كانت معرفتي الأولى بالدراما التاريخية السورية في عام 2000 م، وقتها أتيح لي للمرة الأولى أن أشاهد وأتابع المسلسل السوري (الزير سالم) من تأليف وكتابة ممدوح عدوان، ومن إخراج حاتم علي.

 

 
كانت تجربة متابعتي لهذا العمل تجربة غريبة ومثيرة في الوقت ذاته؛ فللمرة الأولى أشاهد مسلسلا تاريخيا غير مصري ، أتذكر أني وجدت صعوبة كبيرة حينذاك في فهم اللكنة السورية كما أني لم أكن مستعداً في ذلك الوقت لتغيير الشكل النمطي الذي تعودت عليه في تلقي العمل الدرامي التاريخي العربي، ذلك الشكل الذي استقر في ذهني ومخيلتي من جراء متابعتي السابقة للأعمال الدرامية التاريخية المصرية التي كانت منتشرة في القنوات التلفزيونية المصرية، مثل مسلسل الفرسان، ومسلسل الأبطال، ناهيك عن الأعمال التراثية مثل السيرة الهلالية والأعمال الدينية التاريخية مثل مسلسل الإمام الطبري والإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان.

ولكن بعد متابعة عدد من حلقات الزير سالم، وجدت نفسي وقد انجذبت بشكل تلقائي للعمل وأصبحت حريصاً على متابعته ومشاهدته، خصوصاً بعدما اعتادت أذني على وقع اللغة العربية الفصحى ذات اللكنة الشامية التي يخاطب بها أبطال المسلسل بعضهم بعض.

 

 
ولم ينته شهر رمضان في ذلك العام، إلا وقد عرفت أنى أصبحت أسيراً لذلك النوع من الدراما التاريخية، وتأكدت أن مسلسل الزير سالم قد أضحى بمثابة بوابة عبور لي لمعرفة الوجه الآخر من الإبداع الفني التاريخي السوري.

 

 
وفي عام 2001م تابعت مسلسل صلاح الدين الأيوبي، ذلك العمل الضخم الذي قام بتأليفه د/وليد سيف وأخرجه حاتم علي، حينها تأكدت أن شغفي بالزير سالم لم يكن محض صدفة، وأن إعجابي بالدراما التاريخية السورية ـ الذي تحول إلى هوس فيما بعد ـ لم يكن إعجابا مؤقتا.

في مسلسل صلاح الدين تأثرت جداً بالنص والسيناريو والحوار، فلم يكن د/وليد سيف في هذا المسلسل يكتب سيرة بطل إسلامي كبير وحسب، بل كان يؤرخ لفترة من أصعب وأكثر اللحظات الحرجة في تاريخ الأمة الإسلامية، كما أن تجربة حاتم علي الإخراجية في هذا المسلسل كانت تزداد صقلاً وجودة وامتيازا.

 

 

 
ومع إبداع الكلمة وكفاءة الإخراج، كانت باقي عناصر العمل الفني تزيدني انبهار فوق انبهار، فالتصوير والإضاءة والمكياج كانوا يزيدون العمل قوة، ويقربونه جداً من تقمص روح العصر الذي جرت فيه أحداث المسلسل، كما أن الموسيقى التصويرية للمبدع طاهر ماميللي قد أضفت على المسلسل أصالة وروحاً خلاقة إلى أبعد حد.

 

 

 
وفي نفس العام، أعلنت شركة (سوريا الدولية للإنتاج الفني والتوزيع) عن نيتها لإنتاج رباعية درامية تاريخية أندلسية تحكي فيها المحطات الرئيسية لتاريخ الأندلس من الفتح إلى السقوط.

 

 
وكم كانت فرحتي كبيرة عندما عرفت أن الشركة المنتجة قد أسندت تأليف تلك الرباعية للمبدع وليد سيف كما أسندت مهمة الإخراج لحاتم علي.

 

 
في رمضان عام 2002م، بدأت إذاعة أولى أجزاء تلك الرباعية بعرض مسلسل (صقر قريش)، والذي تناول سيرة عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الذي اشتهر في التاريخ بـ(عبد الرحمن الداخل).

 

 
تناول المسلسل تلك الرحلة الملحمية للداخل وكيف أستطاع الهروب من تعقب العباسيين الذين وصلوا للسلطة عام 132 هـ، وكيف أستطاع أن يدخل الأندلس فيخضعها لسلطانه ويقيم بها دولة أموية جديدة وأن يعيد إحياء دولة آبائه الغابرة في المغرب، بعد أن سقطت وانتهت في المشرق.

 

 

 
أما في عام 2003م، فكانت الحلقة الثانية من الرباعية حينما تم عرض مسلسل (ربيع قرطبة) الذي تناول قصة محمد بن أبي عامر المنصور، ذلك الفتى الذي استطاع أن يستخدم طموحه ومواهبه وكفاءته

النادرة في أن يصل إلى أعلى مراتب السلطة في الدولة الأموية، إلى الحد الذي جعل المؤرخين يطلقوا على حقبته اسم (الدولة العامرية) بالرغم من استمرار وجود الدولة الأموية.

 

 

 
وفي عام 2005م كانت الحلقة الثالثة من الرباعية، حينما تم عرض مسلسل (ملوك الطوائف) الذي تناول قصة تشرذم المسلمين في الأندلس، وتحول الدولة الواحدة إلى دويلات منفصلة ومتناحرة مما أعطى الفرصة لصعود نجم وقوة ممالك الشمال النصرانية الإسبانية المتحفزة.

 

 
لم تكن تلك الأعمال الثلاث أعمالاً عادية، ولم تكن مجرد مسلسلات قد تم إنتاجها بغرض الترفيه وإعطاء الدروس والمواعظ والحكم، بل إنه يمكن أن نعتبر أن كل عمل من تلك الأعمال كان عملاً سياسياً فكرياً بامتياز، فكم من سؤال صعب قد تم طرحه فيها وكم من قضية فكرية قد تم مناقشتها.

 

 

 
فإذا ما أردنا أن نناقش تلك الأعمال من وجهة نظر سياسية نقدية وجدنا أن د/وليد سيف قد طرح عدد من الأسئلة (المسكوت عنها) في تلك الفترة، والتي لم يكن من الممكن أو المتاح أن يتم طرحها بشكل مباشر وصريح في ذلك الوقت.
كان وليد سيف يسقط الماضي على الحاضر ويسقط الحاضر على الماضي بشكل فريد ومتميز بحيث أن المتتبع الجاد لتلك الأعمال يجد أن الماضي وقد أصبح متجسداً في حاضره.

 

 

 
عن علاقة الحاكم بالمحكوم وعلاقة الحاكم بالسلطة، عن الاختلاف بين المثال والتطبيق وكيف يتحول الثائر الحالم المطالب بالديموقراطية والمساواة إلى ديكتاتور مستبد إذا ما وصل إلى السلطة.

هل الحق والحقيقة شيء واحد؟ وهل هما وجهان لعملة واحدة؟ هل ما يحدث في قصر الحاكم هو ما يطلبه رجل الشارع؟ هل هناك طريق واحد للوصول للسلطة؟

فإذا ما كان هناك طريق واحد، فهل هو طريق صقر قريش الذي اعتمد في الأساس على اسمه ونسبه، أم أن الطريق هو طريق المنصور بن أبي عامر الذي وصل إلى ما وصل إليه بعدما كان مجرد فتى بسيط من حصن (طرش) خامل الذكر معدوم النسب؟
آلحق الإلهي هو الطريق أم العصبية القبلية والفتوة والمقدرة الفردية؟

وما السبب في ضعف الدولة وانهيارها وتراجعها أمام أعدائها، هل السبب يكمن في ديكتاتورية السلطة؟ فلماذا إذن كانت الدولة الإسلامية في الأندلس قوية في عهود الداخل والناصر والمنصور؟ ولماذا ضعفت في عهود المعتضد والمعتمد، رغم أن جميع تلك الشخصيات التاريخية كانت شخصيات ذات نزعة سلطوية ديكتاتورية، لا أثر للشورى والديموقراطية فيها؟

 

 

 
وأمام كل تلك الأسئلة تجد نفسك أمام تاريخ الأندلس الغابر تشاهد أوقات العظمة والقوة والسلطان ثم بعدها تطالع أزمان الضعف والتردي والخذلان، فما تملك إلا أن تنظر إلى حاضرنا وواقعنا المؤلم الذي يشبه كثيراً أوقات أفول نجم المسلمين في الأندلس.
وما زلت حتى الآن أنتظر خبراً أو معلومة تفيد بإنتاج الجزء الرابع المتمم للرباعية، ذلك الجزء الذي يحكي قصة السقوط الأليم لغرناطة حاضرة المسلمين الأخيرة في الأندلس، ذلك الجزء المعنون بـ(خريف غرناطة).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دراما, فن, مسلسلات
عرض التعليقات
تحميل المزيد