قد رسخنا في الجزأين السابقين من هذه السلسلة مبدأين أساسيين في الدعوة لتجديد الخطاب الديني: أولهما أن التجديد الديني المطلوب هو تجديد إصلاحي ضروري؛ وليس من باب الترف الفكري والعصرنة ومسابقة الحداثة، وثانيهما: أن القيام بهذا الإصلاح شرف وتكليف من الله عز وجل، وتوقفنا عند الاسم الذي أطلقه رسول الله على القائمين بمهمة الإصلاح والتجديد والحفاظ على الإسلام من التحريف، والمنافحين عنه لكي لا يُحصر في زاوية العبادات بعيدًا عن المجتمع، سماهم رسول الله بالغرباء.

فمن هم الغرباء؟

الجواب صريح وواضح في نص حديث نبوي صحيح:

ففي السلسلة الصحيحة عن سهل بن سعد الساعدي –رضي الله عنه– عن النبي –صلى الله عليه وسلم– قال: «إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء»، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «الذين يَصلُحون إذا فسد الناس». وفي رواية أخرى في الصحيحة، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: «ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير، ومن يعصيهم أكثر ممن يطيعهم».

إذا نجد من هذا التعريف البليغ أن الغربة في الدين مرتبطة بعدة صفات لا بدّ من وجودها لتمام التشريف الإلهي للغرباء،وإن جماع هذه الصفات في القدرة على الإصلاح، وربط هذه القدرة بالصلاح.

لا تستطيع أن تخوض في مجال إصلاح الناس دون البدء بصلاح نفسك، وإن وجدت جماعة تريد القيام بهذا الإصلاح أو دولة أو منظمة أو جمعية فلا بدّ لها من أن تنطلق من نفسها، فتكون صالحة بذاتها مصلحة لغيرها، وأهم هذه الصفات:

1. العلم بشرع الله علمًا عمليًا والوصول إلى درجة التمييز بين الأصول والفروع، ليستطيع إدراك المجال الذي ينطلق منه للتجديد والقاعدة الثابتة التي ينطلق منها ولا يخدشها.

فلا تقبل على سبيل المثال دعوات التجديد التي ترى القرآن حدثًا تاريخيًا مضى وانتهى؛ فلا ينصاعون للمحكمات من آياته، ويلوون ألسنتهم في المتشابهات.

2. الفقه بالواقع والصلة بمتغيرات الواقع وثوابته، فلا يمكن أن تجدد خطابًا لا تستفيد منه في محاكاة واقعك، فإن خطاب الضعف يختلف عن خطاب القوة، ودليل ذلك ما نراه من تفاوت الأهداف والقيم بين الآيات المكية (التي نزلت قبل الهجرة في أيام استضعاف المسلمين)، وبين الآيات المدنية (التي نزلت بعد الهجرة في زمن التمكين).

3. الإخلاص لله في هذه الدعوة التجديدية، فلا تكون لطلب سمعة أو شهرة، أو لبناء جماهيرية وشعبية، أو حتى نصرة لحزب أو عصابة أو تنظيم أو دولة دون الأمة، أو محاولة لدخول جحر الضب الذي دخله غير المسلمين، ومجاراة أهل الأهواء ورؤوس الكفر.

بل النية خالصة لله، كي يكتب للعامل بها القبول في الأرض والسماء، ويوم الحشر والحساب.

4. الغيرة على دين الله وأمة الإسلام، فكما يقال: ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة.

فمن دخل مجال التجديد والإصلاح لأجل راتب يتقاضاه من دولته أو حزبه فلن يُفلح، فالإسلام يحتاج غيارى يدافعون عنه ويحمونه وينصرونه، وليس مستأجرين طلاب دنيا.

5. معاملة الأمراض الاجتماعية كالتخلف والجهل والبعد عن الدين؛ بل وحتى الإلحاد معاملة الطبيب للمريض، أن تعادي المرض وتصادق المريض ما وجدت ذلك نافعًا.

6. الحزم عند الثوابت والمرونة في وسائل التغيير واللين فيما غير ذلك مما يرجى النفع به؛ فالحازم في كل شيء متشدد متعصب، ومصيره أن يُكسر فيفشل، والمرونة في كل شيء تورث النفاق والخبال في القلب فتضيع هيبة الدين، واللين في كل شيء لا يحمي دينًا ولا يبني مجتمعًا، ومصير اللّيّن أن يُعصر.

7. امتلاك أدوات التأثير من المعرفة الكافية بأحوال أعدائك والأمراض المجتمعية، وامتلاك القدرة الحوارية والإقناعية، وامتلاك الوسائل الإعلامية التي تلامس عقول الناس وقلوبها.

8. التدرّج قدر المطلوب في التغيير والإصلاح، فليست الغاية أن تنهي مهمتك بقدر ما الغاية أن تؤسس بشكل صحيح لمهمتك، فلربما يغافلك الموت فيكملها غيرك على أساس سليم، واحذر أن تكون منبتًّا عجولًا، فالمنبتّ لا ظهرًا أبقى ولا أرضًا قطع.

9. الصبر واحتساب الأجر، فلا تُنال القمم إلا بالصبر والجلد.

شرف الغربة شرف عظيم، وقد لا أكون حصرت جميع صفات الغرباء المصلحين لكن أوردت أهمها، وبذلك نترك الجزء الرابع القادم من سلسلتنا للتمييز بين دعوات التجديد الهدامة، وبين ما ندعو إليه من تجديد بنّاء، ولا أخفيكم أن السلسلة طويلة فادعوا لنا بالسداد حتى إتمامها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد