«ما فيش مجال أسال كل واحد عن هويته ولونه وجنسيته ودينه قال الله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ»

بهذه الكلمات خرج علينا أحد المشاهير بعد أن قام بالرقص على الموسيقى الإسرائيلية الشهيرة «Hava Nagila» بالتقاط صور مع أصدقائه من الكيان الصهيوني معانًا بها التطبيع، واستفزاز مشاعر العرب.

عندما تتأمل تلك الكلمات التي قالها تجد أنها كلمات غاية في الإنسانية.

الجميع يعلم أنه لا شيء يسمو فوق الإنسان الله خلق الإنسان أولًا وجعله فوقه كل شيء، وعلى البشر أن تتقبل بعضهم وتتعايش مع بعضهم البعض دون النظر للماضي والصراعات والحروب. لهذا سوف أضع الصراعات، وتاريخ الحروب، والهوية، والقومية، والسياسة، وسوف أتحدث عن القضية الفلسطينية والكيان الصهيوني بنظرة إنسانية بحتة.

حتى يفهم أمثال هؤلاء أن المشكلة مع الكيان الإسرائيلي أكبر من أن تكون مشكلة سياسية أو دينية أو قومية، بل هي في الأساس مشكلة إنسانية، وأن القضية الفلسطينية أكثر من مجرد قضية أرض، وأنها قضية كل إنسان حر بغض النظر عن الهوية.

في عالمنا العربى أصبح العنف والكراهية جزء منا الآن، ونعاني يوميًا بسبب ذلك، وفي الوقت نفسه نجد رسائل غريبة للغاية من صفحات إسرائيل التي تتحدث بالعربية نجدها تحاول أن تؤثر في عقل الشباب الباطن والأجيال القادمة.

فنجد كل حديثهم عن السلام والحب والتعايش وتقبل الآخرين والحصول على فرص أفضل للحياة سوف تجدهم يقومون بمشاركة صور وفيديوهات لشباب وشابات عرب، وهم يتحدثون عن السلام مع إسرائيل ومشاركة صور واحتفالات لتوقيع اتفاقيات مع حكومات الدول العربية ومشاركة آيات من القرآن والاحتفال مع العرب بأعيادهم، بل يصل الأمر إلى محاولة التقاط الصور مع المشاهير العرب حتى بدون معرفتهم لكسب معارك وهمية مثلما حدث مع النجم العربي محمد أبو تريكة، وقام بالهجوم عليهم.

إنهم يحاولون بشتى الطرق إظهار أن الخلاف أيديولوجي وخلاف سياسي وتاريخي فقط دون النظر إلا أنه ليس هنالك، بل الأساس قضية بين جلاد وضحية وقضية بين ظالم ومظلوم بين معتدى مغتصب وناس يدافعوا عن شرفهم ليس من حق الجلاد أن يتحدث عن السلام والتسامح، وما زالت الضحية مسلوبة الحق، ولا يمكن أن يكون هناك تسامح وقبول بدون أن تعود الحقوق لأصحابها.

وهناك نقطة في غاية الأهمية يحاول الصهاينة تصوير أنفسهم أنهم دعاة سلام وان ما حدث في الماضى حدث وانتهىئ ويحاول العرب الصهاينة الحديث عن ذلك باستمرار، وأنه تم تجاوز الماضي الأليم من أجل السلام، وأننا علينا أن ننظر للجميع على أنهم بشر دون النظر إلى أشياء أخرى.

وأن الشعوب المتحضرة يجب عليها تجاوز الماضي، بل إنهم يقومون بمهاجمتك، ويتم وصفه بالداعي إلى الكراهية والعنصرية، وفي كل بقاع العالم حدثت حروب، لكن فيها النهاية جاء السلام ليهزم كل أنصار الحروب. ثم يقومون بمفارقة رجل القش والحديث عن الحرب بين ألمانيا وبريطانيا والسلام الذى بينهم الآن. وأن بريطانيا وفرنسا احتلتا مصر، لكن الأمر أصبح مختلفًا الآن والعلاقات بين الشعوب جيدة.

إن الصراع بين ألمانيا وبريطانيا كان صراعًا سياسيًا توسعيًا بين قوتين متساويين في القوة، وكانت الحرب بسبب اختلاف ألمانيا مع أيديولوجيات النظام الدولي، وانتهت الحرب بعد أن تكبد الطرفان خسائر كبيرة، وبعد أن اعترفت ألمانيا.

وتم تصنيف هتلر ورجاله على أنهم مجرمين حرب وتم وضع النصب التذكاري لضحايا المحرقة في برلين كاعتراف بأخطاء الماضي والرغبة في التعايش فعلًا! وانتهى الأمر تمامًا بين ألمانيا وأوروبا، وعادت الأمور كما هي، وذلك لأنه تم محاسبة المجرمين وتكريم الشهداء وعودة الحقوق.

وإن عدنا للقضية الفلسطينية نجد أن هذا أمر مختلف فنحن نتحدث عن جرائم ترتكب من 1937 وحتى يومنا هذا بدون محاسبة أصحابها، بل يتم تكريمهم، واعتبارهم أبطالًا، وإلقاء اللوم على الفلسطينيين. فعندما نعود للوراء ونتذكر القضية الأشهر في الألفية.

قضية قتل الطفل محمد الدرة بين أحضان أبيه نجد أن النظام الصهيوني لم يعترف بالواقعة، بل أكد أنها واقعة مفبركة من الفلسطينيين، ولم يتم محاسبة القاتل الذي قتل طفلًا أعزلًا.

ونتذكر واقعة حدثت منذ فترة ليست بالبعيدة مجزرة يوم الجمعة السوداء التي تم قتل فيها 140 فلسطينيًا بينهم نحو 75 طفلًا وجرح أكثر من ألف آخرين، مع تدمير لمنازل المنطقة.

ماذا حدث بعد ذلك؟ هل قام الكيان الصهيوني الذي يبحث عن السلام بإدانة تلك الأفعال، بل أعلن النائب العام العسكري الإسرائيلي شارون أفيك عن إغلاق الملف وعدم فتح تحقيق جنائي، وأكد أن تصرف القوات الإسرائيلية كان وفقًا للقانون الإسرائيلي، وأن قتل 140 شخصًا كان غير قصد نتيجة مهاجمة إسرائيل لأهداف عسكرية.

وأيضًا مجزرة الشجاعية التي راح ضحيتها أكثر من 74 قتيلًا، في أعنف مجزرة، ومن بين الضحايا 17 طفلًا، و14 امرأة، وأربعة مسنين، ومئات الجرحى من المدنيين. وكان رد الفعل الصهيوني من خلال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بعد الحادثة: «نحاول استهداف الأهداف العسكرية وللأسف هناك ضحايا من المدنيين نأسف لسقوطهم ولا نسعى لاستهدافهم».

أما عن التعايش وقبول الآخر فهناك أمثلة لا تعد ولا تحصى على قدرة الصهاينة على التعايش مع غيرهم، مثل حرق عائلة دوابشة في منزلهم، عائلة فلسطينية كاملة أحرقت، من بينهم طفل رضيع.

نحن نتحدث عن كيان لا يحاسب على قتل المدنيين، ولا يدان على تلك الأفعال، فكيف يكون هناك ضمان لأي سلام مع طرف ما زال يكرر أفعال الماضي ويفتخر بها؟

عندما نقوم بسرد المذابح الصهيوني التي حدثت في فلسطين وما زالت تحدث نحتاج إلى مجلدات وكتب فمذابح مثل: صبرا، وشاتيلا، وكفر قاسم، ودير ياسين، والقائمة تطول، إننا أمام نظام محتل قمعى بامتياز لا يتم الإنسانية بصلة.

فنحن نتحدث عن نظام يتحدث عن السلام طول الوقت دون تقديم دليل واحد على أنه يفعل ذلك، بل ما زالت الانتهاكات مستمرة حتى اليوم.

نظام يعيش الأسرى الفلسطينيون والعرب في سجونه أوضاعًا صحية استثنائية؛ فهم يتعرضون إلى أشبع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي والحرمان من أبسط الحقوق الآدمية والرعاية الصحية.

إن حتى حياة عرب 48 الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية حتى الآن في إسرائيل غير آمنة فهم لا يحصلون على نفس حقوق اليهود في التعليم والحرية، بل يتم التعامل معهم على أنهم خلايا نائمة ومواطنون من الدرجة الثانية.

هل يستطيع المواطنين التعايش مع دولة دينية قامت على التوسعية غير معلومة الحدود حتى الآن وهو الدولة الوحيدة التي تعتبر محتلة هل هناك ضمان لدولة لا تعترف بأخطاء الماضى كيف يتم توقيع معاهدات على دم ما زالت تنزف وما زال الجيش الصهيوني يمارس أبشع الجرائم في المستوطنين.

أي سلام وإنسانية من الممكن أن تحدث هل من الممكن أن نرى اعترافًا منهم أن أرئيل شارون وجولدا مائير وغيرهما كانوا مجرمي حرب، وقتلة، هل يستطيع تاريخهم تخليدًا ذلك مثلما فعلت إيطاليا مع موسوليني يس وألمانيا مع هتلر.

هل من الممكن أن نرى محاكمات عادلة عن كل الجرائم التي حدثت وما زالت تحدث.

هل هؤلاء الذين يتحدثون عن السلام يستطيعون أن يجعلوا غسان كنفاني رمزًا للنضال والكفاح كنوع من التكفير عن جرائمهم، أو نرى جداريات في قلب تل أبيب عن الأبرياء الذين تم قتلهم دون ذنب. هل يكمن أن نرى تمثال لغسان كنفانى أو محمد الدرة في قلب تل أبيب.

لم اتحدث من منظور قومي أو ديني أو سياسي، بل تحدثت من منظور إنساني دون النظر إلى أي خلاف سياسي أو أيديولوجي ودون النظر إلى التاريخ فقط تم النظر إلى الإنسان ليعرف امثال ذلك الذين يتحدثون عن السلام، وتقبل الآخر، أن الأمر أكبر من أن يكون من منظور أيديولوجي، بل هو يقع تحت بند حقوق الإنسان. فنحن نتحدث عن بشر في عام 2020.

يعيشون تحت الحصار، ويعيشون حياة تعسفية للغاية، يكفي أن نعرف أن الفلسطينيين لا يستطيعون التنقل مثل باقي البشر، بل هناك إجراءات قمعية شديدة، ويكفي أن نعرف أن كمية الوقود التي تسمح اسرائيل بمرورها إلى غزة لا تكفى لأشغال الكهرباء يوميًا، بل إن الكيان الإسرائيلي يمنع المواطنين من أبسط حقوقهم العلاج حيث إن الأدوية قليلة جدًا في فلسطين لا يمسح لهم بالعلاج في الضفة الغربية، أو في تل أبيب، ويكفى أن نعرف أنه يتم اعتقال الفلسطينين دون أي قضايا أو محاكمات غير سلب حقوقهم في التعليم الجيد والحياة الآمنة وحرية التعبير وغيرها من أبسط حقوق الإنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد