عملاق يُحارب الجيش الذي لا يقهر بورقة وقلم

بلد الأحرار وقلعة الثّوّار

عكّا التي نعرفها ونُحِبّها، عكّا التي ظلّت باسلة في وجه العِدا، المُقاوِمة لكُلّ مَعانِ الضعف والقهر، المُنادية للأحرار، خُصبت بعقول الثّورة فأنجبت لنا الكنفاني غسّان، ومن هُنا انطلقت مسيرة جديدة من النّضال سُطرت في كِتاب عكّا الحُر.

ميلاد الأديب الحُر

عاش غسّان في يافا، التي زُيّنت بيّاراتُها بالبرتقال المليء بِحُبّ الوطن ولِد عام 1936 أي بتاريخ ثورة الفلاحين التي أبت كُلّ الذّل وجددت ميثاق الدّفاع المُسلّح، تلك الثّورة التي علّمتنا كيف تعود أرض الحقّ بالسّلاح، وكذلك غسّان.

ترعرع فكره لمحق الباطل وإضفاء الصّفة الثّورية لميلاد الحُريّة، كان يُجاهد بقلمه وفكره، دفع الاحتلال عمّا احتله رُعبًا،نفض غبار الخوف عن لسانه ونطق بكلمة «لا» تلك الكلمة التي لا يتفوّه بها سوى الأحرار.

ما بين الثورة والثروة الفكرية يُبدع الغسان

شَدّ عزمه وفكره، عمل أُستاذًا ثُمّ بدأ بعمله الأدبي، أكثر من 18 مؤلفًا حُرّة نبعت من بحره وآزرت الضّعفاء.
لم يترك أي شبرٍ من البلاد إلّا وذكره، ولم يترك فكر الصّهيونيّة تصول وتجول كيفما تُريد.
حارَبَ، صاحَبَ، صارَعَ، عَارَكَ، قاتَلَ، قارَعَ، قاوَمَ، نازَلَ، واقَعَ، دافَعَ، كافح، نافح،
جاهَدَ، خاصَمَ، صارَعَ، غَامَرَ، نازَعَ، ناهَضَ، وناوَشَ، لكنّه لم يحمل السّلاح، بل حمل القلم والورقة، فسطّر، أَلَّفَ، أَنْشَأَ، حَبَّرَ، حَرَّرَ، خَطَّ، دَوَّنَ، زَخْرَفَ، سَجَّلَ، وكتب.

العاشق الكنفاني

لم يكن صاحب الوطن فحسب، بل كان عاشق وطنٍ وسيّد العُشاق، خَطَت أنامله رسائل عشق عبّر فيها عمّا عاناه وما يُعانيه، ربط بين القلب وحُبّ الوطن، أسكن محبوبته قلبه وشبهها بالوطن، كان يهرب من حُزنه إليها ويلجأ إليها حينما يُنفى من عالمه، لم يكن يعلم أن رسائله لغادة السّمان ستُنشر بعد استشهاده، وأنّه سيُصبح قدوة العشاق.
دفعه حُبّ الوطن للحُريّة، فلم يقف عاجزًا عن التّفكير، كان يكتب ويحاور يناقش ويناهض، كان الغسّان كما الوطن الحي.

اغتيال العظيم

لم نستطيع حفظ تاريخ اغتيال العظيم، فنكاد لا نُصدّق بأنّه رحل ومرّ على رحيل قرابة النصف قرن.. عبوات ناسفة زُرعت في سيارته، ما أن وصل إليها هو وابن اخته لميس حتى انفجرت بهما.. كان وعد لميس بأخذها، ما أن نزل من البيت حتى لحِقته ابنته الصغيرة ليلى تطلب منه أخذها إلى البقالة القريبة، لكنه رفض، وكأنه على دراية بأن روحه ستفيض للعُلى شهيدة في حوزته كانت حبة حلوى فأعطاها إياها.. شغّل سيارته وانفجرت بهما على الفور، وضحكت السماء لهما وأُدميت القلوب عليهما.

والسّؤال الذي درج آنذاك: من قتل غسان؟

بقيت القضية متاحة لفترة، والتساؤلات تتزايد عن سبب قتله ومن قتله؟ لكن الحقيقة ظهرت فيما بعد، فسياسة القتل المباغِتة هذه أضحت معروفة لمن، ومعروف أيضًا عن الكيان الصهيوني الذي يملك موسادًا حقيرًا.

لكن! أسئلة أخرى تخطر على البال: كيف الأخ يغدر بأخيه؟ كيف يُسلمه للعدو؟ كيف سمحت له عروبته بتسليم رأسه؟ كيف لبيروت أن ترفض كاتبًا حُرًّا وتساهم في قتله؟ قتلوه، وأصدرت فيما بعد وزيرتهم الملعونة جولدا مائير السماح للموساد بقتل المناضلين حتى وإن كانوا في أوروبا.

ظنّوا بأنّه كورقة كتاب إن حُرقت تُنسى، لكنّهم لم يكونوا على دِراية تامّة بأنهم ساعدوا بشهرته أكثر فأكثر.
رمز القضيّة لم يرحل.. وصاحب الحق لا يرحل.

كان رمزًا شامخًا باسقًا للوطن بخيره، فلا مكتبة تخلو من كتب غسان، ولا مُثقفٍ لم يقرأ له، حتّى من كره الكُتب قرأ له، أيّ الكُتاب هذا يُحدِث كُلّ هذا؟
رحل صاحب الفكر الذي لن يُكرر، رحل غسان بجسده فحسب وبقيت روحه تحوم حولنا.

غسّان في كُلّ زمان ينبض

رحل غسان كجسد، لكن فكرته لا زالت مُخلّدة وتنشأ معنا، لا زال غسان يفيض عطره ويُنشر ربيع طيفه وأحاساسيه المُرهفة وكلماته العذبة، لا زال غسّان حيًّا وإن كان ميتًا، قرابة النّصف قرن مرّت على نفاذ حبره وقلّة كلماته، لكنّه كتاباته لا زالت على مكاتبنا وحاضرة في ذهننا، استشهد صاحب القلم الحُرّ والفِكر الحُر والقلب الحُر وترك خلفه جيشًا تجلّت أفكارهم بفكر غسّان ومشاعره.

غسّان ومن يسكن قلبي

كتبت ذات مرة: وإنّي لأُشبهُك بكنفاني، أتراهُ العملاق؟ والذّي استطاع إيصال جوهر القضية للصّغير والكبير، لمن في المهد إلى من في اللّحد.
إنّه الكنفانيُ غسان، صاحب القضية، لسان صوت الحق، القوي الجبّار الذي لا تهزُه طواغيت الزمان. ذاك الرجل العظيم الذي قيل في رثائه: لو دخل الجنة أو النّار سيحكي ويُوصل القضية لسكانهما.

ستقول ما وجه الشّبه؟ حسنًا، تعال لنحكي قليلًا، لقد أخبرتني بأنّك، رافضًا للذّل والخزي للأمة العربية، صاحب الحقّ والذّي لا يموت أبدًا، ذو الحنجرة الذهبية المغنية بالعروبة الأصيلة.. صاحب الكتابة الحرة بالقلم الحر. يا من تكتب كلماتك الحرة، ولا تهاب النتائج، ويا من نطقت الحق في وقت عزّ فيه، وحملت لقب رجل الوطن، في وقت كثر تجاره، وحُملت على أكتاف رفاقك لتقل الصّحيح. رجلٌ وطنيٌ حر أبيٌّ مدافع مناضلٌ.

 أعرفت ما قصدته؟ ولو بقيت أقارن بينكما لما انتهيت، كلاكما عظيمان، الأول خلده التاريخ والآخر على الطريق، فصاحب صوت الحقّ والكلمات الحرة لن يموت ولو بعد مائة عام. دُمت حُرًا بقلبي كما دام غسان حُرّا بقلب فلسطين..

ويبقى السّؤال الحي في قلوبنا؛ هل سيخرج الكنفانيّ من جديد؟ أم سيبقى مُجرد سؤال عابر؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد