«الكومباوند» من المصطلحات التي شاعت مؤخرًا بمصر, هو ضاحية سكنية جديدة تقع على أطراف المدن وفي أغلب الأحوال في المناطق الصحراوية المتاخمة لعواصم المدن المصرية و«الكومباوند» أعزّكم الله فكرة غريبة وافدة على المجتمع المصري, وحسب تصوري هي عبارة عن مجموعة من السكان يلتقوا على فكرة الإقامة في مساحة من الأرض مسوّرة أي محاطة بسور وفي ظل حراسة من شركات أمن خاصة, ويتوافر في «الكومباوند» خدمات كثيرة قد لا تترك فرصة لساكنيه للخروج منه, الخلاصة أنه مكان هادئ للسكنى والإقامة بعيدًا عن ضوضاء الشوارع والمدن المصرية, وتجنبا للغوغاء.

وفكرة «الكومباوند هي تطويع مصري لمفهوم «الجيتو» حيث تبحث الأقلّيات لمكان يوفر لها سكنًا آمنًا، ويحقق لها الابتعاد عن مشكلات المجتمع وبما يحوي من مصائب.

قديما وربما حتى عقدين من الزمان كان التلاحم قائمًا بين أحياء الأغنياء أو صفوة القوم من كبار موظفي الدولة وبين الأحياء الفقيرة من غالبية وعامة الشعب, فكان التلازم والجوار والقربى يشكلان معّا نسقًا اقتصاديًّا وتكافليًّا مدهشًا, فكُّل كان بحاجة للآخر ولا يستغني عن خدماته, ودائمًا كان هناك خط فاصل وهميّ بين هذا الحيّ وذاك لا يختلطان كما الزيت والماء، كل منهما يقترب من الآخر وربما يتداخل معه لكنه تداخل الأضداد القائم على عدم الخلط وسهولة الفصل. الفقراء والمعوزون وأصحاب الحرف والمهن التي يحتاجها الأغنياء كانوا يقيمون بعيدًا على أطراف المدن وعلى التخوم من أحياء الأثرياء .

كان الأغنياء وأثرياء القوم يقطنون وسط الناس وبالقرب منهم, في تبادل منفعة اقتصادي مدهش وربما الحالة هنا لا تختف كثيرًا عن دول كثيرة بالعالم, حتى وفدت إلينا فكرة الكومباوند أو الجيتو العقاري بالمعنى المعاصر, فهي فكرة وافدة من الخارج, تشي بكم الخوف والقلق من أصحاب الثروات والنفوذ في الإقامة بين ظهراني الشعب وسواد الناس من الفقراء والمعوزين ربما خشية الحسد أو خوف من تداعيات اضطراب سياسي أو اجتماعي تتطاير نذره تحت السطح منذ سنوات بعيدة وربما لأسباب أخرى, لكنا في النهاية دفعت هؤلاء وغيرهم من مُحدثي النعمة للاستقلال بحياتهم هناك وراء التخوم وبأطراف الصحراء.

الآن تبدّل الحال بصورة مدهشة, بأيديهم نبذّ الأثرياء وكبار القوم حياتهم القديمة وسوّروا أنفسهم بسياج كثيره من الوهم وقليلة من الجُدر والبوّابات والأمن, فشكل جديد من «الجيتو» العقاري, لم نره من قبل, هكذا أصبح هؤلاء بثرائهم يقيمون على أطراف المدن والتخوم .

نُجزم أن الحالة تستدعي دراسة علمية رصينة (سياسية – اقتصادية – اجتماعية – ثقافية) من علماء ثقات للوقوف على أسبابها وتعّرف نتائجها وتداعياتها المستقبلة, فاللُّحمة التقليدية التي تربط المصريين ببعضهم البعض أصبحت اليوم محل شك, وما كان موضع تماسك وبنيان مرصوص يشدّ بعضه بعضًا أصبح هشًّا نخشى أن تذروه الرياح.

وعن يقين تتفتت «مصر» الآن لعدد كبير من الجيتوهات, حيث تتشكلّ أقليات من الصفوة أو النخبة سواء الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية, عازلة نفسها بإرادتها عن باقي المجتمع, خشية أو خوفًا منه أو اتقاء لشره أو تجنبًا لخوض صراعات تتعلق بحقوقه ومطالبه, وفي نفس الوقت يجد سكان تلك الجيتوهات متسعًا من الوقت للحديث باسم الفقراء ونيابة عنهم في إدارة شئون البلاد والمجتمع، وهكذا نرى توسعًا في اقتصاد التبرع بالتزامن مع تعميق فكرة الكومباوند أو الجيتو.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد