للمرة الثانية وفي ظرف أقل من ثمانية أشهر تقريبًا، يقرر مجلس النواب في تونس مساءلة رئيسه ورئيس حركة النهضة في 3 يونيو (حزيران) 2020، حول ما بدر منه من تدخل في السياسة الخارجية لتونس ومن موقف اصطفاف وتبعية مغلف بأخطاء اتصالية.

وإن كانت المساءلة الأولى التي أقرها البرلمان بدعوة من رئيسة كتلة الدستوري الحر عبير موسى، على خلفية زيارته غير المعلنة إلى تركيا، ولقائه السري مع الرئيس رجب طيب أردوغان، مباشرة بعد سويعات من فشل مرشح الحركة الحبيب الجملي، لمنصب رئيس الحكومة، في تمرير فريقه الحكومي والحصول على إقرار النواب. فإن المساءلة الثانية، والتي نادت بها أيضًا كتلة الدستوري الحر عبر تنفيذ اعتصام داخل البرلمان، وساندتها أربع كتل برلمانية وهي الإصلاح، قلب تونس، تحيا تونس، والمستقبل في الإمضاء على «لائحة لوم» ترفض فيها التدخل الخارجي في الشأن الليبي، حيث جاءت هذه اللائحة عقب اتصال هاتفي بين رئيس الحركة ورئيس المجلس الرئاسي للحكومة الليبية، فائز السراج.

مأزق قاعدة الوطية الليبية

رغم تعمد راشد الغنوشي عدم الإفصاح عن فحوى المكالمة في الموقع الرسمي لرئاسة مجلس النواب، ضمن نشاطاته المعلن عنها، وبصفته رئيس المجلس، فإن الجانب الليبي، وفي رسالة استعراضية منه لدعم قوى التحالف له، كشف عنها معنونًا هذا الاتصال بالتهنئة عن الانتصار الذي حققته قوات السراج المدعومة من تركيا وقطر، في السيطرة على قاعدة الوطية العسكرية.

مثلت هذه التهنئة نقطة خلاف بين الفرقاء السياسيين، فهناك من فسرها- خاصة من حلفاء النهضة – بكونها تدخلًا في إطار تحديد موقف من الصراع الدائر منذ سنوات في ليبيا، وبضرورة عدم اتخاذ موقف الحياد، خاصة وأن لهذا الصراع تداعيات مباشرة سواء اقتصادية، اجتماعية، سياسية، وحتى عسكرية على تونس، وبالتالي لا بد من دعم أحد الأطراف والذي يستجيب لتطلعات وحسابات الدولة التونسية ومصالحها التي وجدت نفسها بقوة العامل الجغرافي معنية بشكل أو بآخر بهذه الحرب وبنتائجها. لكن هذا التعليل لا يمكن أخذه على محمل الجد والحقيقة، بل إنه لا يستقيم إلا مع مفهوم المغالطة حد الاستبلاه، فحركة النهضة ومن خلال رئيسها راشد الغنوشي لا تعبر إلا عن حسابات الحركة الضيقة في وكالة تركيا للدفاع عن مشروعاتها الاستعمارية لنهب الثروات الليبية.

العاقل البسيط يدرك أن للدولة التونسية سياسة دبلوماسية تحمي مصالحها العليا تمارسها منذ الاستقلال، قوامها مبدأ الحياد وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لبقية الدول، كما لها من المؤسسات الجمهورية التي تعبر عنها دون الحاجة إلى وساطة راشد الغنوشي، أو أن يحل محل هذه المؤسسات. وهذا ما قد جاء واضحًا وصريحًا في خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيد حين صرح بأن للدولة التونسية رئيسًا واحدًا، بتشريع نص الدستور كأعلى هرم السلطة، وهو المعني بالسياسة الخارجية والدبلوماسية للبلاد.

هذه المكالمة جاءت إذًا خرقًا واضحًا وفاضحًا لمبادئ الدستور، وتجاوزًا لصلاحيات رئيس الجمهورية، وفق قراءة الفريق الثاني، وهو ما يستوجب ليس فقط مساءلة الغنوشي مساءلة برلمانية، بل تدعو إلى التفكير بجدية في مطلب التوجه إلى سحب الثقة منه، ويمكن الحديث في هذا المنحى عن أسوأ سيناريو للنهاية السياسية غير المنتظرة والأليمة لرجل الحركة الأول ومؤسسها راشد الغنوشي. خروج مهين ستسعى الحركة إلى إجهاض كل فرص ولادته، وستدفع بكل ما تحمل من ثقل نيابي داخل المجلس وثقل شعبي خارجه إلى غلق كل الطرق التي تؤدي إليه.

أزمة داخلية وانعكسات خارجية

لا يخفى على متابع للمشهد السياسي، أن فرع تنظيم الإخوان المتمثل في حركة النهضة يعيش منذ مدة أزمة داخلية بدأت تظهر ملامحها للعموم خاصة إثر الانقسام الحاد الذي أعقب قرار ترشيح رئيسها راشد الغنوشي للانتخابات الرئاسية تونس 2019. الخلاف الذي دفع القيادي والمستشار السياسي السابق لطفي زيتون إلى الاستقالة – نتيجة أيضًا لتراكم الاختلاف في المواقف والحسابات السياسية- في يونيو/ يوليو 2019. الرفض ذاته عبر عنه وزير الفلاحة السابق في حكومة الترويكا محمد بن سالم ووزير الصحة الحالي عبد اللطيف المكي، ما دعّم الشق الرافض بأسماء قيادية بارزة في تاريخ الحركة، وفسر حالة التخبط وشبه الحصار التي باتت تقيِّد شعبية راشد الغنوشي، سواء داخل الحركة أو لدى المنخرطين فيها، أو المتعاطفين معها.

هذا التراجع أكدته نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، والتي شهدت بدورها محطات انقسام في المواقف بشأن ترؤس القائمات الانتخابية، واتهم فيها راشد الخريجي، من داخل الحركة، آنذاك بممارسة التسلُّط وأحادية القرار في اختيار مرشحي الحركة، إذ خسرت فيها 17 مقعدًا مقارنة بالانتخابات التشريعية سنة 2014.

سمات التصدع باتت جليّة أكثر حين قرر البعض من مجلس الشورى التوجه إلى الإعداد للمؤتمر الحادي عشر بورقة انتخاب رئيسها الحالي لدورة أخرى، ضاربة بذلك القرار الذي جرى اتخاذه خلال المؤتمر الماضي، والقاضي بأن هذه الدورة الحالية هي الأخيرة لراشد الغنوشي على رأس الحركة عرض الحائط.

ودون الأخذ بعين الاعتبار مبدأ «التداول القيادي» الذي نادى به قياديو الصف الأول كرئيس مجلس الشورى عبد الكريم الهاروني، ومسؤول مكتب العلاقات الخارجية رفيق عبد السلام، ومسؤول المكتب السياسي نور الدين العرباوي، في بيان صدر أواسط مارس (آذار) 2020 تحت توقيع «مجموعة الوحدة والتجديد»،  جاء في صدر البيان التنديد بتراكم بعض السلبيات والأخطاء خلال السنوات الأخيرة، ومن ذلك ضرب الخط السياسي للحركة وضعف الأداء السياسي من قبل بعض الرموز والقيادات، وخروج الخلافات عن نطاقها المعقول وإلى العلن.

من جانب آخر، تواترت الاتهامات بالتحايل على إرادة الشعب، ومنح مناصب عليا لقياديي الحركة ممن لم يتمكنوا من الفوز في الحصول على صفة نائب في مجلس النواب خلال الانتخابات التشريعية، بعد تعيين راشد الغنوشي الحبيب خضر القيادي في الحركة، والمقرب منه  في منصب رئيس ديوان لرئيس البرلمان برتبة وزير. كما اتُّهم بمحاولة توريث قيادة الحركة إلى ابنه معاذ الغنوشي من خلال منحه الخزينة المالية دون إعلام مجلس الشورى، والذي يُعد العمود الفقري وأساس الهيكلة الإدارية والتنظيمية والقيادية في الحركة.

في الوقت الذي يتزايد فيه التفاعل مع عريضة «من أين لك هذا؟» التي دشنها نشطاء تونسيون طالبوا فيها بالتحقيق في ثروة الغنوشى، لم تجد الحركة في مواجهة تأجج نار هذه الأزمة، سوى اللجوء إلى سياسة الأسطوانة المشروخة والمعهودة كلما ضاق الخناق من حولها، والمتمثلة في خلق شماعة خارجية تعمل على تحويل وجهة الأنظار إلى خارج المطبخ الداخلي، والدفع إلى خوض معركة وهمية.

ومن هنا، بدأ الترويج في كل المنابر الإعلامية والإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي- التابعة للحركة- إلى وجود محاولة انقلابية تقودها كل الطبقة السياسية في تونس على اختلاف مشاربها الإيديولوجية والفكرية – طبعًا دون حساب حلفائها وفروعها الصغرى – وذهبت في معركتها إلى حد تداول قائمة بأسماء مدبري الانقلاب المدعوم من جهات أجنية، أهمها دولة الإمارات حسب زعمها. مشهد مماثل لم يحدث في صائفة 2016 حين دعا الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي إلى سحب بساط رئاسة الحكومة من الحبيب الصيد المدعوم من حركة النهضة واقترح يوسف الشاهد بديلًا عنه حيث خرجت القيادات الأولى للنهضة تنادي بخطر وجود انقلاب عسكري وشيك.

يبدو أن حركة النهضة لم تستوعب الدرس من تجربة حركة نداء تونس، وهاهو راشد الغنوشي يكرر اليوم جملة أخطاء الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي في الدفع إلى مزيد من تعميق الأزمة الداخلية، والتي أدت إلى تشقق تنظيمه السياسي وتفككه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد