من عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسنِ إلى الصّادق بن عبد الرحمن بن علي الغرياني، فإنِّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أمَّا بَعْدُ:

فإنه في ليلةٍ من ليالي دمشق الباردة، كنتُ فِي شبابي نائمًا مع بعض الطلاب في زاوية من زوايا الجامع الأمَوي، فاحتلمتُ في ليلتي تلك، فاستيقظتُ قبيلَ الفجر فلم أجد ماءً أغتسلُ به؛ إلا بركة في طرف المسجد شديدةَ البرودة، فخلعتُ ثيابي وأنا أرتجفُ من البرد، وغَالبتُ نفسي فألقيتُها في تلك البركة واغتسلتُ بالماء البارد، ثم خرجت أشهقُ من شدّة البرد، فأُغمِىَ عليّ، ثم استيقظت وجلست حتى طلع الفجر فأَغفيت إغفاءةً بسيطة، سمعتُ فيها صوتًا يقول: يا ابن عبد السلام أتريد العلم أم العمل؟ فقلتُ أريد العلمَ لأنه يهدي إلى العمل، فأصبح بي بكرم الله وفضلهِ ما تعلم.

أخـــي الصادق اسمًا وفعلًا..

قد علمتُ أنّك أفتيتَ بعدم جواز الذبح قبل الوقوف بعرفة سنة 2009 يوم أن أمر ذلك الحاكم المستبد الظالم «القذافي»، بذبح الأضاحي قبل ذلك بيوم، ولقد أُعجبت وذُهلت عندما أضيف لي أنّك فعلت هذا في القنوات الفضائية التّابعة للقذافي، ولم تخشَ في ذلك إلا الله.

أخـــي الحبيب..

لقد عشتُ في الشام فترةً من حياتي، وعايشت تفتت دولة الإسلام إلى دول يتنافس أمراؤها على الملك، وأصبح بعضهم يقاتل بعضًا ويتحالف مع الصليبيين ليتفرغ لقتال إخوانه وبني عمّه، ولما كُنتُ في دمشق تحالفَ ملكها مع الصليبيين وسلّم لهم بعض حصون الشام وقلاعها، وكنتُ قاضيًا ومفتيًا، فصعدتُ المنبر وأنكرت على الملك وختمتُ الخطبة بقولي: «اللهم أبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا تُعِزُّ فيه وليَّك، وتُذِلُّ فيه عدوَّك، ويُؤْمَر فيه بالمعروف، ويُنْهَى فيه عن المنكر».

حتى إذا أتاني نبأُ مُـكالمتك مع قناة (الجزيرة) في 20 فبراير من عام 2011 ومن وسط طرابُلس، وبفتواك التي أفتيتَها في تِلك المُداخلة بوجُوب نصرة أهل بنغازي والذين استفحل فيهم القتل لأنّهم خرجوا في مظاهراتٍ ضد «القذافي»، فامتلأ قلبي فخرًا بك خاصة لمّا سمعتُ قولك في تلك المكالمة: «إنَّ ما يحدثُ في ليبيا شيءٌ لا يطاق، ولا يجبُ السُّكوتُ عليه، آلةٌ حربيّةٌ ثقيلةٌ تواجه مدنيين صُدورهم عارية»، ثم خطابك للعسكر من أتباع القذافي بالتذكير والتحذير، ثم نطقت بها صريحة مدوّية فزاد فخري بك أضعافًا مضاعفة لمّا قلت: «واجبٌ على كل مواطن غيور في هذا البلدِ وعلى أهل طرابلس وكل المدن الليبية أن يقفوا وقفةً واحدةً حتى يتوقف هذا الظلم على أهل بنغازي»، وسمعتُك وأنت تقول: «فرضُ عينٍ على كل مسلم أن يقومَ بكلِّ ما يقدرُ عليه لإيقاف هذه الدماء، فرضُ عينٍ على كل الليبيين أن يخرجوا ليوقفُوا هذه الدماء».

أخـــي الشيخ..

لقد قرأتَ أنت عن موقفي لما اجتاحَ التتار بغداد وتقدّموا نحو مصر، وأنّ القلوب بلغتِ الحناجر، فأسرعتُ إلى سلطان مصر واجتمعتُ بعساكرها وخطبت فيهم قائلا: «اخرجوا وأنا أضمن لكم على الله النصر»، ثم كانت أزمة المال القليل الذي لا يكفي لمواجهة العدو، فقلتُ للسلطان: إذا أحضرت ما عندك وعند حريمِك وأحضر الأمراء ما عندَهم من الحُلي وفرَّقته في الجيش ولم يقُم بكفايتهم فعند ذلك نطلب القرض من التجار، وأما قبل ذلك فلا، فأحضر السلطان والعسكر ما عندهم بين يدي وامتثلوا أمري فانتصرنا بفضل الله.

ولقد سَمعتُ أنا عنك بدوري ما فعلتَهُ عندمَا أراد المُجرم خليفة حفتر الانقلاب على الدولة، ووقفتك التي سيخلّدها التّاريخ، وتوجيهاتك التي تنبع من قلبِ عَالمٍ عَلَمٍ مُحب لبلاده، ثم وقوفك في وجه عصابات الحرابة التي تقطع الطرق، وفتاواك بخصوصهم، ففتواك في حق من يقفل صمّامات النفط، وكلامُك في حقّ عصابات سرقة المال العام من المسؤولين، فما وُفِّقْتُ لكلمة تُوفيك حقك من المدح.

أخـــي مفتي عام ليبيا..

لقد قدتُ أهلي لصد الفرنجة الصليبين، وقدت أنت أهلك لخلع محرف كلام رب العالمين، ولقد والله عاصرتُ عددًا من الملوك والسلاطين فحافظت على النصح لله ولرسوله ولعامة المسلمين، وكذلك فعلت أنت.

ولقد كان معي في خروجي من القاهرة طلاب العلم وتلاميذه والعلماء والصُّلحاء والتجار والصناع، وكذلك من هم معك اليوم، وسيلحق بك الباقون، إن شاء الله تعالى.

أخـــي وخليليَ الذي لم أره..

أحمد الله أنك أنتَ أنتَ على الحال الذي نعرف، فمثلك والله رجل بأمة، فذكّر الأمة بأمجادها لتستعيد سيرتها الأولى، وإذا تنكرت البشرية لمواقفنا ومواقفكم، فمن يلوم الحاسد المبغض أو الجاهل المنكر، لكن من يعذر مسلمًا بجهله لمثل هذا التاريخ العريق والنضال الرفيع.

ذكّرهم بقول الشاعر الذي يندبُ حظّ المسلمين على نسيان الأمجاد والجذور، لعلّ الذكرى تنفعُهم:

بالله سَلْ خَلْفَ بَحْرِ الرُّومِ عَنْ عَرَبٍ بالأمس كانوا هنا واليوم قد تاهوا

استَرْشَـدَ الغَرْبُ بالماضي فَأَرْشَدَهُ ونحـن كانَ لنـا ماضٍ نسينـاه

أخـــي الصادق الغرياني..

سمعتُ أنه في عصركم حُكم علىَّ بالبدعة والخروج عن منهج السلف الصالح، وأنا الذي كان العلماء على مر العصور يشهدون لي بالعلم ومحاربة البدعة، وأعلمُ أن الراسخين في العلم في عصركم، شهدوا لك بأنّك جمعتَ بين فنون العلم من الحديث، والفقه، والأصول، والعربية، وأعلمُ أنّ كتبكَ تدرّس لطلبة العلم في سائر البلاد، وأعلمُ أنك العالم الذي سيخلّف من بعده العلمَ والمواقِفَ الخالدة في قوْل الحقّ، فما بال القوم يحكمون عليك بمثل ما حكموا عليّ به (البدعة والخروج عن منهج السلف)؟

هل غرّهم منك أنك أقوى منهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنك أغزر منهم علمًا وورعًا، وأنّك خيرهُم قيامًا في الحقّ وشجاعة وقوة جَنانٍ وفصاحةَ لسان؟

أخـــي يا ابن عبدالرحمن..

أنتُم اليوم تمرُّون بمثلِ ما كان يمر به المسلمونَ في عصرنا، دويلاتٌ وإماراتٌ ممزّقة، وعصرٌ الأمة أغْنَى ما تكون فيه عن طالبِ علمٍ يزيدُ في التمزيق، عصرٌ يقتنع فيه الشابُّ بالقليل ثم لا يكلّفه «العلم» أكثر من كُتيبات وأشرطة، ولا يعرفُ من المنكرات والبدع التي يستشرف لمحاربَتها إلا بعضَ مسائل الخلاف التي مرّت قرونٌ على اختلاف المسلمين فيها من غير إنكار، عصرٌ الأمة في أشد الحاجة فيه إلى الانتفاع بشبابها الذي تعطل الانتفاع بهم لما اجتروا ثقافة معاصرة سطحية تنتقل به في يوم وليلة إلى مقام يستأثر لنفسه الفوزَ بالفرقة الناجية، ثم يستنكف ويشمئز من السماع لك ولغيرك من العلماء الراسخين، ثم يتطور موقفه فينعطف على الأكابر والمتقدمين والمتأخرين بالتبديع والتحذير.

ولقد سمعتُ أن قرابة قرنٍ من الزّمان مرّ على تأسيسِ منهجٍ أرادوا فيه أن يُحاربوا البدع وأن يوحدوا صُفوف الأمة؛ فانتهى هذا التوحيد والجمع إلى تبديعيَ (العز ابن عبد السلام) وتلاميذي!!

أخـــي أيها الجبل الأشم..

ناشدتُك الله أن تثْبتُ على ما أنت عليه، وأن تَعمل مع العُلماء الرّاسخين في ليبيا على تحريرِ العُقول لتميّز الخبيثَ من الطيب والغثّ من السَّمين.

ثم اعْلمْ رحمَك الله أنّك قامةٌ وقيمَةٌ صنعتْ وتصنع فارقًا حقيقيًا لبلدِك وأهلك

فخُذْها مِني صَريحة بِلا مِراء، أنتَ سُلْطَانُ العُلَمَاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد