقية لقناة المجد. يوتيوب
٦- ماضي ساخر لحكام اليمن، أحمد الصباحي، مجلة البيان. الأربعاء 22 محرم 1437 ه
٧- التواجد العثماني في اليمن، نهضة أمه محاها الأئمة، توفيق السماعي، صحيفة الناس. نقلا عن موقع الخبر نت. ٢٠١٤
٨- مذكرات تقية يحي حميد الدين، نسخة الكترونية.
عرض التعليقات
تحميل المزيد