من سيناريو قتل وحصار وتهجير ودمار إلى آخر، فلا تتوفر وسيلة قتل ودمار إلا وتستخدم ضد الإنسانية المتمسكة بمبدأ الحرية والكرامة الرافضة للرضوخ والتسليم للنظام.

سيناريو حلب وحمص وغيرها من المدن يتكرر وبنفس الطريقة والأسلوب والعنف، كانت محررة، وعاشت نشوة النصر، وذاق سكانها طعم الموت والقهر والجوع والفقر واليتم، وبعد سبع سنوات من اندلاع الثورة والتقدم والتحرير لكثير من المناطق؛ نراها تسقط مدينة تلو الأخرى بيد النظام بحجة توفير الأمن والاستقرار لتتصدر الباصات الخضراء مسار الشوارع في المدن التي حتى لو أن أحجارها تنطق لنطقت بما حل بها من أسى.

لماذا كل هذا الذي يجري؟ هل لأنهم من أهل السنة والحق؟ هل لأنهم متمسكون ببقائهم على تراب هذا الوطن؟ أي ذنب اقترفه هؤلاء الأطفال حتى تقتل طفولتهم قبل أن تتنفس!

حتى الجنين الذي يعيش في أحشاء أمه الحامل يقتل وهو في أحشاء مدينته المحررة، في أحشاء سوريا الأم يقتل!

والطفل الذي يعيش بمنزله الرطب يفتقر لأصغر تفصيل من تفاصيل مقومات الحياة ليصل إلى حالة سوء التغذية ليتعرض للموت بجميع الأطعم: طعم الجوع، وطعم القصف، وطعم الفقر، وطعم اليتم، وطعم الخوف، وطعم الضياع.

نتكلم هنا عن الغوطة المحاصرة منذ أكثر من ست سنوات.

بالمقابل توجد قريتا كفريا والفوعة الشيعيتان محاصرتان من قبل الثوار في المناطق المحررة، ولكنها تعيش الترف والرفاه، على عكس المحاصرين في الغوطة، فيوجد ألف مجال للمقارنة بين حصار وآخر، بين الغوطة وكفريا والفوعة، بين السنة والشيعة، فالشيء الذي يصعب على أهل الغوطة الحصول عليه يحصل عليه أهل كفريا والفوعة وبسهولة؛ بسبب توفير الفصائل المحاصرة لهم ما هم بحاجة له من أمن وسلام وراحة وطعام، وحتى السلاح والمواد الطبية متوفرة لهم، نعم المجال للمقارنة واسع، وواسع أكثر مما هو متوقع، ولكن لماذا؟

لأنهم شيعة، ولديهم من يدعمهم من إيرانيين وحزب الله، وأهل الغوطة سنة، ولا يوجد راع وداعم لأهل السنة، حتى من أهل السنة أنفسهم وقادات الدول العربية.

لماذا أيتها الفصائل تحمون القلة لتموت الأمة؟ تحاصرون وتحمون بنفس الوقت كفريا والفوعة ومحاصرتكم لهم هي الوسيلة الوحيدة والورقة الرابحة للضغط على النظام ليشعر بحصار الغوطة وألمهم أم يحق لهم العيش على حساب دماء الأبرياء (الغوطة).

لماذا يا دول الراعية والداعمة والضامنة إذا تألم طفل من أطفال كفريا والفوعة تقفون وقفة الاحتجاج والغضب، وإذا مات آلاف الأطفال والشيوخ والنساء من الغوطة لا تبدون غير قلقكم وازدرائكم وإدانتكم لروسيا والنظام، ولا زلتم تدرسون وتتحققون من استخدام النظام للأسلحة المحرمة دوليًا: الفوسفور والنابالم والكلور؟ ألم تنته تحقيقاتكم بها إلى الآن؟ إلى متى صمتكم عن الظلم قائم؟ ألا يوجد لديكم ذرة من الإحساس والكرامة؟ ذرة واحدة من الرحمة؟ فلا عتب عليكم أن كان قادات الثورة أنفسهم نسوا حصار الغوطة وتوجهوا لقتال أنفسهم والتضيق على ما بقي من مناطق محررة، النظام يقتلنا، ونحن نساعده في قتل أنفسنا، وربما نقتل أنفسنا بسلاحهم الذي اغتنمه الثوار بمعارك النصر ذات يوم، فسلاحهم يقتلنا، ولكن بأيدي فصائلنا.

فكيف لشعب أن يحترمكم ويقبل بحكمكم له وهو يرى ظلمكم على بعضكم وسفككم لدماء إخوتكم الذين تعاهدتم معهم في يوم من الأيام على قتال النظام والوصول للحرية؟ أهذه هي مبادئكم؟ إشهار سلاحكم في وجوه إخوانكم، وحماية المحاصرين بكفريا والفوعة، وترك الغوطة لتعاني ما تعانيه، من قتل للأطفال، واعتقال للشباب، والاعتداء على النساء، وإهانة الشيوخ، وتدمير المنازل؟ أليس من الأولى لكم فتح الجبهات والمعارك والتضيق على ما يهمهم من كفريا والفوعة لتخفيف الضغط على المحاصرين في الغوطة؟

نظام الأسد لا يترك أية وسيلة للقصف والتضييق والعنف ليقطع الطريق الواصل بين الغوطة والعاصمة دمشق مانعًا وصول الغذاء والدواء والمواد الطبية ومقومات العيش إلى الأهالي المحاصرين وسط صمت المجتمع الدولي إزاء الموت البطيء الذي يتعرض له المحاصرون.

في تقرير أعده المختص بالشؤون الحربية بالشرق الأوسط باتريك كوبيرن أن كثافة النيران التي يستخدمها الجيش ضد آخر معاقل للمعارضة يفوق أي شيء شاهدناه في السبع سنوات السابقة، ويقول قد يحدث قريبًا السيطرة على المنطقة مثلما جرى في حلب من تدخل دولي في آخر لحظة لتنفيذ عملية إخلاء واسعة النطاق لسكان المنطقة ويعتبر حصار الغوطة آخر حصار في المنطقة مع أنه تميز بطوله لعدة سنوات ربما بسبب المناطق الزراعية وقدرتها على توفير الغذاء بشكل جزئي عكس المناطق الأخرى التي تعرضت للحصار سابقًا، وفي ظل تحقيق تقدمات للجيش برية في بقية أنحاء سوريا من السهل على القيادة السورية نقل أعداد منهم لخوض معارك برية في الغوطة والقضاء على المعارضة.

(في المعتقل زلازل جماعية، نرفع رؤوسنا وننظر للعالم من نافذة صغيرة، السماء بعيدة، ويصعب رؤيتها، محجوزة من كافة أنواع الطيران، نشرتها الجوية، براميل وصواريخ وشظايا، وإن توفرت لنا وجبة طعام واحدة فنحن من المحظوظين، كلمات عفوية تكتبها فتاة باللهجة العامية.

نيفين الحوتري وهي أم تعيش في الغوطة الشرقية، تحلم بأن يتوقف القصف لساعة واحدة فقط؛ لتتمكن من النوم الذي تمنعهم منه صواريخ النظام المنهمرة عليهم كالحمم البركانية على مدار الساعة.

ففي الأيام الأربعة الأخيرة يزداد التضييق عليهم، فنزولهم إلى الأقبية التي تغص بالمئات ممن يفترشون الأرض والأتربة هربًا من الموت القادم إليهم من السماء متزامنًا مع القصف فوقهم مع مرافقة الفقر للطعام والماء، وأي مقوم للحياة، وفي فترات الراحة التي لا تتجاوز النصف من الساعة في أحسن الأحوال يخرج الآباء والأمهات بالمخاطرة بحياتهم للمناطق القريبة للبحث عن الطعام مع العلم أنه من الصعب الحصول حتى على الخبز؛ وذلك بسبب خروج الأفران عن الخدمة، وإن وجدت المواد الأولية فهناك عجز في تحضير الطعام الكافي للجميع، وتمر الأيام وتمضي والقصف قائم على رؤوس السكان، وأعداد الأماكن الصالحة للاختباء تتناقص بسبب استهداف حتى الأقبية؛ ليبقى معظم الجثث تحت الركام والمراكز الحيوية وخاصة الطبية تخرج عن الخدمة أيضًا، ومع ترافق القصف توجد مفاوضات عربية ودولية لوقف إطلاق النار، والسكان ما عادوا يبالون بما يجري من تهجير أو موت أو تغييب، لم يعد هناك فرق، يموتون والعالم يعلم بقصص معاناتهم، ويسمعون أصوات مناشداتهم، يموتون بصمت دولي وأممي بارد.

إلى من يهمه الأمر من الثوار! عودو إلى رشدكم وتمسكوا بمبادئكم، وكفوا عن قتل بعضكم؛ فسلاحكم ودماؤكم أولى بكم ضد النظام، فلا تظلموا أنفسكم، ولا تظلموا ثورتكم، ولا تحكموا عليها بالموت على أياديكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد