تعيش حركة النهضة التونسية، منذ سنوات، تغييرات فكرية وسياسية مهمة جعلتها تحظى باهتمام مختلف الفاعلين الدوليين وتعتبر مثالًا يحتذى به بين التيارات الإسلامية في التجديد الفكري والتطور التنظيمي، وقد ترجم هذا الاهتمام بالإشادة بفكر النهضة وزعيمها الشيخ راشد الغنوشي واستقباله في مختلف عواصم العالم وتكريمه في أكثر من مرة من مؤسسات دولية وجهات رسمية غربية وإسلامية.

الشيخ راشد الغنوشي صحبة السفير الفرنسي في تونس

يعود الاهتمام الخارجي بحركة النهضة أيضًا إلى موقعها في تونس، حيث تعتبر النهضة جزءًا أساسيًا من الحكم منذ 2011 والحزب الأكثر تنظيمًا والأقوى شعبية.

مثلت زيارة الشيخ راشد الغنوشي إلى فرنسا بين  14 و20 مايو (أيار) الماضي حدث الساعة في المنطقة، حيث استقبلت المؤسسات الرسمية في فرنسا الشيخ الغنوشي لأول مرة منذ تأسيس حركة النهضة.

رافق الأستاذ الغنوشي في هذه الزيارة كل من رفيق عبد السلام مسؤول العلاقات الخارجية في النهضة وعضوي مجلس النواب حسين الجزيري وكريمة التقاز بالإضافة إلى رضا إدريس عضو المكتب التنفيذي لحركة النهضة ومسؤول النهضة بفرنسا الشمالية كريم عزوز، وتعتبر الزيارة ناجحة على كل المستويات وتحقق مصلحة عامة حسب تصريح النائب محمد بن سالم.

لقاءات عديدة واستقبال رسمي لوفد النهضة

بعد سنوات من الجفاء بين النهضة وفرنسا الرسمية كان التواصل فيها بين الطرفين عبر الوساطات، استقبلت فرنسا وفد النهضة برئاسة الشيخ الغنوشي استقبالًا رسميًّا، حيث كان في استقبالهم المستشار الدبلوماسي لدى الرئيس ماكرون، أورليان لوشوفاليه وكاتب الدولة للخارجية جان بابتيست لومواني.

كما كان للوفد  لقاء مع طاقم إدارة شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بوزارة الخارجية ولقاء مع لجنة الصداقة الفرنسية التونسية بالبرلمان، ورئيسها جيروم لمبار بالإضافة إلى  لقاء مع جان بيار رفاران، الوزير الأول الأسبق ورئيس منظمة «قادة من أجل السلام» وجان بيار شوفانمان: الوزير الأسبق ورئيس مؤسسة ريسبوبليكا وكذلك رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي جيرار لارشار بالإضافة إلى مستشار رئيس الحكومة للعلاقات الخارجية إيمانويل لينان ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ كريستيان كامبون ورئيسة لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الفرنسي اما ريال دسار ناز.

كما كان لوفد النهضة لقاءات مع لجنة الصداقة الفرنسية التونسية في مجلس الشيوخ برئاسة جان بيار سويار وجاك لانغ رئيس معهد العالم العربي بباريس.

جملة من اللقاءات المهمة لوفد النهضة مع جهات رسمية في فرنسا جعل البعض يعلق على الزيارة ويعتبرها زيارة دولة.

محاور الزيارة

من خلال ما تسرب عن مختلف لقاءات الزيارة التي لم تفصح النهضة بعد عن كل مضامينها، فقد دارت محاور الزيارة أساسًا حول الوضع في تونس وأهمية النهضة في تحقيق الاستقرار إنجاح الانتقال الديمقراطي، يبدو أن فرنسا أصبحت تبحث عن طريقة تنهي بها التعويل على أطراف لم تثبت قدرتها على الصمود وبأن ضعفها في أكثر من محطة بما جعلها مهددة في مصالحها الاقتصادية، خاصة وأن أكثر من 70% من مبادلات تونس التجارية الخارجية هي مع فرنسا كما ينتصب بتونس أكثر من 2000 شركة فرنسية.

ما شجع فرنسا على التفكير في محاولة التخلص من فكرة العمل على جعل تونس، تضمن لها مصالحها الاقتصادية وتؤمن حدودها الجنوبية من الهجرة السرية وتسرب الإرهاب، دون حركة النهضة هو ما قامت به النهضة من مراجعات فكرية عبر قطعها مع فكرة الإسلام السياسي وما أحاط بها من غموض وتداخل مع تيارات عنيفة وطرحها لفكرة الإسلام الديمقراطي وما تحيل له من قابلية الانسجام بين الإسلام والديمقراطية والحداثة، باعتبارها مرجعية.

الواقعية السياسية التي تميزت بها النهضة إثر الثورة شجعت أيضًا فرنسا على فتح باب طالما أغلق أمام إسلاميي تونس وبحث إمكانية التفاوض معهم مستقبلًا حول مصالح البلدين.

سياقات الزيارة

بالرغم من أن هذه الزيارة قد تم الإعداد لها منذ أشهر، فإن السياقات الحالية للمنطقة قد ألقت بظلالها عليها، حيث تعيش فرنسا اليوم أزمة كبيرة في منطقة المغرب العربي فقد ساءت سمعتها أصبحت مصالحها مهددة من قبل منافسين آخرين، خاصة بعد ما رجح من تدخل سافر لها في ليبيا لترجيح كفة حفتر وبعد فقدانها لزمام المبادرة في الجزائر إثر الحراك الحاصل منذ شهر فبراير.

تبحث فرنسا، إثر هذه الأزمة، عن وسيط يساعدها على إعادة التموقع من جديد وبأقل الخسائر في المنطقة، وربما ترى في النهضة وزعيمها نظرًا لما يتمتع به من مكانة عند الإسلاميين ومختلف مكونات الساحة السياسية في ليبيا والجزائر الأقدر على القيام بهذه المهمة.

من يستوعب من؟

يراهن كلا الطرفين وكل من جهته على استيعاب بعضهم البعض، حيث تعمل فرنسا بما تحمله من إرث في المنطقة وما تسعى له من مشروع طالما استماتت على تحقيقه فيها وما تبحث عنه من ضمانات للمحافظة على مصالحها في تونس ومحيطها لكسب حلفاء جدد يساعدونها على تحقيق أهدافها.

وتراهن النهضة بما تحمله من رصيد سياسي وطني ومشروعها التجديدي وما يتضمنه من أفكار جديدة تزاوج بين الإسلام المعتدل وقيم الحداثة والديمقراطية، على إقناع فرنسا الذي تضم أكثر من 8 ملايين مسلم بأنها الشريك الأمثل لتحقيق الأمن في المنطقة وضمان الاستقرار فيها خاصة بعد ما أبدته النهضة من قدرة على العمل المشترك مع العلمانيين في تونس.

هندسة المشهد السياسي إثر الانتخابات القادمة

تعمل فرنسا منذ الثورة، بطريقة مباشرة وغير مباشرة على التأثير في تشكيل المشهد السياسي في تونس وكرست لذلك جهدًا كبيرًا.

خلال المحطات الانتخابية الفارطة، عملت فرنسا على التنسيق مع مختلف الأطراف في تونس باستثناء حركة النهضة، بل إن النهضة هي التي كانت مستهدفة بالإقصاء في كل المخططات التي كانت فرنسا فاعلة فيها.

تبين لفرنسا، وبعد محاولات عديدة، أن تشكيل مشهد سياسي في تونس دون النهضة أمر مستبعد، خاصة بعد ما حصل في نداء تونس من انشقاقات وما عرفه حزب رئيس الحكومة يوسف الشاهد من صعوبات في التشكل.

تعمل فرنسا، مرة أخرى، على أن تكون فاعلة في تشكيل المشهد السياسي القادم، وقد يكون هذه المرة بطريقة لا تستثني بها النهضة، بل قد يكون عبر محاولة التأثير في النهضة في اختيار الرئيس القادم لتونس. خاصة وأن النهضة قد قررت عدم الوقوف على الحياد في الانتخابات الرئاسية القادمة كما كان الشأن في انتخابات 2014.

تبقى هذه الزيارة مهمة بالنسبة للنهضة ولتونس أيضًا، فمن المنتظر أن تخفف من حدة الصراع الأيديولوجي (الإسلامي- العلماني) الذي كانت قوى فرنسية طرفًا في تأجيجه،كما من شأنه أن يخفف على النهضة ضغط بعض النخب التي تعتبر نفسها حامية للمشروع الحداثي الفرنسي في تونس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد