لم يكن دقيقًا الخبر الذي تناول تغيير حماس اسم الأديب الفلسطيني غسان كنفاني عن إحدى مدارس القطاع، كما لم يكن حاضرًا في ذهن البعض ممن استفزه القرار من محبي غسان أنه ليس مجرد اسم يتكون من كلمتين تطبعان على لوحة مدرسة.

 

فالرجل الذي اغتاله الموساد بتفجير سيارته في بيروت مع ابنة أخته لميس عام ١٩٧٢، تملأ رواياته ومجموعاته القصصية ومسرحياته ومقالاته السياسية الدنيا ضجيجًا وصخبًا لا زالا مستمرين بعد عقود من نجاح الموساد في تغييبه جسديًا، وفشله في إطفاء فكره وقلمه، ذلك القلم الذي أنتج روائع أدبية تُرجِمَت لعشرات اللغات العالمية، رسخت جذور النكبة والشتات، عبر تفاصيل وسرديات أظهرت المأساة التي أصيب بها الفلسطيني، سواء عبر خروجه مشردًا من أرض الوطن، أو حياته لاجئًا في مخيمات التشرد العربية،  تلك التي خرج منها “رجال في الشمس” باحثين عن لقمة عيشهم في الكويت ليختنقوا داخل خزان الماء الفارغ في صحراء الحدود العربية، مفجرين ذلك السؤال الجدلي الذي ظل يطارد أبو الخيزران (سائق العربة)، ” لم لَم يدقوا جدران الخزان؟”.

 

لم يكن ذاك الخبر لو صح، ليطمس بتلك السهولة اسم صاحب “الأفق وراء البوابة”، جراء كثافة وتطرف أهميته ومكانته ومدى تأثيره في ترسيخ الوعي الفلسطيني، في وجدان الفكر الإنساني وتاريخ الحراكات الشعبية التحررية في العالم.

 

وبدى لو صح مرةً أخرى، أن من اتخذه يعاني خللًا واختلالًا في التعاطي مع اسم كان سيستطيع لو بقي حيًّا ما يعجز عنه غيره في تصوير مأساة فلسطينيين قضوا قتلًا  ومرضًا في غزة التي ذكرها في أوراقه الثلاثة من فلسطين، “ورقة من غزة”، وأن اسم سفينة “مرمرة” ذاته الذي استبدل به كان سيكون له وقعًا خاصًا  في رواية وقصة يخطها قلمه لو ظل حاضرًا، يسرد فيها تفاصيل الإبحار والإنزال وشلال الدم الذي سقط من شهداء كانوا على متنها، فتُخَلد رائعة أدبية بجانب روايات “ما تبقى لكم” و”برقوق نيسان” و”أرض البرتقال الحزين”، بدل إبقائها اسمًا مجردًا على لوحة صدئة لمدرسة مغمورة على الأطراف.

 

حتى لو لم يصح خبر إلغاء اسم من ثبتّ أسماء المدن الفلسطينية في “عائد إلى حيفا” و”ورقة من الطيرة”، “ورقة من الرملة”، مع أسماء فلسطينيين من إبراهيم أبو دية وعبد القادر الحسيني وحمد الحنيطي وأبو عثمان وأم سعد ومروان ودلال في أدبيات النكبة والمأساة الفلسطينية، فما كان ذلك ليضيره وهو الذي لم يعانِ من شعور النقص عندما لم ينتمِ كل هؤلاء لإطاره الفكري والسياسي، بل ذكرهم ليصور الوطن بانوراميًا من كل زواياه دونما إلغاء للآخر، ودون أن يدّعي أن تاريخ وطنه ابتدأ من حدود فكره السياسي أو انتهى عنده أو حتى مرّ عبره، وأن التاريخ الوطني أكبر من أن يحصر أو يختطف أو تحتكر حقوق ملكيته. وأن غسان كنفاني ليس عدوًا لأي فلسطيني وإن تمايز عنه فكريًا، وليس ذنبه إن تملك بعضهم عقدة النقص أمام حجمه وقامته التاريخية كأديب ومؤرخ ومناضل فلسطيني، وهو حتمًا أكبر من أن تعصف به أو تلغيه عملية طمس اسمه عن لوحة مدرسة في غزة، لأنه بحد ذاته مدرسة أدبية ونضالية نادرة فشلت قنبلة الموساد في تغييبها وإلغائها مع نتاجها الغزير من تراث أدبي مقاوم يقرؤه الملايين في العالم منذ عشرات السنوات،  بشكلية طردية مستدامة مع تقادم الزمن. حبذا لو دقوا جدار رواياته وقصصه، ليدركوا أن غسان كنفاني ليس اسم “بلوحات فاشلة رسمها بالدهان الرمادي إنسان مريض”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد