أساطير

ينشأ الوهم عندما تكّل قدرة العقل على التفكير، وتعجز الروح عن الخروج من مَلكية الوهم وخيوطه، ومهما بلغ المرابي من القدرة، ففيه قد تختلط العبودية الحقة التي يريدها الله – عز وجل- بالخرافة التي سولها الشيطان لابن آدم؛ فينصاع عندها لعبودية البشر، وتنحني لها جوارحه، وتختل عنده القيم والموازين، ذلك أن الفرق بين صنعة الرب وأوهام البشر ظاهرة، وتلك قضية واضحة.

إن سلطة الوهم ترتبط ارتباطًا وثيقًا بسلطة الكهانة والرياسة، وليس من سبيل للخروج عن تلك السلطة إلا بالخروج عن سطوة الوهم على العقل، وذلك أمر صعب، خصوصًا لمن ارتقى سفوح الجاهلية، وتمكنت منه الأساطير والخرافات واستحكمت، ذلك أن الخطى في هذا الاتجاه خطى بلا ضوابط، قائدها التقليد ورائدها الهوى.

وفي مقابل صورة الوهم المتصارعة في نفسها، والمشتبكة في خيوطها وخطوطها، تأتي صورة التوحيد الواضحة، والتي لا يهنأ الضمير البشري إلا معها، لأنه يتخلص عنذ ذاك من عَنتْ الجاهلية وأعبائها، وليس للوهم إلا الضغط، ومن ثم الإخضاع المذل والحتمي للإنسان؛ نتيجة تعلقه بالأساطير والخرافات وكل ما يجانب العقل.

في حين أن شريعة الله تدعو إلى التحرر وتكريم الإنسان، من خلال الدعوة إلى منهج حياة قويم، وفكر سديد، وتصور سليم، كذلك فإن الله – سبحانه- يدعوهم إلى العزة والفخر بمنهجهم الذي نزل به الوحي، والحقيقة أن الكلمات تعجز عن البيان الجلي لحقيقة الوهم وآثاره السيئة في البشر، ولكننا يمكن أن نتصور تلك الآثار من خلال رؤية عمل واحد لتلك الأوهام، ومن خلال هذا المثل نعلم الشبه الشديد بين عقال الوهم وحبل المشنقة، ومثالنا على هذا الوهم؛ هو عيد الغدير المزعوم عند الشيعة؛ فهم يزعمون أن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة قد نصب عليًّا – رضي الله عنه وأرضاه- خليفةً للمسلمين، وزعموا أنه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد جمع المسلمين على صعيدٍ واحد وخطب فيهم فقال: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم انصر من نصره، واخذل من خذله»[1]. إلى آخر الرواية.

والحقيقة أن محدثي الشيعة جمعوا في عملية الاستدلال على خلافة علي بن أبي طالب – رضي الله عنه وأرضاه- حقًّا قليلًا بباطل كثير، من خلال الزيادات التي ألحقوها بتلك الكلمات المعدودات، بأن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نصب عليًّا خليفة على الأمة بالنص والفعل الصريح، ولو عدنا إلى القول الصحيح وهو: «من كنت مولاه فعلي مولاه»[2] وسألنا أنفسنا عن سبب تلك المقالة، لوجدناها كما أخبر بها أهل السير والمغازي، كابن إسحاق أن عليًّا – رضي الله عنه- لما أقبل من اليمن ليلقى رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في مكة، تعجل إلى رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- واستخلف على من معه رجلاً من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسى كل رجل من القوم حلةً من البز الذي كان مع (علي)، فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم، فإذا عليهم الحلل، فقال ويلك انزع قبل أن ينتهي به إلى رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فانتزع الحلل من الناس فردها في البز، وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم[3]، وقال الحافظ بن كثير في البداية والنهاية 5/ 106، والمقصود أن عليًّا لما كثر فيه القيل والقال من ذلك الجيش، بسبب منعه إياهم استعمال إبل الصدقة، واسترجاعه منهم الحلل التي أطلقها له نائبه، وعلي معذور فيما فعل، ولكن اشتهر الكلام فيه في الحجيج، فلذلك، والله أعلم، لما رجع رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من حجته وتفرغ من مناسكه، ورجع إلى المدينة بغدير خم، قام في الناس خطيبًا فبرأ ساحة علي، ورفع من قدره، ونبه على فضله؛ ليزيل ما وقر في نفوس كثير من الناس.

ومن تأمل تلك الحادثة وجد أن قوله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من كنت مولاه فعلي مولاه»[4] قول عارض لأجل حادث معين، وليس خطبة لأجل تقرير حدث ما، وليس لتقرير أمر الخلافة أو من سيخلف رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولو كان الأمر كذلك؛ لكان خطاب رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- واضحًا، وبلغة واضحة، كما هو الواجب في بيان أمر مهم كهذا، ورسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سيد البلغاء والمتكلمين، وهو أقدر على بيان ما يريده وما يقرره، وإن أنسب يوم لهذا الخطاب وهذا البيان هو يوم عرفة، يوم اجتماع المسلمين، ليتم الإنذار وتكتمل الحجة على الناس كافة، ولكي لا يقول قائل: لو كان الأمر كما يزعمون لقاله رسوله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في خطبة الوداع، وكيف يكون في طريق العودة إلى المدينة، بعد أن تفرق الحجيج، ولم يبق منهم إلا حجاج المدينة.

ومن تأمل قوله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «من كنت مولاه فعلي مولاه» وجده حمال أوجه؛ فكلمة المولى لفظ مشترك تندرج تحته معان عدة منها: «الرب، والمالك، وكل من تولى أمرًا أو قام به، والمحب، والصاحب، والحليف، والنزيل، والجار، والشريك، والصهر، والقريب من العصبة، كالعم وابن العم ونحو ذلك، والمنعم والمنعم عليه، والمعُتقُ والمعُتَق، والعبد والتابع»[5] وغيرها من المعاني، والقول بإحدى تلك المعاني دون دليل علمي، ودون ذكر القرينة التي تدل على ذلك تحكم وتعسف، وتجاوز، وقول على العربية بلا علم، بل هو تقول على رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذي يقول: «من تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده في النار» رواه البخاري(109)، لذلك فمن الفصام النكد أن نقول إن موقع الغدير هو المكان المناسب والأنسب لتبليغ الأمة بأن خليفتها وإمامها هو علي بن أبي طالب – رضي الله عنه وأرضاه- وليس هو المكان المناسب لتبليغ هكذا أمر عظيم، ولا اليوم المناسب لتبلغ جميع الأمة ذلك الحدث الجلل والأمر الخطير، ولو تأملنا سيرة أئمة أهل البيت – سلام الله عليهم- لما وجدنا أحدهم قال في حديث صحيح صريح بأن هذا اليوم هو يوم عيد، أو هو يوم تنصيب علي وبنيه للإمامة، بل إن أول من أظهر بدعة عيد الغدير هو أبو الحسن أحمد بن بويه، الملقب بمعز الدولة، الذي كان سببًا في إذلال الإسلام وأهله، وانتصار الروم عليهم، وذلك في سنة 352 هجرية في بغداد، وأول ما أقيم الاحتفال بهذا العيد في مصر، في الثامن عشر من ذي الحجة سنة 362 هجرية.

وبعد أن انبنى على ذلك الوهم القول بخلافة علي وإمامته وأبناء مخصوصين للإمام الحسين – سلام الله عليهم- كفر هؤلاء الموهومون الأمة جمعاء؛ فزعموا أن الإمام الصادق قال: «إن الله تعالى جعل عليًّا – عليه السلام- علمًا بينه وبين خلقه، ليس بينهم وبينه علم غيره، فمن تبعه كان مؤمنًا، ومن جحده كان كافرًا، ومن شك فيه كان مشركًا» رواه الصدوق في عقاب الأعمال.

وزعموا أن رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «يا حذيفة إن حجة الله عليكم بعدي علي بن أبي طالب، الكفر به كفر بالله سبحانه»[6]… إلخ، لذلك يقول يوسف البحراني:

«والمشهور في كلام أصحابنا – أي الإمامية الشيعة– المتقدمين، هو الحكم بكفرهم ونصبهم ونجاستهم – أي كفر أهل السنة ونجاستهم– وهو المؤيد بالروايات الإمامية»[7]

ويقول المازندراني في شرح أصول الكافي: «من أنكرها – أي الإمامة– فهو كافر»[8]

وما الحروب الطاحنة التي تجري في العراق، وسوريا، واليمن، ولبنان إلا نتيجة طبيعة لذلك الوهم، فاليوم يقتل الملايين من أهل السنة، وليس لهم من ذنب إلا أنهم لا يؤمنون بهذا الوهم المسمى بغدير خم.

هوامش 

[1] فرائد السمطين 1/ 77، قرب الإسناد للحميري القمي 57.

[2] مسند الإمام أحمد 2/ 112.

[3] البداية والنهاية 3/ 228.

[4] مسند الإمام أحمد 2/ 112.

[5] لسان العرب 15/ 405.

[6] غاية المرام للسيد هاشم البحراني 5/ 116.

[7] الحدائق الناظر ليوسف البحراني 5/ 175.

[8] بحار الأنوار 8/ 366.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد