«أنا لم أقتل ليلى الحايك.

أقولها لك أنت يا ديما الحبيبة الرائعة.

وأقولها لكم جميعًا أيضًا.

أقولها لكم للمرة الأخيرة دون أن أتوقع مردودًا بالجزاء ولا بالعقاب ولذلك لا بد أن تكون صادقة فليس ثمة أصدق من حكم يطلقه على نفسه رجل ميت».

افتتحت رواية غسان كنفاني برسالة صالح المحامي اللامع إلى زوجته التي ارتضى أن يفقد حبها وتقديرها ما دام حيًا حتى وإن قدم حياته ثمنًا لذلك.

الرواية في غاية البساطة، رواية بوليسية كلاسيكية ذات حبكة سلسة تجعلك تعيش داخل رسخ المحامي الشهير أحيانًا وتتجسد داخل جسد ليلى أحيانًا أخرى.

رواية تعبر بشكل كبير عن مدى غباء الإنسان وضعفه إزاء القدر ومصادفات الحياة التي يمكن أن تكون قاتلة أحيانًا.

ذلك الإنسان الشامخ المخادع أحيانًا والعقلاني أحيانًا أخرى يمكن أن ينسحق متى أرادت له الحياة ذلك.

لكنه – هذا الإنسان المنهزم نفسه – سيظل كما ولد وكما شاء له القدر أن يكون محاربًا لآخر لحظات حياته.

كلما اقتربت النهاية كنت أشعر بالخوف أكثر وكلما التهمت صفحة وتضاءل عدد المتبقيات اقترب صدى القنبلة في سيارته ذات يوم كئيب وتردد بوقع مرضي مؤلم.

الشيء الآخر، ليلى الحايك، عشيقته الأخيرة التي انتهت قتيلة ضحية للزمن والمصادفات.

رواية كتبها غسان الكنفاني بأسلوب غير معهود كشفت صورة أخرى عنه وجانبًا آخر من نفسه الإبداعية.

كنفاني الكاتب الرومانسي كما عرفناه في رسائله إلى غادة السمان وكاتب الثورة والقضية الأم كاتب فلسطين الأول يخرج عن نمطه المعتاد ليفاجئنا برواية بوليسية أقرب إلى نمط كتابة «الغريب» لألبير كامو إلا أنها تحمل في طياتها الطابع الكنفاني بامتياز؛ الدقة والانسيابية في الأحداث.

إن القارئ ومع أول مصافحة للكتاب يظن أنه بصدد مشاهدة فيلم مصري قديم أو هوليوودي كلاسيكي، إلا أن هذا الهدوء والانسياب ما يلبث أن يتحول إلى فوضى وإنهاك مع التحول الذي شهده صالح والتحول في الأحداث داخل الرواية.

عندما تشاء الصدف ونصبح تحت إمرة إله الزمن يمكن لأسوأ كوابيسنا أن تتحقق وعندها يقف الزمان والمكان وتفرغ الكلمات من معناها ويصبح حينها الصمت وسيلة.

وسيلة لحماية ما تبقى من ماء الوجه والبقاء أو الموت بكرامة وهذا النهج الذي سلكه صالح وارتأى أنه الأفضل.

إن الخروج من منطقة الراحة أو الأمان la zone du confort عند أي فرد مهما كانت شخصيته يدخله في دائرة من التساؤلات وينتج مجموعة من السلوكيات والقرارات التي قد نستغربها أو حتى نزدريها نحن المتفرجين.

تجمعت الشخوص داخل المحكمة سعيد وديما وليلى تجوب أرجاء القاعة متبخترة، تلك من يغريها كتم الأسرار وصالح الذي تفاجأ بحكم الادعاء وتفاجأت أنا بعبارة «لم تتم بعد».

رحل الكنفاني كما رحلت ليلى الحايك ولم يعلم أحد القصة الحقيقية، نضح قلم الكنفاني وجفت دماء ليلى في يوم واحد وهربت الحقيقة من كليهما وتخلى عنهم الحق.

وقع نشر هذه الرواية على حلقات في مجلة «الحوادث» قبل النكسة بفترةٍ قصيرة، ولم تنشر في كتابٍ مستقل إلا في العام 1980، بعد ثماني سنوات على استشهاد كنفاني. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد