قبل أن أُوقظ أقلامي من غفلتها، وأحررها من سباتها الطويل، وفي كل مرة أشاور فيها عقلي، هل هذا هو الوقت المناسب لأكتب مقالي هذا أم لا ؟ أصبح ضحيةَ صراعٍ داخلي ما بين الموافقة أو الرفض! فأحيانًا أختلف بيني وبين نفسي بسبب توقيت نشر هذا المقال، وأحيانًا أعيد حساباتي بسبب محتواه الذي قد يعتبره البعض أقل أهمية خصوصًا عند مقارنته بقضايا أخرى؟ ولكن هذا كله لن يهمني؛ فهناك حقيقة لا بد من توضيحها، شاء من شاء وأبى من أبى، سأطلق العنان لأقلامي لتبوح عما في داخلي.

أتحدث اليوم عن الجزء المخفيّ من معاناة أهل غزة، بالتحديد المغتربين منهم ،وقد اخترت غزة كمثالٍ بحكم التجربة، ولأنها تلك المدينة الصغيرة التي تجتمع فيها كل التناقضات، وأعتقد أن مقالي هذا قد ينطبق على مغتربين آخرين من أقطارٍ مختلفة يشربون من نفس كأس المعاناة.

«هل هذا معقول؟ وهل يعاني الغزيون خارج غزة أصلًا؟ وهل يحق لمن خرج من غزة أن يتحدث عن معاناتها؟ وهل من أحمق يجد لنفسه فرصة للخروج من غزة ولا زال يفكر بالعودة؟» هذه جملة من الأسئلة وغيرها الكثير يتم تداولها دائمًا في نفس السياق، وهذا ما دفعني حقًا لكتابة هذا المقال.

كلنا يعلم الظروف التي تمر بها مدينة غزة ودائمًا ما يتم تسليط الضوء على معاناة المواطنين هناك بسبب الحصار والمؤامرات والفقر والحروب المتكررة وغيره، ولكننا نغفل دائمًا عن الغزيين خارج غزة ومعاناتهم في رحلة الغربة الطويلة.

نعم يغفل كثيرٌ من الناس حقيقة معاناة مغتربي غزة، فهم أولًا وقبل كل شيء امتدادٌ لمعاناة وطنهم الأم، بل أنهم أينما يُولّوا في مشارق الأرض ومغاربها يتم معاملتهم بشكلٍ مختلفٍ عن غيرهم، دائمًا ما يصطدمون بعلامات استفهام كثيرة وكبيرة عند السفر إلى كثير من البلدان أو حتى المرور بمطاراتها – إلا من رحم ربي –، لماذا ؟ لأنهم فقط من غزة.

ولئن سألت مغتربًا من غزة عن أشد أنواع العذاب والقهر ستكون اجابته: عندما يصبح الوطن خبرًا على تلفاز، أو صورة على فيسبوك، أو تغريدة على تويتر، عندما تصبح لمسة حنان الأم عبارة عن رسالة واتس أو مكالمة فيديو، عندما يكبر إخوتك أو أطفالك فتشاهد صورهم ومع كل صورة تتقطع حسرةً وألمًا ،عندما تأكل فقط لتسد جوعك دون أن تستمتع باجتماع أسرتك، عندما تصبح المناسبات بالنسبة لك مجرد خبر عادي فأنت لا تملك سوى أن تفرح لمن تحب، دون أن تحلم حتى أن تشاركهم فرحتهم، عندما تفقد عزيزًا ولا يحق لك أن تلقي عليه نظرة الوداع الأخيرة… إلخ.

وكي ألخص المشهد دون إطالة؛ سأقتبس جملة من صديق، تعبّر عن حال معظم المغتربين، حيث يقول:  «كل ذرة غبار على حقيبة سفري، ستوجه اللعنة على من حرمنا من رؤية أهلنا!».

السبب في كل هذه المعاناة، وما سيتلوها من اتهامات من الأقربين، هو ذلك المعبر المشؤوم الذي قطع التواصل بين الغزيين وأبنائهم في الخارج، سنوات يقضيها المغترب في غربته دون أن يظفر بعودة إلى بلده، وإن فكر بالعودة فإنه سيكون إما طالبًا قد يفقد فرصة استكمال تعليمه، أو عاملًا قد يفقد عقد عمله، أو زوجةً مهددةً بالطلاق، أو مقيمًا في الخارج قد يفقد إقامته…إلخ؛ لذا عليه أن يستسلم لفكرة بقائه مدة طويلة بعيدًا عن أهله، وأن يتحمل النار المشتعلة في قلبه دومًا، وأن يضمّد جراحه بنفسه، وأن يجبر كسر قلبه بنفسه، وأن يصبر على الاتهامات من هنا وهناك بل ويصمت، لأن لا أحدًا سيفهم وضعه أكثر من نفسه.

وبعد كل هذا، فأنت كمغترب غزّيّ بين همّين: الأول من يحسدك على مكانك، والثاني من يتهمك بالتجرد من وطنيتك واستمتاعك بغربتك! وكلاهما لا يعلمان حقيقة النار المشتعلة في داخلك مع كل يوم تقضيه مغتربًا، وأنت دائمًا مُطالبٌ بالتبرير، والدفاع عن نفسك؛ وإلا فأنت منعدمُ وطنيةٍ تجرَّد من انتمائه لوطنه، أو مغرورٌ وجدَ لنفسه فرصةً للهرب من الجحيم وأخذ يعاير غيره!

وكما أن لكل قاعدة شواذ، ومن باب المصداقية والموضوعية ؛ فلا شكّ أن هناك فئة من المغتربين لا ينطبق عليهم الوصف، ولا يعنيهم سياق الكلام، بل وربما هم على نقيض مما ذُكر، تبقى لكل شخص وجهة نظره، ولكن القاعدة لا تُبنى على الشواذ!

ختامًا، كما أن أهل غزة يحلمون بحياة تشبه الحياة؛ فإن المغتربين من غزة أيضًا لا يحلمون بأكثر من حرية تشبه الحرية، وأن يتمتعوا على الأقل بحدٍ أدنى منها، يحلمون بحقهم في التنقل والخروج والعودة إلى غزة متى شاؤوا، يحلمون بمشاركة ذويهم أفراحهم وأحزانهم، يحلمون برائحة هواءٍ نقيةٍ في موطنهم، أحلامهم بسيطة ومشروعة، مثلهم مثل غيرهم من المغتربين، فيا أهل غزة كونوا لهم سندًا وعونًا، وادعموا صمودهم فهم امتداد لصمودكم، ولا تجعلوهم دائمًا الجزء المخفي من المعاناة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد