1- الدعوة للانقلاب وسيطرة عقلية العبودية

يقول ابن المقفع في رسالته في الإصلاح السياسي إلى الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور: أما سؤالكم عن الزمان، فإن الزمان هو الناس وهو يحدد أزمنة الناس بأربعة أزمنة: الزمن الأول -وهو الأفضل- «ما اجتمع فيه صلاح الراعي والرعية»، ويليه في الأفضلية الزمن الثاني وهو «أن يصلح الإمام نفسه ويفسد الناس»، وبعدهما الزمان الثالث الذي يتميز بـ«صلاح الناس وفساد الوالي»، أما الزمان الرابع فإنه «شرُّ الزمان [وهو] ما اجتمع فيه فساد الوالي والرعية» معا. وهو الزمن الذي تعيشه تونس اليوم حيث اجتمع عليها فساد الرعاة والرعية وتبجيل كل منهم مصلحته على مصلحة الكل ومصلحة الوطن ولو أدى ذلك إلى الخراب والدمار وعودة الناس إلى الحالة الطبيعية، حيث تنتشر حرب الكل ضد الكل ويسود الهرج والمرج وتضيع حقوق الكل بسبب غباء الفرد الذي يظن واهما أنه حين يقدم نفسه على الناس كافة، يحقق ما يريد دونهم ناسيّا أن مصيره وبقائه مرتبط بهم لا به. فهو دونهم لا قيمة له ولا ذكر لوجوده إلا بوجودهم. فاعتراف الكل بالكل هو ما به يكون الفرد فردا وإن انتفى الكل انتفى الفرد وضاع ذكره في الأزمنة كافة. إنها الأنا وحدية المطلقة التي تحكم عقل الفرد التونسي حتى اقترب من تضييع الوطن وهو يعتقد أنه يبني ذاته.

في هذا الزمن العجيب الذي انتشرت فيه المصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة وانتشر تحقيق الغاية دون اعتبار الوسيلة، فأصبحت كل الوسائل مبررة بتلك الغاية حتى ولو كان الوسيلة خراب البلاد وفساد العباد. تشهد تونس توظيف سياسي خطير للحراك الاجتماعي النابع من الحاجة لتحقيق تنمية عادلة بين جهات الوطن وخاصة تلك التي همشت طيلة المرحلة السابقة من تاريخ تونس. حيث يسعى البعض مستغلا حراكا اجتماعيّا مشروعا يحتاج لتجاوزه لفتح حوار وطنيّ شامل يعيد بناء الرؤية الاقتصادية الوطنية طبق منظور جديد – وهو ما وعد به رئيس الحكومة في بيانه حول ميزانية الدولة لسنة 2021 – ليبرر دعوته للتدخل العسكري في الشأن السياسي العام في تونس مستلهما ذلك من التجربة المصرية التي يعلم الكل أنها خطة أعدت مسبقا من الجيش نفسه طبقا لمراحل خططت بدقة حتى انتهت لانقلاب السياسي على الديمقراطية وقيم الثورة المصرية في الحرية والكرامة.

وقد وصل الأمر بإحدى الإذاعات الجهوية في تونس أن طرحت موضوع الانقلاب للحوار العام المفتوح داعيّا الجيش للقيام بذلك بشكل صريح ومباشر، ولعل من حسن حظ الديمقراطية التونسية أن الأمر لقي استهجانًا من عموم المتدخلين في البرنامج ومن داخل المؤسسة العكسرية نفسها التي ترفض أن يكون لها أي دور يؤدي لانتكاسة الديمقراطية التونسية أو للمواجهة الـأهلية بين الشعب. فالديمقراطية التونسية هي التي مكنت الجيش التونسي من احتلال مكانة عظيمة لدى عموم التونسيين بعد أن نكل به عهد الاستبداد وما حادثة براكة الساحل التي أهين فيها عشرات الضباط من قبل زبانية الداخلية التونسية في عهد الطغيان عنا ببعيد.

إن العبيد يضعون المظلات حين تمطر السماء حرية وهو ما تقوم به بعض النخب التونسية التي لا تمتلك القدرة على العيش في ظل حرية تعريها وتكشف تهافتها وتفضح شعاراتها التي كانت ترفعها بالاتفاق مع الديكتاتور في لعبة مزدوجة بين الموالاة والمعارضة في تونس قبل الثورة، فمن يدعون للانقلاب هم نفس النخب التي بررت الاستبداد وجملت حكم الديكتاتور أمام المؤسسات الغربية عبر ديمقراطية وهمية وشكلية كانت تعرف نتائجها سلفا وهي نفس النخبة التي ملأت خزائنها على حساب كرامة الشعب وكانت شياطين خرس حين كان ينتهك شرف النساء والرجال في أقبية وزارة الداخلية، بل بعضهم كان ممن كتبوا التقارير فيمن نكل بهم.

هؤلاء من يدعون العسكر اليوم للانقلاب على الديمقراطية وهم في الحقيقة لم يقرأوا التاريخ جيدًا وإلا لأدركوا أن الجيش التونسي ليس جيش انقلابات، وأن السلطة قُدمت له على طبق من ذهب حين قامت الثورة فزهد فيها. إن المؤسسة العسكرية  أكثر من يعلم أن لا خير في الحكم العسكري وأنه لا يجلب إلا الخراب فهو مفسدة للناس والعسكر معا. إنها نخبة عاجزة عن إيجاد حل للأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعيشها تونس فتلجأ للحل السهل وهو دعوة الجيش لتحمل مسؤولية قمع الشعب الذي عجزوا عن قمعه كما عجزوا عن حل أزماته التي أحدثتها تلك النخب بصراعاتها الأيديولوجية التي تجاوزها العصر. إنهم يفكرون في القرن الواحد والعشرين بعقلية النصف الأول من القرن العشرين ولذلك لا يمكنهم العيش إلا تحت أحذية الطغاة.

2- انسحاب الأستاذ راشد الغنوشي من رئاسة حركة النهضة وإنقاذ الديمقراطية

لم يتعرض أي سياسي تونسي طيلة التاريخ المعاصر لتونس لتشويه وتنكيل مثلما تعرض له الأستاذ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان التونسي. حيث تعمدت كل السلط السياسية في تونس منذ الظهور الأول لحركة الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة بعد انقلاب 7 نوفمبر 1987) في الثمانينات إلى حدود قيام الثورة التونسية سنة 2011 إلى استعمال كافة وسائل الدعاية السياسية والإعلامية والفكرية للإساءة لهذا الرجل بشكل حول شخصيته في اللاوعي الجمعي للمجتمع التونسي إلى مرادف لعدو الدولة والشعب وأن وجوده يشكل خطرا محدقا بكل أسس المجتمع التونسي الثقافية والدينية والسياسية فلقد أصبح الرجل بالنسبة للمجتمع الذي تشكل داخل عملية الضجة الإعلامية والشطط الإعلامي (media hype) يمثل كل الشرور التي تهدد وجود تونس واستقرارها وديمومتها كمجتمع ودولة.

وهو نفس الأمر الذي تواصل بعد الثورة ومنذ اللحظة الأولى لعودته لتونس حيث توجهت كل سهام الإعلامي الجديد القديم (نفس إعلام بن علي سيطر على الفضاء الإعلامي العمومي والخاص في غياب رؤية إعلامية واضحة للقوى الثورية الجديدة وغياب التنسيق فيما بينها) وكذلك سهام القوى السياسية اليسارية والقومية والدستورية (خاصة الجناح التجمعي) نحو استحضار التشويه القديم وإحيائه من اللاوعي الجمعي وإعادة نفس أسلوب الهوس الإعلامي (The hysterical media) القديم بالرجل لمحاولة الحد من التأثير الممكن على الرأي العام التونسي بعد الثورة، ولعل اغتيال الشهيد شكري بلعيد كان الفرصة الكبرى التي انتهزها هؤلاء جميعا لإحداث الضربة القاضية لشخصية الرجل بشكل يصعب معه إعادة تشكيل تلك الشخصية بصورة تدمر الصورة النمطية السابقة له كعدو للدولة والشعب ورغم كل الخطابات العقلانية (أمر لا ينكره حتى أعدائه) التي تدعو للحرية والوحدة الوطنية ورفض كل أشكال العنف والاستعداد لمد اليد للجميع عبر المصالحة الوطنية الشاملة فإن هذه القوى المتحالفة من سياسيين وإعلاميين ونقابيين حافظت على نفس الخطاب التشويهي المستحضر لما ترسخ في اللاوعي الجماعي خلال فترة الاستبداد.

وأصبح هذا الخطاب هو الخبز اليومي للتونسيين والتونسيات طيلة العشر سنوات الأولى للثورة التونسية بل وصل الأمر أن عطلت كل مصالح البلاد وألقي بطموحات الشعب التونسي في الحرية والكرامة والتقدم الاقتصادي والاجتماعي عرض الحائط حتى لا يستفيد الأستاذ راشد الغنوشي من ثمارها وكذلك حزبه رغم كل التنازلات بعد أحداث 2013 وما تبعها من حوار وطني شامل. فلقد اجتهدت القوى المتطرفة في الأحزاب والحركات السياسية والجامعة التونسية (حيث تسيطر النخب الفرنكوفونية واليسارية المتطرفة ومثقفي التجمع) والنقابات على ممارسة كل أشكال التعطيل لأي مشروع جامع قد يحقق أدنى نهضة اقتصادية وأقل تحسين للوضع الاجتماعي المتردي للشعب التونسي نكاية في عدوهم الأول وهو الأمر الذي انعكس سلبا على الوضع الاقتصادي العام للبلاد التونسية تتجلى مظاهره اليوم في الحراك الاجتماعي الحاد الذي يهدد بنسف الدولة ذاتها والانحدار بالمجتمع نحو المواجهة الأهلية والتفكك الشامل.

لقد أعلن الأستاذ راشد الغنوشي خلال حواره مع قناة الجزيرة (وهو موقف لم يجد اهتماما من الإعلام مثلما اهتموا بالصراع داخل الحركة حول مسألة بقاء وخروج الغنوشي) أنه سيلتزم بالقانون الداخلي لحركة النهضة الذي يمنعه من الترشح للمرة الثالثة لرئاسة الحركة وهو قرار جاء في وقت مهم لمنع تفكك الحركة نفسها وانقسامها قبل مؤتمرها القادم وهو ما يخدم القوى الداخلية والخارجية التي تسعى بكل الطرق لإفشال التجربة الديمقراطية التونسية وهؤلاء يعلمون جيدا أن انهيار حركة النهضة وتفككها مدخل أساسي لإفشال التجربة التونسية (وهو أمر تأكده كافة مراكز الدراسات الاستراتيجية التي تتابع التجربة التونسية) ولذلك يستعملون كافة الوسائل لتحقيق ذلك من استغلال لشخصيات داخل حركة النهضة والتضخيم الإعلامي للصراع الداخلي والانحياز لطرف دون آخر وتشجيعه على القطيعة والانفصال، مستحضرين تجربة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورفاقه بالانشقاق على نجم الدين أربكان وحزب الرفاه، وهي تجربة مختلفة تماما عما يحدث في تونس ولا يمكن إعادتها بأي شكل من الأشكال كما غاية القوى التي تشجع عليها ليس استحضار شخصية قادرة على قيادة تونس نحو التقدم والازدهار مثلما فعل أردوغان ورفاقه في تركيا بل التدمير الكامل للتيار الإسلامي بتفكيكه إلى أحزاب ذرية ضعيفة يسهل السيطرة عليها والتخلص منها بشكل دائم واستغلالها لضرب بعضها البعض.

إن هذه القوى تستغل بعض الشخصيات التي برزت بعد الثورة داخل حركة النهضة دون أن يكون لها أي ماض نضالي يذكر ضد الاستبداد أو تحالفت معه في فترة ما ونشطت ضمن التجمع الدستوري الديمقراطي وهي غير مستعدة للتسليم فيما حققته من مصالح نتيجة تقربها من رئيس الحركة واستغلالها للتحولات السياسية في الحركة وفي تونس بعد الثورة لبسط نفوذها دون أن يكون لها أي دعم من أنصار الحركة، حيث إن أغلب هذه الشخصيات تفشل في كل انتخابات تتقدم لها داخل الحركة ويتم تعيينها من رئيس الحركة بل إن بعضها رشح للمجلس النيابي رغم فشله في الاختبار الشعبي من قبل انصار الحركة في الجهات المعنية. هؤلاء هم من يسعون بكل الطرق لربط مستقبل الحركة ببقاء الأستاذ راشد الغنوشي وكأن حركة النهضة شخص وليس مشروعا، وكأنها حركة شخص وليس مؤسسات حافظت على وجودها في أشد الأوقات العصيبة التي مرت بها.

إن قرار الأستاذ راشد الغنوشي لعدم الترشح (إن صدق عزمه عليه) هو أكبر خدمة تقدم للحركة وللتجربة الديمقراطية التونسية. فهذا الانسحاب من رئاسة الحركة وترك إدارتها بيد من يختارهم أنصارها من الشخصيات الفاعلة والمحترمة شعبيّا ممن لا يمكن للإعلام والقوى السياسية المتطرفة والثورة المضادة تشويههم ممن لهم رصيد شعبي مميز من الاحترام والتقدير في عموم تونس ولهم قبول من القوى الوطنية الداخلية والقوى العالمية والإقليمية الفاعلة هو أكبر خدمة تقدم للحركة ولتونس في الظرف العصيب الذي تمر به.

فانسحاب الأستاذ راشد الغنوشي من رئاسة الحركة سيقطع الطريق أمام القوى الفاشية والمتطرفة في النقابات والأحزاب والإعلام على مواصلة نهج التدمير الشامل لكل أمل للتونسيين في مستقبل أفضل ذلك أن هؤلاء يطبقون سياسية الأرض المحروقة مستغلين سنوات التزييف الإعلامي التي حولت الأستاذ الغنوشي لعدو للشعب والتي لا تزال راسخة في اللاوعي الشعبي وتمثل حجر عثرة أمام تطبيع الحركة مع عموم الشعب، الذي لا يزال يخضع لسيطرة إعلام القذارة والتفاهة الذي يحارب كل من يريد خيرا بهذا الشعب فالخير ليس من مصلحة المافيات التي تحرك الأحزاب الفاشية والانتهازيين داخل الأحزاب الوطنية ورموز الفساد داخل الإعلام، والتي تعتبر تونس مزرعة لها وتعتبر ثروتها ملكا لها ولا حق للشعب فيها حتى أن بعضها يحرض الشباب التونسي على تعطيل المؤسسات العمومية خدمة لمؤسساته مثلما يحدث في قطاع الفسفاط، حيث تتعطل السكك الحديدية حتى تقوم مافيا شاحنات نقل الفسفاط بنقله وكسب المليارات على حساب الشعب التونسي فتزداد ثراء ويزداد الشعب فقرا.

إن انسحاب الأستاذ راشد الغنوشي من رئاسة الحركة ومن رئاسة البرلمان (رئاسة البرلمان كانت خطأ استراتيجي للحركة) هو أكبر خدمة يمكن أن يقدمها لحركة النهضة وللتجربة الديمقراطية التونسية، ولعل تفرغه للكتابة الفكرية وتحوله لشخصية وطنية ذات علاقات دولية كبرى تخدم التجربة التونسية هو الأفضل له وللدولة وللحركة وتونس على أبواب الاحتفال بالذكرى العاشرة للثورة التونسية. إن هذا الانسحاب سيسحب من تحت أقدام كل من يعطلون العمل البرلماني والحكومي ومن يتعللون بوجوده للتغطية عن عجزهم على تقديم حلول لمشاكل تونس وسيكشف الجميع على حقيقتهم أمام الشعب التونسي. إنه انسحاب كشف الحقيقة وتعرية الانتهازية التي يمارسها البعض باسم خدمة الشعب في حين أنهم ليسوا إلا أدوات تدمير للمافيات والفاسدين في تونس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد